شرف وكرامة وميزة المؤمنين بإقامتهم أفكارهم وتصوراتهم وسلوكهم بنورانية وحي الله وبلاغ أنبيائه

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جلسة الجمعة الشهرية الـ68، باستضافة حارتي الرحبة والبدور في ساحة مسجد حسن بن سميط في البدور، بمدينة تريم، ليلة السبت 16 شوال 1447هـ، بعنوان: 

شرف وكرامة وميزة المؤمنين بإقامتهم أفكارهم وتصوراتهم وسلوكهم بنورانية وحي الله وبلاغ أنبيائه

لتحميل نسخة pdf

في هذه المحاضرة يوضح الحبيب عمر بن حفيظ:

  • ميزان التفاضل الحقيقي في الاتباع للأنبياء لا مظاهر القوة.
  • الخشية من الله ثمرة العلم الصحيح ومعرفة الحقيقة.
  • الحذر من الاغترار بالثقافات والأفكار المخالفة للوحي.
  • أن العزة والنصر والشرف لا تكون إلا بالله والاعتصام به.
  • ضرورة اختيار القدوات من أهل الصدق والإنابة والاتباع.
  • رحمة النبي ﷺ وحرصه على هداية الخلق حتى مع أعدائه.
  • أن ضعف الأمة لا يدخل إليها إلا من داخلها. 

 

نص المحاضرة:

الحمدُ لله الذي منه المٌبتدَأ، وإليه المرجع والمآل والمآب والمعاد، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، سَعِدَ مَن تنوَّر بهذه الشهادة قلبُه والفؤاد، وسعادتهم على قدر تحقّقهم بحقائقها.

وظهورٌ السعادات -مع ما يسبق في عالم الفَناء- مُرتَّبٌ على ذلك التحقق بحقائق شهادة أن لا إله إلا الله؛ في البرازخ أولاً، ثم في مواقف القيامة ثانياً، ثم في الخُلد والأبد والدوام.

ونشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، الذي بلَّغنا هذه الحقائق عن الخالق، وحمل لنا النور في ختمٍ للنبيين والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم، وفي إمامةٍ لهم، وفي إتمامٍ لأنوار مساعيهم وما أُجري على أيديهم من منافع عباد الله تبارك وتعالى، وهو القائل: «مَثَلي ومَثَل الأنبياء قبلي كمَثَل مَلِكٍ ابتنى دارًا ،فأحسن بناءها إلا موضع لَبِنة، فجعل الناس يطيفون بها ويقولون: ما أحسن هذه الدار لولا موضع هذه اللبنة! قال: فأنا موضع تلك اللبنة».

بعثة خير الأنام وسُنَّة الله في خلقه 

كَمُلَت به هداية الله، وتُحَف ومِنَح الرحمن لعباده المكلفين على ظهر الأرض من الإنس والجن، بلغوا القمّة والتمام والغاية ببعثة خير الأنام محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

ومن بداية ما نزل أبونا آدم إلى الأرض إلى أن جاء ختم النبيين، كانت سعادة السعداء من المكلفين بإصغائهم واستماعهم لبلاغ الأنبياء عن الله.

قال الله لآدم، ولم يكن معه إلا زوجته حواء، ولكنَّ الله تبارك وتعالى الذي أخرج منهما وخلق منهما رجالاً كثيرًا ونساءً، يعلم من سيأتي من أولادهم لصلبهم، ثم من تلك الذرية الذين ينتشرون في بقاع الأرض إلى الحدود المُحدّدات، وتتابع سُنَّته وتدرك كل قرية: (وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا). 

ولم يزل آثار قومٍ بعد آثار قومٍ عبرةً للمعتبرين، وهكذا حتى تكون من آخر المدن خراباً في هذه النواحي كلها؛ مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأنه ليأتي عليها أيام ليس فيها إلا السِّباع والوحوش.

