جلسة الجمعة الشهرية الحادية والسبعون
للاستماع إلى المحاضرة
Audio Stream
Audio Stream
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جلسة الجمعة الشهرية الـ71، في الساحة الشرقية لجامع عمر بن الخطاب، باستضافة حارة المطار، بمدينة تريم، ليلة السبت 12 محرم 1448هـ
يوضح الحبيب عمر بن حفيظ:
- مقدمة: الوجهة إلى الله والرسالة المحمدية
- اختيار الله عباده لحمل أمانة الخير والتآلف
- التوجيه بحسن التعامل مع المسيء وبذل المعروف
- أهمية التعاون في الأنشطة الصحية والدعوية في المنطقة
- الفرق بين الفرح الدنيوي القاصر والفرح بفضل الله
- تنبيه من الدعوات المفسدة
- ضرورة نفع الأمة
- التخطيط والنوايا الصادقة في العام الجديد لخدمة الأمة
- الاقتداء بالأنبياء والعلماء دون الاغترار بالقوى الظالمة
نص المحاضرة:
مقدمة حول الوجهة إلى الله والرسالة المحمدية
الحمد لله على مَنِّه وإحسانه، وعظيم امتنانه، وتوفيقه للتعاون على البرّ والتقوى، وأداء مُهِمّة الخلافة عنه بما يُستطاعُ سِرًّا ونجوى.
نشهد أنهُ الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، شهادةً جمعت الموقنين بها في دائرة الوِجهة إلى الربّ جلّ جلاله، وأوجبت عليهم التعاون والتآلُف والتحابُب والتآخي.
ونشهدُ أنّ سيّدنا محمدًا عبدهُ ورسوله، إمام الوجهة إلى الله، وسيّد أهل الدلالة على الله، مَنِ انْتُخِبَ من قِبَلِ ربّ العرش لرسالة محمولة عن الله إلى جميع المكلّفين من الإنس والجنّ إلى يوم الدين، رحمةً للعالمين، ومِنّةً من الربّ الكريم القويّ المتين جلّ جلاله وتعالى في عُلاه.
فكان حظَّنا من الأنبياء، وكنّا الحظ من الأمم، صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه، وعلى الذين سبقونا وسارعوا إلى تلبية ندائه، والتصديق بإرساله وإنبائه، وسَلَّموا له الزمام في كلّ وجهاتهم ونيّاتهم ومقاصدهم، وأقوالهم وأفعالهم ومعاملاتهم.
وأكّد الرحمن عليهم أنّ تِلكُم هي حقيقة الإيمان، لا يكمل الإيمان بدونها: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
وكان جامع الشمل بعد الشتات، والمؤلِّف بين قلوب المؤمنين أُلفةً خاصّة، يحملون بها وفي ضِمنها ومعانيها أمانة الخير لجميع الأمّة، ولهم إرادة في الإنقاذ والهداية حتى لمن يُحاربهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
ولهُم آداب ربّانيّة إنسانيّة بتوجيه الحقّ ورسوله مع مَن يحاربهم: «لا تقتلوا امرأةً، ولا طفلًا، ولا مُعتزِلًا في صومعته، ولا تُمثِّلوا بأحدٍ منهم»، إلى غير ذلك من التوجيهات والآداب التي فيها الإحسان إلى الأَسرى في حياة وسيرة وغزوات خير الورى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولا يشهد الناس على ظهر الأرض أجملَ ولا أنبلَ ولا أكملَ منها.
وجب على أجيال هذه الأمّة أن تستقي من هذا المشرب الصافي وجهتها ونيّاتها وانطلاقها في الحياة، بالعبادة والمعاملات التي إذا قامت على وجه الشرع أيضاً صارت عبادةً على وجه النظام الإلهيّ، ومقتضى الوحي والتنزيل والتشريع الربّانيّ.
