فوائد من: تفسير سورة طه (6) من الظلمات إلى النور: دروس إيمانية من قصة سحرة فرعون
العلامة الحبيب عمر بن حفيظ:
(كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ (54)): أرباب العقول؛ فكلّ مَن استخدم هذه الطّاقة الموهوبة مِن قِبل الرّحمن بالاستخدام الصّحيح الحَسن اهتدى إلى عظمة الخالق، وخضع له وامتثل لأمره واجتنب ما نهاه عنه واستعدّ للقائه.
قال تعالى: (وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ (55))
مَن الذي جاء بكم أوّل مرة؟ هل حكومة صنَعتكم أو حزب قَوَّمَكم؟! كيف جئتم أنتم؟ مَن الذي قَوَّمَكم حكومة أو دولة؟! والذي جاء بكم أوّل مرة ما الذي يُعجزه أن يجيء بكم مرة ثانية؟! يردّكم كما شاء ويُنشِئُكم كما شاء جلَّ جلاله؛ فلا مجال لاستبعاد البعث إلّا خَبَل العَقل، عدم إدراك العقل للبداية من أين جئت! والذي جاء بك أول مرة كيف يَعجز أن يرُدّك؟ وأمام عينك خلَقك مِن لا شيء، ويَرجع يُعيدك كما يشاء جلّ جلاله.
(قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ)؛ يقول بعض المفسرين العارفين: لمّا تأدب السحرة في البداية قالوا: (إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ (65)) جاءتهم العناية وأسلموا؛ جاءهم الخير لأنهم تأدّبوا، ولو أنّهم أتَوا بأنفسهم وقالوا سنعمل كذا ربما لم يُهدَوا، فهداهم الله تعالى، -سبحان الله- بسرعة تغيرت الأحوال، دخل نور الإيمان في قلوبهم فامتلأوا، في لحظات خَرُّوا سُجدًا!
(آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ)! وتتعرضون الآن لسخطة فرعون؟ أما كنتم خائفين منه أن يخرجكم من أرضكم، ويُذهب بطريقتكم المُثلى، وينزع الجاه منكم؟!
- الإيمان إذا دخل في القلب تتلاشى الأوهام كلها، تذهب الظنون كلها، والإشكالات الباطلة تذهب؛ على قدر قوة الإيمان.
(إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) يعني: مُلكك حقير، وشأنك صغير، دنيا فقط معك! لا تقدر أن تقضي في غيرها! أمامنا برزخ قاضي غيرك، أمامنا قيامة يَحكُم غيرك.. ليس أنت، أنت الآن في العمر القصير ليس عندك شيء، دنيا فقط حقيرة؛ سبحان الله!
- قالوا: أصبحوا سحرة فجرة، وأمْسَوا شهود بررة، أخيار صالحين أقوياء في الإيمان واليقين -لا إله إلا الله-.
(قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا) وهكذا المؤمنون أمام كل الحضارات الزائفة يقابلونها هذه المقابلة، هذا قرارنا وعقيدتنا؛ ربنا خير لنا منك، وأبقى لنا جوده وكرمه وإحسانه منك ومن مملكتك الزائلة البائدة هذه، اذهب! تَغيّر القوم؛ وتغيرت نظرتهم وكلامهم وخطابهم! -سبحانه- هذا خطاب المؤمنين.
نسأله أن يرينا في أمة حبيبه محمد ما تقرُّ به عين حبيبه محمد، وما يُسَرّ به قلب حبيبه محمد، اللهم أرِنا في هذه الأمة ما تَقرُّ به عين حبيبك محمد، وما يُسَر به قلب حبيبك محمد؛ في أحوالها وشؤونها، في شامنا وفي يمننا وفي الشرق وفي الغرب، يا ربّ المشارق والمغارب أرنا ما تقر به عين نبينا، وأرنا فيهم ما يُسر به قلب نبيّنا، ويُسِر قلوب الصالحين، وأُخذُل جميع المُعتدين الظالمين الغاصِبين المفسِدين، ولا تبلغهم مراد فينا ولا في أحد من الأمة يا أرحم الراحمين.
_____
لقراءة الدرس كاملاً أو المشاهدة:
26 شَعبان 1446