وذلك أنَّ شِرار الخَلْق الذين تقوم عليهم الساعة بعيدون عن تلك المناطق وتلك الأماكن، وهم شرُّ هذا الخلق، شرُّ هذا الصنف من المخلوقين إنسًا وجنًّا، هم الذين تقوم عليهم الساعة. 

حقيقة الدنيا أمام عظمة الخالق

ويأتي الوقت الذي يتحوّل فيه وضع هذه الأرض كليًّا، بل ووضع السماوات كذلك، والأمر أكبر من أسلحة نووية، ومن قنابل ذُرية، ومن هيدروجينية.. أكبر  وأجلّ وأعظم من كل ذلك! إنه الموعد الذي حدّده الخلّاق: (لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً).

يأتي الناس فيُصْعَق من في السماوات ومن في الأرض، فالعقول التي كبَّرت الأرض تكبيرًا وجعلتها كأنها الغاية والنهاية -ومع ذلك أجزاء من جملة الأرض ولا يزال فيها الربع الخالي، ولا يزال أكثرها أيضاً ماءً واليابس فيها قليل- مع ذلك كله، فالعقول المُغترّة بتعظيم هذا وكأنها كل شيء؛ عقولٌ ناقصة الوعي والفهم والإدراك.

ما خُلقت الأرض ولا الكواكب من حوالينا إلا لمعرفة قدرةِ قادر ، وعظمةِ عظيمٍ مُكوّن يكوّن ما شاء.

 لذا لما عرض لنا سبحانه وتعالى وصف الجنة قال: (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)، وقال: (عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)، فتصغر الجنة في عقلية الواعي لخطاب الخلّاق، وتصغر السماوات والأرض بالنسبة للجنة ، تصغر السماوات -ليس الأرض وحدها- السماوات والأرض ، وكم ما بين السماء والسماء ؟ وكم ما بين السماء الدنيا والأرض؟  كله يكون قليل بالنسبة للجنة.

فكيف بعرش الرحمن؟ فكيف بأسمائه وصفاته؟ فكيف بقدرته وإرادته التي لا حدَّ لها ولا غاية؟ فالذين وقفوا مع الأرض وما فيها -وهو وارثها كما أنه مُنشئها جلَّ جلاله- قَصُرَت أفكارهم وعقولهم، ولذلك تراهم كلما اتّسعوا فيما يطمعون فيه من قيادة الأرض ومن على ظهر هذه الأرض بتصوّراتهم الأرضية القاصرة، كلما برزت منهم المساوئ والمقابح بل والقبائح والدناءة.

الاصطفاء الإلهي وميزان التفاضل بين البشر

وذلك أنهم وضعوا أنفسهم أمام نداء إلهٍ وبلاغ أنبياء خُتِموا بمصطفاه؛ هذا الصوت الذي يجب أن يكون هو المعدن الوحيد لثقافة المؤمن، وفكر المؤمن، وعقل المؤمن، واتساع فكره ونظره وإدراكه للحقائق، وهو الشرف والذخر والفخر. 

لمَّا أَهبَط أبانا آدم وما معه إلا حواء وسيأتي الذرية، قال: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ).

فلا ضلال ولا شقاوة من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة عند أي آدمي كائنًا ما كان، إلا بالخروج عن متابعة هُدى الله، بالمخالفة لهُدى الله! جميع الضلالة وجميع الشقاء، بكل معانيه حِسًّا ومعنى، ما يكون إلا من مخالفة هدي الله تعالى وهُداهُ الذي أنزله على أنبيائه، فخُتِموا بسيّدهم محمد صلى الله وسلم وبارك على الذي شرَّفنا به، وكنَّا به خير أمة، اللهم لك الحمد شكراً ولك المَنُّ فضلًا.