اختيار الله لعباده المؤمنين لحمل أمانة الخير والتآلف
ويختار الحقّ تعالى في الأزمنة والأمكنة قلوبًا تُلبّي نداءه ونداء رسوله، وتستجيب وتبذل الوُسع فيما ينفع آخرة ودُنيا، دينًا ودنيا، آجلًا وعاجلًا، بهذا النظر الواسع للشرع المصون، وللمؤمن الذي صدّق الأمين المأمون صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وكان من نتائج ذلك — في ضمن إرادة الله — أن يبقى هذا الخير في الأمّة متسلسلًا، و "يحمل هذا العلم من كلّ خلفٍ عُدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين".
ومهما طغت النفوس والأهواء، وتمكَّن عدوّ الله إبليس بجنده من الإنس والجنّ أن يُغوي من يُغوي، وأن يفرّق بين الناس، وأن يبعث بينهم الشحناء والبغضاء والعداوة، وأن يَحرِفهم في وجهاتهم ونيّاتهم والسعي في مصالح للأهواء والعَصبيّات؛ مهما كان ذلك، فلا يزال في الأمّة — مِن عين عناية الذي اختار نبيّ الرحمة — مَن يُترجم حقائق الكمال الإنسانيّ بالإيمان واليقين والعمل الصالح.
يُقابل بالإحسان من أساء، فضلًا عمّن أحسن، ويوصل بِرّه ومعروفه حتى إلى من يُعاديه مهما قدر على ذلك؛ رجاءَ القرب من الله وتقريبِ ذلك الإنسان، وإنقاذِه من ورطة أن يلقى الله وفي قلبه غشٌّ وغِلّ، ومن ورطة أن تمرّ حياته وهو مُكدَّر البال على إخوانه المسلمين.
كلّ ذلك فضلٌ من الله باقٍ في هذه الأمّة: «ولا تزال طائفةٌ من أمّتي ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من ناوَأهم»، و «أمّتي كالمطر لا يُدرى أوّله خير أم آخره»، أي في كلّ خير، وتوزّع الخير في هذه البلدان.
وقامت هذه الحارة، وسبب تسميتها بالمطار أنه قبل إحداث المطارات التي تستقبل الطائرات، كان — مع قِلّة الطائرات في ذلك الوقت — هبوطُ بعض الطائرات في هذه البقعة وفي هذه المنطقة، فبذلك جاء اسم «المطار» وسُمِّيَت به هذه الحارة، ونرجو أن يكون أيضًا محلًّا لمُطار الأرواح إلى منازل القرب من الفتّاح، إنه أكرم الأكرمين.
التوجيه بحسن التعامل مع المسيء وبذل المعروف
بالتعاون والتآخي في دين الله تبارك وتعالى، فإنّ الذي فهم الفهم الصحيح لبلاغ النبيّ المليح - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - ودعوة الحقّ، لا يمكن أن يحمل في قلبه إلا إرادة الخير للصغير والكبير.
وهو أمام من ظلمه وآذاه ومد إليه يد السوء بغير حقّ، ما بين رتبةٍ دُنيا لا أقلّ منها: ألا يتجاوز حدّه في الردّ على ذلك المعتدي، ومقابلتِه بمثل ما قابل به.
وخيرٌ من ذلك أن يعفو ويصفح، وأعلى وأرفع من ذلك أن يُحسِن إلى المسيء ويبذل له المعروف، (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ * وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ).
خياراتٌ أمام المؤمن فيمن يؤذيه ويعاديه: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ * ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).
ولكنها صفاتٌ في شرفها لا يلقاها كلّ أحد: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ). اللهمّ ارزقنا الصبر وهب لنا الحظّ العظيم من عندك، واسلك بنا أشرف المسالك.
أهمية التعاون في أنشطة الحارات
بحمد الله سمعنا ما هو قائم في الحارة من نشرٍ للعلم، وتسبُّبٍ في زيادة الإيمان والوعي لحقائق الوحي، وزيارات للمرضى وللكبراء والعقلاء، وسعيًا في المصالح، ومنه ما سمعتم في كلمة أعيان المنطقة الأستاذ سعيد ربيحان وفّقه الله وأطال عمره في عافية وأعمارَنا وإيّاكم في وفاءٍ بعهد الله، من هذا المنتدى الصحّيّ الذي يؤدّي دورًا جيّدًا حسنًا، ومشَوا فيه وقطعوا وكانت لهم خطوات.
