فوائد من كشف الغمة 413- فصل فيما جاء في إدمان أكل اللحم
بسم الله الرحمن الرحيم
فوائد من درس العلامة الحبيب عمر بن حفيظ
في تناول اللحوم وآداب الطعام
هَدْي الشريعة في تناول اللحم
أباح الله تعالى لعباده أنواعًا من اللحوم، وأكثرُ ما أحلَّه يقوم على ذبح الأنعام، فتفقُد حياتها بإذنٍ من الله وإكرامًا لهذا الإنسان. جاءت الشرائع بالتوسط والاعتدال، والبعد عن الإسراف والتبذير، والتعوُّد المستمر الذي يورث ضراوةً ويجعل ما ليس ضروريًّا ضروريًّا. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾.
تحذير عمر رضي الله عنه من ضراوة اللحم
كان عمر رضي الله عنه يقول: «إيَّاكم واللحمَ، فإن له ضراوةً كضراوةِ الخمر».
معنى ذلك: أنَّ المداومة عليه تورث إلْفًا وعادةً يتعلَّق بها صاحبها، فيصعب عليه تركها، كما يشقُّ على من ألِفَ الخمرَ تركُها إلا بمجاهدة ومشقة. وليس المراد منع اللحم، فإن منعه خارج عن حكم الشريعة، وقد أكله الأنبياء وغيرهم، وإنما المنهيُّ عنه: المداومةُ عليه والإكثارُ منه، وألَّا يجتزئ الإنسان بشيء من الأُدُم عنه.
أثر جابر مع عمر رضي الله عنهما
عن جابر قال: «أدركني عمرُ وأنا أجيء من السوق ومعي حمَّالٌ يحمل لحمًا، فقال: ما هذا؟ قلت: قَرِمْنا إلى اللحم ـ أي: اشتقنا إليه ـ فاشتريت بدرهمٍ لحمًا. فقال: أمَا يريدُ أحدُكم أن يطوي بطنَه عن جاره وابنِ عمه؟ وأين تذهب عنكم هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾».
وقد قيل: لعلَّ ذلك كان في وقت حاجةٍ ومخمصةٍ عمَّت الناس، فأرشده عمرُ إلى أن يطوي بطنَه عن جاره وقريبه.
معنى إذهاب الطيبات في الدنيا
قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ معناه ـ في حقِّ الذين كفروا ـ:
- استعجالُهم على الملاذِّ بأخذ المحرَّمات منها والمكروهات، مكذِّبين بالدار الآخرة.
- تضييعُهم أسبابَ النعيم الكبير الذي كان بإمكانهم تحصيلُه بالإيمان والعمل الصالح.
- انهماكُهم في الشهوات الحقيرة المحرَّمة، وعدمُ التفاتهم إلى نهي الله ورسلِه.
﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾.
حقيقة الطيبات لا تكون إلا لأهل الإيمان
صورةُ الطيبات هي للكفار والفجَّار، وأمَّا حقيقةُ الطيبات في الدنيا والآخرة فلا تكون إلا للمؤمنين الصالحين.
وفي الحديث: «إن أصابته سرَّاءُ شكرَ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبرَ فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن».
طلبُ الراحةِ في الدنيا مُحالْ ** وأرى الأُنس بها عين النَّكالْ
فاز بالراحةِ مَن يتركها ** راحة الدنيا مع أهل الكمالْ
أهلُ الكمال في صدقهم مع الله مرتاحون، لا همَّ ولا حزن ولا غمَّ ولا كِبْر، في كل الأحوال، وقت اليسر، وقت العسر، في حالٍ جميلٍ مع الجليل جلَّ جلاله.
المرقُ أحدُ اللحمين
قال ﷺ: «إذا اشترى أحدُكم لحمًا فليُكثِرْ مَرَقتَه، فإن لم يجد لحمًا أصاب مرقًا، وهو أحدُ اللحمَين».
وفي رواية: «فلْيُكثِرْ مرقتَه ولْيُهْدِ لجيرانه، من لم يجد لحمًا أصاب مرقًا».
في ذلك: أنَّ خصائص اللحم وفوائده تنزل في المرق بالغليان، فيحصل به الغذاء والقوت، فمن لم يجد اللحمَ أصابَ مرَقَه.
مَرَقة الأنبياء
قال ﷺ: «اللحمُ بالبُرِّ مَرَقةُ الأنبياء».
وفيه: ردٌّ على الفِرَق التي منعت أكلَ اللحم، أو زعمت أنَّه ظلمٌ للحيوان، أو بالغت في تركه.
البيضُ يُورِث القوة
عن ابن عمر عن النبي ﷺ: «أنَّ نبيًّا من الأنبياء شكا إلى الله عزَّ وجلَّ الضعفَ، فأمره بأكل البيض».
وقد جعل الله في بيض الحيوان أثرًا من القوة، لأنه يتكوَّن منه الحيوان. فجعل الله فيه من المواد ما يعود على الأجساد بالقوة والعافية، والأمرُ أمرُ الله، وهي كلُّها أسباب، وهو المُكَوِّنُ الخالقُ، يُقوِّي مَن يشاء ويُضعِف مَن يشاء.
كرمُ سعد بن عبادة رضي الله عنه
عن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: «أتيتُ النبيَّ ﷺ بجَفنةٍ مملوءةٍ مُخًّا، فقال: ما هذا؟ فقلتُ: والذي بعثكَ بالحقِّ لقد نحرتُ أربعينَ ذاتَ كَبِدٍ، فأحببتُ أن أُشبعَكَ من المخِّ، فأكل ﷺ منه ودعا لي بخير».
وفي الحديث: إثبات أكلِه ﷺ للمخِّ، وفيه دلالةٌ على عظيم كرمِ الصحابة وحرصِهم على إكرام النبيِّ ﷺ.
رزقنا الله الاقتداءَ والاهتداء، وتولَّانا فيما خفي وفيما بدا، وجعلنا من الهداة المهتدين، ورزقنا الصحةَ في تقوى، وطولَ أعمارٍ في حسن أعمال، وأرزاقًا واسعةً بلا عذابٍ ولا عتابٍ ولا فتنةٍ ولا حساب.
15 ذو القِعدة 1447