فانظروا رَبَط الحقّ الإيمانَ به بالأنبياء، بالإيمان بملائكته وكتبه ورسله وأنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم، بل قال عن تلك الجنة التي إليها مصير السُّعداء: (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ): يعني قوم في عقلياتهم وثقافاتهم وأحاسيسهم لا شيء أعظم من الله ثم رُسُله، هم المُقَدَّمون على كل مَن سواهم، هم الأفضل على كلْ مَن عداهم، هم الأجلّ ، نعم وهم كذلك والله.

 إنَّ الرحمن لم يصطفِ ذا عبقرية لأجل أن يبتكر ابتكارات في أرض أو في أجهزة! اصطفى من يوصل القلوب بِمُقلِّبها، ويُهيّئ الخَلْق لإدراك الحقيقة والخُلد في دار النعيم والكرامة.

شر البرية وخيرهم

(اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ)، سِرّ اصطفائه مضى هنا، فما بقي من حقيقة فضلٍ لغير الأنبياء إلا على قدر الاتصال بالأنبياء واتّباعهم فقط. 

ومَن خالف هديَ الأنبياء فلو جاء بعلوم الشرق والغرب من طرفها إلى طرفها، وقام بجميع معاني الحضارات، فهو حقير  وهو صغير في ميزان الخالق، وكذلك عند مَن آمن بالخالق.

بل هم شرّ البرية كما ذكر ربكم: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ). تعرف معنى شر ّالبرية؟ أخس خلق الله، أرذل خلق الله! (أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ). 

وأين الكرامة والشرف على الحقيقة؟ (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)، والمستقبل الكبير: ( جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهارِ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ).

الخشية من الله ثمرة العلم الحقيقي

والذي خشي ربه هو الذي خرج من الأوهام وظلمات الخيال كلها إلى نورٍ من الحقيقة. كل من خرج من الوهم والخيال لا بد أن يخشى الخالق ذا الجلال، جلّ جلاله وتعالى في عُلاه، وما تَقِلُّ خشيته إلا من سلطة الوهم والضلال والخيال الذي يسيطر على عقليات الناس وأفكارهم على ظهر الأرض.

بذلك وصفَ الله العلماء بالخشية وقال: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، وبقدر عِلمهم يخشونه.. 

ولمّا كان الملائكة على مستوى رفيع من العلم بالحقيقة و العلم الصالح النافع، قال تعالى: (وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ)، (بل عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ). 

فنحن أمام عروض من الجبار الأعلى لارتقاء الرُّتَب العُلى في السعادة، وحقيقة الكرامة والشرف المؤبّد؛ كيف يزاحمنا على هذا أصوات هؤلاء من الشرق والغرب؟!

أيريدون أن يستعبدونا؟ أم يريدوا أن يُنَصِّبوا أنفسهم آلهة بدل هذا الإله جلّ جلاله؟ أم يقولون إنهم اهتدوا بعقلياتهم إلى ما لم يعلمِ الله ويُنزله على أنبيائه؟! (قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ)، (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) جلّ جلاله!

الحذر من الاغترار بالثقافات الزائفة

لذلك ما شَرُفَ العلم ولا عَظُمَ فضله إلا لكونه يوصل إلى هذه الحقيقة، في الرابطة بخير الخليقة، ويُخرج الناس مِن وهمهم وخيالهم وضلالاتهم إلى نور هدى وحق. 

يقول تعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ): خَرْصٌ وظنٌّ وحَدْسٌ باطل، قوَّموا عليه كثير من حركاتهم في الحياة، حتى وصلتم إلى ما تشاهدون على ظهر الأرض وماذا يجري عليها. 

لذا يجب أن ندرك أنهم وَهُم وهؤلاء المتغطرسون والمتعجرفون ما أحوَجهم إلى أن يدركوا هذه الحقيقة، ولكن قضت الحكمة: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)، (وَإِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ)، (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ).

الأدب مع الله والخوف من الخواتيم

وهذا يوقِف أهل الوعي واليقين على حدود الأدب من الناحيتين: ناحية ما يحكمون على أحد -ما لم يمت على الكفر- بالشر، والخواتيم غيب، والأمر لله الحاكم سبحانه وتعالى في عباده بما يشاء. 