سمعتم كثيرًا من الإيجابيّات التي هي قائمة في المنطقة، والتنبيهات على ما يجب أن نرتفع عنه وأن نُبدّله إلى ما هو أحسن، وبذلك تقوم حقيقة النجاة والفوز بشاهد قول الحقّ: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).
ورأينا المعاودة التي مرّت أيضًا عليكم بأيام العيد وما صحبها مِن بهجة، ورأينا أثر البهجة في هذا الترحيب والاستقبال، وما حملهُ أيضًا شعور الشباب بدوافع إيمانيّة، يمكن أن يُعبّر الناس عن فرحتهم في أيّ استقبال ولأيّ وافد، ولكن أن يكون لأجل الله ولأجل دينه فهذا شأنٌ شريفٌ وكريم، وكلٌّ له دوافع تدفعه، ولكن إذا اعتلينا في دوافعنا فصرنا من أجل الله ومن أجل دينه، نعبّر عن فرحاتنا كهي في الأعياد، وكهي عند التعاون على البرّ والتقوى.
الفرق بين الفرح الدنيويّ القاصر والفرح بفضل الله
(قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)، أمّا الفرح القاصر من الفكر القاصر بمظاهر هذه الدنيا وحدها، فهو الذي نُهينا عنه.
وقال العقلاء والمؤمنون لصاحبهم قارون: لا تفرح، (إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ * إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) بمجرّد هذه المظاهر، ولكن الفرحين بفضل الله وبرحمته يحبّهم الله جلّ جلاله.
(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ * وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا):
- نصيبه من الدنيا: أن يكسب الدرجات العُلا في الدار الآخرة.
- نصيبه من الدنيا: أن يحوز مراتب قُربٍ من الإله؛ لأنّ الفرصة في الدنيا وحدها، بعد الموت لا فرصة في التقرّب إلى الله.
- أن يحوز نصيبه من الدنيا: بإنفاق هذا المال، للفقير والمحتاج والمريض والمعتلّ والمكروب والمنكوب.
قال: (وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا): أمّا تُجمّع الكنوز: (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ...)، ليس الكنوز، مفاتيحها! (لَتَنُوءُ): تثقُل، (بِالْعُصْبَةِ)، خمسة رجال أو أكثر أقوياء، (أُولِي الْقُوَّةِ) خمسة رجال أقوياء، يصعب عليهم - ليس حمل الكنوز - بل حَملُ مفاتيح الكنوز! (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ)، لكن لا تفرح بهذا (إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ * إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)، ولكن (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا).
ونرى أهل المدينة في فرحهم في استقبال رسول الله ﷺ، كيف كان وجهة تصحيح للمسار ونقلة من الجاهلية إلى الإسلام، صاروا يُعبّرون عن الفرح، كانوا في أعيادهم التي يعتادونها في الجاهلية وأكثرها قائمة على حروب وعلى إثارة نعرات بينهم وعصبيّات، لكن لمّا جاء الحبيب تحوّل الأمر، صار الفرح بالأُلفة وبالأخوّة، بإشراق نور النبوّة:
طلَع البدرُ علينا ** من ثنيّاتِ الوداعِ
وجَب الشكرُ علينا ** ما دعا لله داعِ
بيَّنوا حقائق دينهم وما نازلهُم في هذه المِلّة، فقالوا:
أيّها المبعوثُ فينا ** جئتَ بالأمرِ المُطاعِ
قد علِمنا نطيع مَن!
