(447)
(628)
(368)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 22 شوال 1447هـ في دار المصطفى، بعنوان:
ضرورة وكرامة الإيمان والالتجاء إلى الرحمن وشهود تصريفه الأكوان وضلالة الاغترار بالفان
الحمد لله عظيم المَنِّ والإحسان، متواصل الجود والامتنان، لا إله إلا هو الرحيم الرحمن، أرسل إلينا سيِّدَ الأكوان، وأنزل عليه القرآن، وجعل أهل اتباعه في حِصنِهِ والأمان، وفي عناياتٍ تَفِيضُ من الرحمن في السِّرِّ والإعلان، في كُلِّ معنىً قاصٍ ودانٍ، ما لها من حَدٍّ ولا من حَصرٍ ولا من حُسبَان، بل تجارة عرضها الكريم الإله الرحيم، على يَدِ خير دلَّالٍ يهدي إلى الصراط المستقيم، صلوات ربي وسلامه عليه.
وقال -جلَّ جلاله-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ..) -اللهم كما أنعمت علينا بالإيمان فزِدنا منه، واجعل نصيب كل حاضر في محضرنا وكل سامع لنا ونصيب من في ديارهم من الإيمان وافرًا وكبيرًا، وزدنا إيمانًا ما دمنا في الحياة يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
(تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ..) -سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا، فما علمته الأصفياء الذين سبقت لهم منك سوابق السعادة علِّمنا يا كريم- (ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ..) ونتائج هذه التجارة والعطاء: (..يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) -اجعلنا من أهل الفوز العظيم يا عظيم- (..وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [الصف:10-13]، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
وتجتمعون في تَلَقِّي السُّقيَا من هذا المنبع الصافي والخير الوافي، الذي هو لكل عِلَّةٍ ومرَضٍ بإذن ربكم الإله شاف ومعاف (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ)، (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ * مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ * إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ..) [فصلت:44-47].
فما معنى الالتفات إلى غيره؟ ما معنى الاغترار بسواه؟ ما معنى الركون إلى مَن عداه -جل جلاله-؟ ما معنى الاعتماد على أي شيء من كائناته وخلقه دونه -جل جلاله-؟
معناه الجهالة، معناه الضلالة، معناه الرذالة، معناه الفسالة، معناه الانقطاع، معناه الشقاء، معناه البعد، معناه الطرد!
فنِعمَ الأسوة محمد بن عبد الله القدوة في جميع الخصال، المُنقِذ من الضلال، باهي الجمال، بدر الكمال، جامع الخصال الكمالية، وجامع الكمالات الإنسانية، ومحبوب الحضرة الواحدية الأحدية، محمد بن عبد الله، أحمد المنيب الأوَّاه، صلى الله عليه وآله وصحبه ومن سار في هُداه.
واجعل هذه القلوب سائرة في اتباعه في كل الشهادة والغيوب، مُنقَّاةً عن العيوب، يا مقلب القلوب بين يديك قلوبنا فصفِّها وطهرها، وسلِّمها من التبعية لمن تَغضَب لمتابعته، ومن التبعية لمن تبعيته تقطعنا عن جودك الواسع ومَنِّكَ العظيم وفضلك الكبير الكريم يا كريم، واجعل هوانا تبعًا لما جاء به الرؤوف الرحيم، الهادي إلى الصراط المستقيم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وبارك لنا في اجتماعاتنا هذه، فإنه لك ولوجهك ومن أجلك نجتمع، فلا تُخرِج أحدًا يا ربي من الحاضرين والسامعين إلا أن تشمله عنايتك، فيدخل في دائرة قوم أشرتَ إليهم وأمرتَ حبيبك أن يَنظُرَ إليهم، ولا يتعدَّاهم في نظر رحمته ورأفته وحنانه وعطفه ورضاه ﷺ، وقلت له: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ..) [الكهف:28].