ثم بعد ذلك كله لا يجدون مجالاً للكِبْر ولا للعُجب في أنفسهم، ولا أيضًا للتطاول على بعضهم البعض؛ خشيةً من هذا الإله الذي له الحُكْم، والذي غيَّب الغيب وحقيقة المآل عن عامة الناس بالنسبة لأعيانهم.

أما بالنسبة للمنهاج فقد أوضحه تمام الإيضاح: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ). (فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ)؛ أمور واضحة بالنسبة للمنهج والسلوك والصفات.

أما بالأعيان والأشخاص، يقول نبينا ﷺ: «وإنَّ الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنَّ الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها»، جلَّ الله الذي بيده تقليب القلوب وأمر الخواتيم، ونسأل الله حُسن الخاتمة.

الرحمة والشفقة في التعامل مع الخلائق

والوعي لهذه الحقائق يوقفنا موقف التواضع وموقف الرحمة والشفقة، وكلّ من عرف الله لم يستطع أن يتعامل مع الكائنات إلا بهذه الأوصاف الشريفة التي كان عليها النبيون صلوات الله وسلامه عليهم. 

وهذا يمتد إلى أنواع التعامل حتى مع أجزاء الإنسان، وبقية أجزاء الوجود والكائنات، حيوانات وهي حيوانات! بهائم ما لها عقل الإنسان ولا شرف كشرف الإنسان، مُحرّمٌ قتلها إلا ما عيَّن الله قتله، مُحرمٌ ذبحها إلا ما أحلَّ الله ذبحه لمصلحة هذا الإنسان، ولو ظُلِم منها أي حيوان على يدِ إنسان؛ لجُمِع بينه وبينها واقتُصَّ لها منه في يوم القيامة.

وفي هِرَّة حُبِسَت امرأةٌ، حبستها لا أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض، فحُبِسَت في النار من أجل هذه الهرة! انتصاراً من الله لحقّ هذا الحيوان الضعيف من خلال هذا الإنسان. 

فسبحان صاحب العدل والحكمة! والأمر لا محاكم يمكن أن يُرشى أصحابها، ولا أن تخادع، ولا أن تُقلَب فيها الحقائق؛ حُكْمُ مَن أحاط بكلّ شيء علمًا: (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ).

العجب من أدعياء العدل في الدنيا

والعَجَب أنَّ أدعياء العدل والقيام على العدل في الدنيا، هم من أفسق الخَلْق على ظهر الأرض، ويُخفون ما لا يُظهرون، ويعاملون أنفسهم معاملة تخرجهم عن كل مقاييس العقل، فضلًا عن العدل، فضلًا عن الدين. 

وهكذا لم يزل الأمر في هذه البرية، ويختار الله من شاء للإيمان به، وتحقيق الإيمان به، والصدق معه سبحانه وتعالى؛ فيُحسنون التعامل حتى مع الأرض: (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا)، ما يعرفون التكبُّر على الأرض التي يمشون عليها، فكيف بغيرها؟ 

ورضي الله تعالى عن سيدنا أويس القرني، مِن سادة التابعين، بل صحّ في الحديث خير التابعين أويس، وروى الإمام مسلم في صحيحه عن رسول الله ﷺ أنه ذكره وقال: «رجل مجهول في الأرض معروف في السماء». 

وجاء عنه أنه إذا كان يوم القيامة قيل له: قِف، فيُشفّع في عدد كربيعة ومُضَر -أكبر قبائل العرب-.. إذا جاء إلى المزبلة ليلتقط ما يتأتَّى التقاطه ليغسله، فيأكل بعضه ويتصدق بالبعض، فجاء كلب من الناحية الأخرى، فصار يقول: «يا كلب، أنت مما يليك، وأنا مما يليني، فإن أنا جُزتُ على الصراط يوم القيامة فأنا خيرٌ منك، وإن لم أجز على الصراط فـأنتّ خيرٌٌمني»، ما رضي يتكبر على كلب!