تنبيه من الدعوات المفسدة
وهكذا حال الأمّة في كلّ زمان، تُدعى من قِبَلِ اتّجاهات معيّنة في الشرق والغرب: إلى التباغض، إلى التباعد، إلى الغِلّ، إلى الغشّ، إلى الكِبر، إلى احتقار الدين، إلى احتقار أهل الدين، إلى التنكُّر لخيرات المؤمنين في ماضيهم وتواريخهم وأمجادهم الشريفة، إلى تعظيم الفَسَقة، إلى تعظيم الفَجَرة والكفرة، إلى إيثار الدنيا، إلى إثارة الشهوات والوقوع في المُحرّمات، دعواتٌ قائمةٌ على ذلك، من أجابها قُذِف به في الهاوية والعياذ بالله.
لكنّ دعوة الله ترفعنا، وعلى الخير تجمعنا، وفي أنظارنا وأفكارنا وبالنا وخواطرنا تُوَسّعنا، وعن الدنايا تنقّينا وتنظّفنا، ونأخُذ نصيبنا من هذه الحياة استعدادًا للقاء الرب؛ درجاتٍ عُلا، ولحوق بخير الملأ بواسطة الصفات والمعاملات.
ضرورة نفع الأمة
فالحمد لله على ما وفّقكُم، وأمامكم كما سمعتم طلبُ المزيد، والاعترافُ أنه إن كان من خير فمن الله وبفضل الله وتوفيقه، وأنه يجب أن نتعاون ونتآخى ونتآلف، ونبذل الوُسع في مرضاة الربّ، في خدمة الدين، وما يفرضهُ علينا هذا الدين مِن نفع الأهل والأسرة والجيران وأهل المنطقة، وأن نحمل فكرًا واسعًا في إرادة نفع الأمّة في شرق الأرض وغربها، بما يُقدّر الله لنا وبما يصل إليه وُسعنا، "وإنّما لكلّ امرئٍ ما نوى".
التخطيط ونيات العام الجديد لخدمة الأمّة
وها أنتُم في استقبال هذا العام الجديد، يجب أن يتجدّد فينا، ويتأكّد أتمّ التأكيد، معاني هذه الأخوّة والألفة والتعاون على ما يرفع شأن نسائنا وشبابنا وناشئتنا؛ فِكرًا وسلوكًا وحالةَ قلوب، فإنّ علّام الغيوب لا ينظر إلا إلى ما في القلوب.
وأن نربطهم بالحلقات والدورات والمساجد وذكر الرحمن، الذي أمرنا أن نذكره وشرَّفنا بوعده أن يذكرنا عند ذكره: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ)، و(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا).
ومن مجموع ذلك تتكوَّن هويّة المؤمن الإيمانيّة في مسعاه ومساره وأعماله اليوميّة والليليّة، وصلتِه بهذه المساجد التي إذا أخلص لله في التعلُّق بها صار ممّن يُظلّهم في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلا ظلّه جلّ جلاله وتعالى في عُلاه، وحُسن التشاور والنظر فيما ينفع، وما نستطيع أن نتوسّع به في المنافع للبلاد والعباد.
ومِن شعار هذه المِلّة والدين قول رسولها خاتم النبيّين ﷺ: «الخلق كلّهم عيال الله، وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله». فقد عَهِد إلينا أن نصدُق في إرادة النفع لعباد الله.
فيا صاحب الفكر المنحصر في فهم الدين إلى أن يقيم بعض العبادات والفرائض ويترك الظواهر من المحرّمات، ثم ينحصر على نفسه ويقصُر عن إرادة النفع للآخرين، ويعيش لنفسه ولأسرته فقط من حيث الماديّة والظواهر، نقول: دينك يدعوك أن ترتفع عن هذا المستوى، وأن تكون صاحب إرادةٍ لنفع العباد، ولنشر الخير والهدى والرشاد، وإنقاذِ خلق الله وإفادةِ عباد الله جلّ جلاله، «الخلق كلّهم عيال الله، وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله».
فهكذا يجب أن يفهم المؤمن دينه، وأن يعيش بهذا القلب الواسع والنيّة الكبيرة، باذلًا ما في الوُسع، وما لم يقدِر عليه وتصله قدراته واستطاعاته فَبِنِيّاته يصل إليه، ويثيبه الله على نيّاته، وهو الموفِّق جلّ جلاله، بل يزيد ويضاعف.