فيَا أيها العقلاء ويا أيها المؤمنون النبلاء: لا مجال لتعظيم غير الله ممن خالف أمر الله، لا مجال لإهمال نظام الرحمن وشرعه الذي حمله مُصطفاه، وحبيبه سيد الهُداة، وإمام الدعاة، أصفى أصفياه وأحب أحِباه.
ذاكم محمد بن عبد الله، السَّجَّاد الذي بكى في سجوده وسأل المسجود له في شؤوننا وفي أحوال دنيانا وآخرتنا، وذكر أمته وما يكونون من بعده في الدنيا ثم أحوالهم في القيامة.
وبكى في ليلة من الليالي وأرسل الرحمن جبريل: انزل إلى عبدي محمد قل له ما يُبكيك وأنا أعلم؟ -هو أعلم جل جلاله- جاء يُسَلِّم على الحبيب ويقول له رب العرش يقول: ما يبكيك يا محمد؟ قال: يا جبريل مررتُ على قول عيسى في أمته: (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة:117-118]، وعلى قول إبراهيم: (فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [إبراهيم:36]، فتذكرتُ أمتي وما يكون حالهم من بعدي وحالهم في القيامة. رجع سيدنا جبريل قال: يا رب عبدك محمد يقول كذا وكذا. قال: ارجع إليه، قل له: "إنا سنرضيك في أمتك ولن نسوءك فيهم"، "إنا سنرضيك في أمتك ولن نسوءك فيهم"!
يا رب العالمين، يا أول الأولين، يا آخر الآخرين، يا ذا القوة المتين، يا راحم المساكين، يا أرحم الراحمين: اجعل هذا الجمع وما يجري فيه مما تَسُرُّ به قلب نبيك، وتُبعِد عنه الإساءة في أمته، اجعله قرة عين، ما تنظر به إلينا في مجمعنا وما تتجلى به على قلوبنا؛ اجعله سرورًا لقلبه، واجعله قرة عين له يا أرحم الراحمين.
واجعل له آثارًا فينا: نصدق معك ونريد وجهك، لا سواك، لا غيرك، لا مَن عداك، يا الله.. يا الله.. يا الله، وهي اصطفاءات منك أن تصطفي بها من تشاء، ولكنك صاحب الإفضال الواسع، وبأصفى أصفيائك نسألك أن تصطفينا وأهل مجمعنا ومن يسمعنا؛ فتدخلنا في من لا يريدون إلا وجهك، (وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ..)
ويقول للذي أرسلهم ملك فارس وأرسل إلى عُمَّالُه في صنعاء: ابعثوا لهذا الذي ظهر ويكتب هذا الكتاب احضروه إليه، ولمَّا وصلوا إلى عنده وجاءوا وكلموا النبي ﷺ قال: أرد عليكم الخبر في الغد. جاءوه، قال: البارحة ربي قتل ربكم، سلَّط عليه ولده قتله البارحة. أين؟ هناك في فارس، والنبي في المدينة المنورة! ورجعوا، وكانوا يتكلمون مع عُمَّال كسرى في صنعاء، قالوا له: ما رأينا مثل هيبته، وردنا على الملوك وعلى الأكابر ما هِبْنَا أحدًا كما هِبنَاه. قال لهم: يمشي معه جنود؟ قالوا له: لا، ولا جندي يمشي معه، وحده ﷺ، قالوا له: ولكن ما ارتهبت قلوبنا ولا ارتعبت مثل ما واجهناه! ﷺ في كريم خلقه في كمال عبوديته للرب..
كأنه وهو فَردٌ من جلالته ** في عَسْكَرٍ حين تلقاهُ وفي حَشَمِ
صلى الله وبارك عليه وعلى آله وصحبه..