هؤلاء أهل حقيقة النور، وأهل المنفعة لعباد الله، هم الأمناء، هم الذين يصلحون لقيادة الخَلْق، هم الذين يؤمِّنون الناس من شرور أنفسهم على أنفسهم وعلى بعضهم البعض، من اهتدى بهديهم أمِنَت منه حتى الحيوانات والجمادات والنباتات، فكيف بالناس؟

نتيجة اتباع قيادة غير الأنبياء

ولكن يبحثون عن عيشة طيبة وحسنة من وراء أنظمة تجيئنا ساعة من هنا وساعة من هناك، وكل يوم يبدّلونها ويغيرونها، ويضربون بعضهم البعض! وهِمَمْ وراء السلطة ووراء الثروات ووراء الشهوات، مُستعبَدين لها والعياذ بالله. 

أهؤلاء يحلّون محل قيادة الأنبياء؟ ومحل قيادة الوحي المنزَّل من السماء؟ومحل قيادة خاتم الرسل وسيّد المرسلين؟ من هم هؤلاء؟ وأي حقٍ أن يُتَّبعوا بأي معنى من المعاني؟

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ) -وسائل وأسباب الرُّقي الأعلى موجودة بينهم- (وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ). 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ)، إن قالوا انهم يحمونك فهم الذين سيهزمونك، وإن قالوا إنهم سيرفعونك فهم الذين سيُخفضونك، وإن قالوا هم الذين يُشرّفونك فهم الذين سيهينونك،  وإن أردت الشرف فمن عنده، وإن أردت نصراً فمن عنده (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) .

 (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ)، والأمة في تاريخها تقرأ هذا في الدنيا قبل الآخرة، - وفي الآخرة مُنكشف كل شي على الحقيقة- لكن في الدنيا قبل الآخرة؛ كل من اعتمد على غير الله وركن إليه ما تمر الأيام ولا السّنون ولا القرون الا وهو عبرة من العبر ، وصار في الهون، اتخذ من دون الله أولياء (كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ  لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) .

من نرتضي لنا قدوة؟

نحن من خلال هذه اللقاءات والاجتماعات والمجالسات، والتلاقح بيننا بأنوار  هذا الوحي والواجبات في الحياة، نريد الوصول الى سرّ هذه الرابطة القلبية بربّ العرش، متحرّرين من رقّ أنفسنا، ورقّ الشهوات، ورقّ الدنيا الغرّارة، ورق محبة السلطة، والرقّ لأي شي يصدّنا عن الله تعالى، لنكون عبيد خُلَّص لواحد اسمه الله.

لم يرتضِ لنا قدوة ولا أسوة إلا أنبياه وأصفياه، ثم من بعدهم أتباعهم من الذين وصفهم في القرآن بوصفين: وصف الإنابة ووصف الصدق، قال: (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ). 

وأي واحد تجد لا عنده إنابة ولا صدق؛ انتبه تتخذه قدوة، انتبه تتخذه مرجع! لا في فكر، ولا في خُلق، ولا في أي معنى من معاني الصلاح لا في الدنيا ولا الآخرة.

منزلة العلماء والشهداء القريبين من الرسل

انظر مَن أناب إلى الله، انظر أهل الصدق مع الله، هم أتباع الأنبياء! إذا فَقَدْت الأنبياء؛ لن تفقد المنيبين ولن تفقد الصادقين، وهم الذين يَدُلُّونك على حقيقة ما بُعِث به الرسل، كما قال: «أقرب الناس من المرسلين يوم القيامة العلماء والشهداء»، من ضحّوا بأرواحهم مخلصين لوجه الله، ومن أفنَوا أعمارهم في تعلُّم العلم وتعليمه لوجه الله، هؤلاء أقرب الناس من الرسل يوم القيامة.