وضرب لنا النبيّ مثلًا في هذه الحقيقة؛ يقول أنّ رجلًا من بني إسرائيل في أيّام مجاعة مرّ على كثيبٍ من الرمال واسعٍ مستطيل، فصدق في وجهته ونيّته، وقال: يا ليت لي مثل كلّ هذا طعامًا أنفقه على هؤلاء الجوعى والناس المحتاجين في هذه الأيّام، وتَوَجَّه.. لكن كان صادق في نيّته، لو وُجِد معه ما سيترك منه ولا حبّةً، سيُنفقه.
فأوحى الله إلى نبيّهم: قل لفلان بن فلان قبلتُ صدقت، فدعاهُ وقال: إنّ الله يقول قبلتُ صدقتك، قال: يا نبيّ الله، أنا ما عندي شيء، وأنا فقير ما تصدّقت بشيء، فنادى الرب، قال: يا رب، إن فلان هذا يقول أنه فقير وما تصدّق بشيء، فأوحى الله: قُل له: ألم تمرّ على الرمال وتمنّيت أن لو كانت طعامًا تنفقه؟ فإنّا قد قبلنا ذلك منك، وكتبنا لك ثواب إنفاق كلّ ذلك طعامًا.
فقال له النبيّ: يقول لك الله: مررتَ على كذا؟ قال: نعم يا نبيّ الله، قال: قلتَ كذا؟ قال: نعم، قلتُ في نفسي يا نبيّ الله، قال: يقول لك الله إنه قَبِلَ ذلك، هذه الصدقة، تصدّق أغنياء زمانه كلّهم ما أحد يقدر يتصدّق بهذه الصدقة، وهو بصدقه نال هذا الثواب لهذه الصدقة الكبيرة.
كذلك علّمنا رسول الله ﷺ، فلتكن قلوبنا كذلك، فلتكن قلوبنا كذلك، سلك الله بنا أشرف المسالك.
الاقتداء بالأنبياء والعلماء وترك الاغترار بالقوى الظالمة
بارَك في اجتماعاتنا، وأعظم انتفاعاتنا، وجعل العام هذا الثامن والأربعين بعد الأربعمائة والألف من هجرة نبيّنا مِن أبرك الأعوام على أمّته أجمعين، أرانا فيه ما يسرّ قلبه وفؤاده وروحه، وما يقرّ عينه وما يقرّ أعين الصالحين.
ورَدّ عنّا كيد الكافرين والفاجرين الذين شبعوا تبجُّحًا أمامنا بأنهم أهل قيَم وأهل تقدُّم، وأهل فضل وأهل عدل وأهل إحسان، وتبيَّن أنّ كلّ ذلك تقمُّص بالصور، ليس له إلا حقيقة أنهم يتولَّون في العالم إرجاف الخلائق وبعث التخويف.
وغاية فخرهم أن يمتلكوا أسلحة الدمار الشامل، ولا يُحبّون أن ينافسهم أحد ليكونوا هم المُهدِّدين للعالم وحدهم، ثم يتبنّون في خططهم تقتيل الأطفال وتيتيم الأولاد وترميل النساء، ولا تركوا مساجد ولا تركوا مستشفيات ولا تركوا بُنىً تحتيّة إلا وقصفوا منها، غير عابئين، غير مبالين، لا قِيَم ولا أخلاق ولا إنسانيّة، وسفُلت كلماتهم، وكان ما كان ممّا يعلمهُ كلّ ذي عقل.
ألا والله، إنّ الخالق اختار لنا قدوات هم الأنبياء، ختمهم محمد، والقدوات بعد الأنبياء صالحو آلهم وأصحابهم أوّلًا، ثم وارثوهم من العلماء الأمناء الأتقياء ثانيًا، وليس في غير هؤلاء قدوة صحيحة قطّ، قطّ، قطّ!
مَن اقتدى بغيرهم فسد، مَن اقتدى بغيرهم فشل، من اقتدى بغيرهم طاح، مَن اقتدى بغيرهم خسر، القدوة أنبياء الله وصالحو آلهم وأصحابهم، ثم حملة الأمانة من ورثتهم من العلماء الأتقياء فقط، فقط، فقط.