قال -سبحانه وتعالى-: (إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ۗ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ..) يعني هذا الفساد والألاعيب التي تلعب بكم، قال الحكمة في الآخرة ما نريد لهم شيئاً من نعيمنا الكبير وعطائنا الوفير، ما شيء إلا العذاب أمامه، وهؤلاء اتركهم مفتونين (يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران:176]. اللهم أجرنا من عذابك، اللهم أجرنا من عذابك، اللهم أجرنا من عذابك.
(إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ..) قال لا يظنون هذا، إذا أعطيناهم بعض الأسباب، إذا أعطيناهم بعض الأموال، إذا أعطيناهم بعض القوات الحسية، وإذا مكَّناهم في بعض الأماكن وفي بعض الزمن، لا يغترون (..وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا..) من شأن عذاب أكبر في الدنيا وفي الآخرة -والعياذ بالله تعالى-، فإلى أين يمضون؟ وإلى أين يمشون؟ وهم أمام أعيُن أهل العقل في الدنيا يتعذبون قبل الآخرة، وعذاب الآخرة أكبر (..إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) بالغ الإهانة، مَن عُذِّب به فهو المهان الهَيِّن الساقط، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
آمنا بالله ورسله، فَثَبِّت اللهم الإيمان في قلب كل حاضر في مجمعنا، وكل من يسمعنا، في قلوب أهليهم وفي قلوب من في ديارهم، من أولادهم وقرابتهم وذويهم، وثبِّت هذا الإيمان في قلوب الأمة، وعجِّل بكشف الغمة، واجلِ عنَّا الظلمة، وادفع عنَّا النقمة، يا ولينا يا ولي الرحمة، يا عظيم النعمة، يا مُرسِلَ المصطفى لنا بالهدى: أَتِمَّ علينا نعمتك فيما خَفِيَ وما بدا.
واجعلنا بك وشريعتك ونبيك والقرآن الذي أوحيته إليه ونظامه الذي جاء به عنك من أسعد السعداء، واجعلنا بمرافقته من أسعد السعداء، فإنَّا نطلب منك يا ربنا أن نُرافقه غدًا، فاجعلنا بفضلك من رفقائه، فاجعلنا بفضلك من رفقائه، المُستَظِلِّينَ بظِلِّ لوائه، والواردين إلى حوضه الأطهَر والشاربين من مائه.. اللهم آمين، اللهم آمين، يا خير مسؤول، يا أكرم مأمول، بجاه سيدنا الرسول هَبْ لنا غاية السُّول، وزِدنا من فضلك ما أنت أهله يا بَرُّ يا وصول، يا الله.
ما أعظمه من رب! تنادونه وتطلبونه وتسألونه! وهو خلقكم من العدم وجعلكم في خير أمة، ويسَّر لكم الأمور وفتح لكم الأبواب، ويتجلى عليكم وينظر إليكم، ويوفّقكم وأنتم بين يديه، ما أعظم من تسألونه! ما أعظم من تدعونه! ما أعذبها من كلمة! يا الله؛ كلمة عِباد، عبيد ضعفاء، أمام القوي لطيف اللطفاء -جل جلاله-، عبيد عاجزون أمام القادر أقدر القادرين -جل جلاله وتعالى في علاه-، عبيد ضعفاء أمام القوي المتين ينادونه وينظر إليهم -جلَّ جلاله-!
يا الله، قُلها بقلبك وقُلها بكُليتك: يا الله.. يا الله، يا دافع البلايا، يا كاشف الرزايا، يا مصلح المقاصد والنوايا، يا مُصَفِّي السرائر والطوايا، يا عالم الظواهر والخفايا، يا الله: جُد علينا بما أنت أهله في الدنيا والآخرة، واجعلنا من أهل الوجوه الناضرة التي هي إليك ناظرة.
يا الله.. يا الله..، يا الله..يا الله، يا الله..يا الله، نِعمَ مَن دعوتموه، نِعمَ مَن رجوتموه، نِعمَ من ناديتموه، نعم الإله، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتُب علينا إنك أنت التواب الرحيم (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة:201]، برحمتك يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.
22 شوّال 1447