 ففي الدنيا إن تريد أن تقرُب من الرسل فعن طريقهم، هم أقرب الناس الى الرسل، "أقرب الناس  إلى الرسل يوم القيامة العلماء والشهداء"، وبيّن الحيثية  ﷺ:  "أما العلماء فدلّوا الناس على ما بُعث به الرسل". 

وكلّ مَن ادَّعى العلم ولا يدل على ما بُعث به الرسل؛ يُعَلِّم من هنا كِبْر، ومن هنا بغضاء، ومن هنا شحناء، ومن هنا خداع، ومن هنا تظاهر بغير الباطن، هذا ما دلَّ الناس على ما بُعث به الرسل، ليس قريبًا من الرسل، وليس من أهل العلم على الحقيقة؛ هو من أبعد الناس عن الرسول في دنياه وآخرته.

"دلّوا الناس على ما بُعث به الرسل"؛ بُعثوا بالإخلاص، بُعثوا بالصدق، بُعثوا بالتواضع، بُعثوا بالإنابة إلى الرحمن، بُعثوا بتطهير الجنان، بعثوا بالأدب صلوات الله وسلامه عليهم. 

قال: "وأما الشهداء فماتوا على ما بُعث به الرسل"؛ أي: لتكون كلمة الله هي العليا، من مات على ذلك فهو في سبيل الله، فهم أقرب الناس من الرسل يوم القيامة.

الحث على التواصي بالحق والصدق مع الله

كل ذلك يوقفنا على هذه الحقائق التي يجب -مع خروجنا من رمضان والشهر الكريم المبارك، واستقبالنا لأشهر الحج ثم الأشهر الحُرُم- أن نغنم تواصينا بالصبر والحقّ، فإنه صفة الناجين من الخُسر في سورة العصر: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)، وسواهم خاسر! خاسر، لا تُصدّق الخيال! 

مَن يقول لك إنه ناجح هنا ولا هنا، لم يؤمن ويعمل الصالحات ويتواصى بالحق والصبر؛ خاسر! بيقين يحلف عليه ربك: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ). جنس الإنسان، كلّ إنسان: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) هم وحدهم.

لذا يَحسُن أن نُجِدَّ ونجتهد في هذه التواصلات القلبية الروحية، ونصدق مع الله تعالى في الارتفاع بحاراتنا وببلداننا، وهي جزء من أمة محمد ﷺ، يحمل أرباب الصدق فيها إرادة الخير للأمة في المشارق والمغارب.

محبة الخير للأمة وهدي النبي ﷺ مع الناكثين

وإسلام الكافر  أحب إليهم من قتله، وكان صاحب الرسالة ﷺ كلما بعث سرية يقول: «ادعوهم إلى الله، فواللهِ لَأَن تأتوني بإسلامهم أحب إليَّ من أن تأتوني بأموالهم وسباياهم»، أحب إليَّ من أن تأتوني بإسلامهم، تنقذونهم من النار ، يعني ما أرسلت ولا بعثتكم في هذا الجهاد من أجل المال ولا الغنيمة ولا التشفّي من أحد، ولكن لربط الخَلْق بالأحد، فإن قدرتم أن تنقذوهم من النار- وقد صدّوا عن سبيل الله وحاربوا الحق ودين الله-إن قدرتم أن تنقذوهم فانقذوهم.

إلى آخر حصن من حصون اليهود، الذين نكثوا أول مرة، ونكثوا ثاني مرة، ونكثوا ثالث مرة، وخانوا العهود وألَّبوا على زين الوجود ﷺ القبائل وغيرهم، وآخر حصن من حصونهم في خيبر، أرسل إليه سيدنا علي، بعد ما بعث سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر في الأيام الأولى، أرسل سيدنا عليّ. 

فلما أرسله في اليوم الأخير في من؟ في الذين خانوا وخانوا وخانوا وكذبوا وكذبوا وكذبوا وألّبوا على النبي، فيرسله، يقول: «إلى ما أدعوهم؟ قال: ادعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فواللهِ لَأَن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمْرِ النَّعَم».