لا قدوة في غيرهم من عربيّ ولا أعجميّ، ولا صغير ولا كبير، هم الذين اختارهم الله لنا: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)، (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ). (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ).
ثم قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ). على أعقابكم في الثروات، على أعقابكم في الاقتصاد، على أعقابكم في السياسة، على أعقابكم في الاجتماع، على أعقابكم في الأفكار، (يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ)؛ إن أردتم قوّةً، إن أردتم نصرًا، إن أردتم أمانًا: (بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ).
قال: وإذا قُمتم بأمري والتجأتُم إليّ، سأعامل هؤلاء بما أقول لكم: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا)، هذا في الدنيا، قال والخبر المستقبل الكبير لا يغيب عن أذهانكم، يقول سبحانه وتعالى: (وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ) والعياذ بالله، (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ).
ثم يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ)، ثم يقول في تحذيره العامّ: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ).
فانظر: (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ)، (وإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ..)، (وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)، يقول سيّدنا موسى لأخيه هارون: (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ).. هذه الأُسُس التي جاءنا بها النصّ والوحي الصريح من الحقّ، رزقنا الله الاقتداء والاهتداء والقيام بِحقّها.
وبارك في حاراتنا هذه، والقائمين عليها وأعيانها، ورزقهم كمال التعاون، متجاوزين جميع ما يدعونا إليه إبليس وجنده من التخاذل والتخاصم والتنافُر؛ فقد أيِس أن يعبده المصلّون في جزيرة العرب، فإن يطمع في شيء ففي التحريش بينهم.
اللهمّ رُدّ عنّا كيده وفتنته وضلاله وطمعه فينا، يا حيّ يا قيّوم، واجعلنا من عباد الرحمن الذين ليس للشيطان عليهم سلطان، واجعل هوانا تبعًا لما جاء به نبيّك، إنك أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، والحمد لله ربّ العالمين.
ختام الجلسة والدعاء
يكتبنا الله في ديوان مَن ارتضى، ويلطف بالأمّة فيما يجري به القضاء، ويجعل العام عام فرجًا للمسلمين، وغياثًا للمسلمين، وصلاحًا للمسلمين، وجمعَ لشمل المسلمين، وظهورًا لرايات النبيّ الأمين، وصدق مع الله في بواطننا ونيّاتنا ومقاصدنا ووجهاتنا.
وأن يقبل بوجهه الكريم علينا، وأن يعاملنا بألطافه الجميلة، وأن يسير بنا في سبيل من ارتضاهم واصطفاهم وقرَّبهُم وأدناهُم، وأن يُعيذنا من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا، وأن يصلح سرائرنا وأهالينا وأولادنا وذرّيّاتنا.
ويرزقنا التعاون على ما يُحِبّ ويرضى، وأن يشفي مرضانا ويعافي مبتلانا، يرزقنا خدمة الأمّة والدين والشريعة والمِلّة، بأوسع ما نقدر ونستطيع، على منهج قويم في المسلك القويم والصراط المستقيم، في تبعيّة الحبيب العظيم - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ذي الخُلق العظيم.
وأن يصلح أحوال الأمّة أجمعين، ويبارك في أحبابنا الوافدين من الشام ومن تونس ومن بقيّة الأقطار، ويجعل الله سبحانه وتعالى للمؤمنين منارة هدًى به يهتدون، يصدُقون مع الحقّ فيما يُسرّون ويعلنون، ويوفون بالعهود، ويتحقّقون بحقائق الركوع والسجود، ويبسط الله لهم بساط الفضل والكرم والجود، بسرّ الفاتحة إلى حضرة النبيّ محمد ﷺ.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ). سبحانك اللهمّ وبحمدك.
تاريخ النشر الهجري
17 صفَر 1448
تاريخ النشر الميلادي
31 يوليو 2026
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
الأقسام
(6)
(68)
(669)
(1968)
(153)
(56)
العربية