يعطي هذه الوصية لسيدنا علي في هؤلاء القوم الذين أتعبوه، وآذوه وآذوا أصحابه وألّبوا عليه، ما يحمل في قلبه إلا الرحمة، هو مأمون من قبل الخلّاق! وقد بقي آخر حصن من حصونهم تحصَّنوا فيه، قال: ادعهم إلى الله، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم.

وصية النبي ﷺ وحال الأمة اليوم

مع ذلك كُله، أقام سِرّ الولاءِ للهِ على الصدق، مع سر العدل والرحمة، ولم يسمح لأرباب هذا الكذب والدجل والخيانة أن يُمدّوا أيديهم إلى واقع الأمة وإلى أواسط المسلمين، ومَنعَهم بصدقه وعزيمته وحكمته حتى انتهى إلى هذا الأمر. 

وبعد ذلك كله؛ طلبوا أن يبقوا في المكان من أجل المعيشة ويألفون، يعني أرادوا حق الاقامة والجلوس، فأذن لهم ﷺ، قال: ما شاء الله وشئنا، إلى أن تُحدثوا شيئاً ويكون الأمر الخير في غير ذلك.

وأوصى عند موته ألَّا يبقى في جزيرة العرب غير دين الإسلام وغير المسلمين ﷺ، ونفَّذ سيدنا عمر بن الخطاب، وخانوا العهود وعملوا، وبدأوا يقتلون الناس بعد ما أمنهم ﷺ وأعطاهم ما يكفيهم من النفقة والعيشة، ومع ذلك كله خانوا وآذوا حتى طُرِدوا من تلك الأرض، وخرجوا إلى أراضٍ في الشام.

وهكذا لم يزل وَرَثتهم من أهل السوء حاملين الحقد على دين الله، وعلى نبي الله، وعلى آله، وعلى صحابته، وعلى أمته على العموم وخاصتهم على الخصوص، ملآنين بهذا الحقد. 

يا ويل من لم يتخلص منهم قبل موته، ومن مات على ذلك فهو من أشد الخلق بُعداً عن الله وغضبًا من الله، جلّ جلاله والعياذ بالله تبارك وتعالى.

وقال الحق: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)، والعياذ بالله تبارك وتعالى، وقال إنهم: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ)، بليّة من الله يبتلي بها من يشاء، فالحمد لله على نعمة الإسلام والهداية.

تراثنا الذي شُرِّف بالدين

حتى تدركون فيما ذُكّرتم به حتى من مسألة المشيمة، جزء من الأجزاء، السنة جاءت والهدى والدين أنه أجزاء الإنسان كلها وما تعلق به لها احترام، حتى نُدبنا في السنة أن ما يخرج من شعرك وما يخرج من ظفرك، أكرمه وادفنه، لا ترمه في القمامات وفي الوسخ، جاءت السنة بذلك، وهذا التقليد الذي عَلِمتموه وكان هو الأوفق للمجتمع صحة واجتماعاً وكرامة مِن دفن المشيمة.

ويأتي بالحديد الطويل ويحفر ويحفر ويحفر ويحفر ويضعها في ذاك المكان، ويسمي الله ويذكر الله سبحانه وتعالى ويدعي للطفل الذي ولد. 

تقاليد مبنيّة على فطرة وعقل ودين ووحي، صار فيه معنى من الإكرام، مثل الإنسان نفسه إذا قد خرجت منه الروح دفنّاه، فكان كما يقول العامة عندنا "كرامة الميت دفنه".

ويدفنون أيضاً في مكان يُعمقونه كما ندفن الميت، تحرسه من السباع، ما عاد يجي سبع ويأكله، لا يرمونه في القمامة تجيء الكلاب تأكلها، وهذا أصل، هي التي كانت مُنمّية لهذا الطفل، وهي التي كانت سبب وصول التغذية له عبر هذه المشيمة التي خلقها الله بحكمته وقدرته.

بذلك تعلم أننا مخدوعين أمام ديننا وأمام كثير من تراثنا الذي شُرّف بالدين، بأقاويل وزخرف القول الذي ينشره هؤلاء المقطوعون عن الله تبارك وتعالى. 

الانسلاخ عن الإنسانية والعقل

وما أحوَجهم لأن ننقذهم بما عندنا، لا أن نتورّط معهم بسوء ما عندهم من الظلام والجهل الحقيقي والعياذ بالله تبارك وتعالى.

(وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ويتشدّقون به (وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ).

وتسمعونهم حتى لو انهزموا في مكان يقولون انتصرنا ونحن قضينا.. وبعد ذلك؟ مستعدين سنقاتل، أنت قد قضيت عليه وبعدها ستقاتله كيف؟ وقد قضيت عليه من زمان سابق؟! لعب ولهو وهزو، لا عقل ولا ثقة ولا أخلاق، غاية في الانسلاخ عن الإنسانية، عن العقل، وكيف هذه القيادات.. هذه التي تصلح بدل الأنبياء؟ أعوذ بالله من غضب الله.

ما يعرف المؤمنون عظمة ما عندهم من هذا الدين، وسر صلتهم برب العالمين جلّ جلاله وتعالى في علاه، ولكن الأمر كما قال صاحب الرسالة: لو اجتمع أعداء الله في الشرق والغرب علينا ما قدروا علينا إلا بعناصر من بيننا، فقط! ما يقدرون أن يصلون إلينا إلا من بيننا ومن داخلنا، تكفَّل الرحمن الجبّار لنبيّه أن لا يُسلّط على الأمة عدوّاً من خارجها، وهم الى اليوم ما يصلون إلينا وضرّنا  إلا من عناصر وسطنا ومن بيننا.

(أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ)، أراد يتشفّع فيها قال الله سبق القضاء بهذا، (قلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ) قال: يا رب ما ينزل عذاب من فوق يعم أمتي قال: لك كذلك، (أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) قال: يا رب ولا من تحت أرجلهم يهلك أمتي ويعمها قال: ولك كذلك، (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ) قال: يا رب ترفع هذه قال: لا، سبق القضاء، هذا يبقى بينهم، هذه أمتك يقتل بعضهم بعضاً، أما عدوّهم الخارجي ما يقدر عليه إلا من خلال أوساطهم ومن خلال عناصر فيهم، أعوذ بالله تبارك وتعالى.

الدعاء للأمة والختام

فالله يُنقذ الأمة، والله يتدارك الأمة، والله يبارك لنا في مجامعنا، ويرزقنا الإقبال الصادق عليه بكليّاتنا، ويُحيي ما مات ويرد ما فات من حقائق الإسلام والإيمان والإحسان، لنصل إلى مرتبة المعرفة الخاصة بالرحمن، والمحبة منه والمحبة له. 

فإنه وَعَدَ وعداً لا يُخلَف، أنه كلما انتشرت الارتدادات عن الدين والبُعد عنه؛ يُهيّئ من عنده ويعدّ من عنده، لا ركوناً إلى شيء من المظاهر ولكن: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) -هذه أول أوصافهم- (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ).

يا مُتفضّل تفضَّل علينا، وبارك لنا وللأمة في عيد الفطر هذا، واجعل من بعد رمضان صلاحاً للشأن، ودفعاً لكيد النفس والهوى والشيطان، وجمعاً لشمل الأمة بعد الشتات الذي طال على مدى الأيام والليال، يا رب اجمع شملهم وألِّف ذات بينهم، على حقيقة لا إله إلا الله محمد رسول الله، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وعفواً على تأخّر الوقت والتطويل عليكم، والله يجمعنا في كل مقامٍ كريم، والحمد لله ربّ العالمين.

 

العربية