رمضان فرصة لإصلاح القلوب والبيوت
(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)، وجبَ أن يتميَّزَ في اعتقادِ كلِّ مسلمٍ باللهِ ورسولِه ﷺ؛ يعرف ميزةَ هذا الشَّهر، ويعرف شرفَ هذا الشَّهر، ويُقبِل على اللهِ فيه إقبالًا أكبرَ وأكثر، يُهيِّئُه للارتقاءِ في مرتبةِ التَّقوى، ولصلاحِ أحوالِه في السِّرِّ والنَّجوى، وليكونَ أرفعَ رُتبةً في الفهمِ عن الله، وفي المعرفةِ بالله، وفي الصِّدقِ مع اللهِ جلَّ جلالُه.
صفاء القلوب وتطهيرها:
المُنادي يُنادي مِن أوَّلِه إلى آخِرِه: يا باغيَ الخيرِ أقبِلْ، يا باغيَ الشَّرِّ أقصِرْ، فيُدعى مَن يُريدون الخير، وهم الذين يُريدون صفاءَ قلوبِهم ونقاءَها عن الشَّوائب.
تعيشون في كدرٍ وفي وسخٍ في القلوب؛ مِن بُغضِ هذا، والتَّحامُلِ على هذا وحسدِ هذا، والتَّكبُّرِ على هذا، وسوءِ الظنِّ بهذا، والغفلةِ عن عظمةِ اللهِ الجبَّار؛ طهِّروا قلوبَكم! فإنَّها الفرصةُ لكم، وإنَّها الغنيمةُ التي تغنمونَها مِن أعمارِكم.
طهِّروا قلوبَكم؛ عن مرضِ الإصرارِ على الذَّنب، فكلُّ ذنبٍ صغيرٍ ومعصيةٍ صغيرةٍ أُصِرَّ عليها صارت كبيرةً بالإصرار، قال تعالى: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
نحذَرْ مِن لهوِ القلوبِ: غفلتِها عن علَّامِ الغيوب، إهمالِها للأدواءِ التي في القلب، وتركها مشوبةً بأنواعِ الذُّنوبِ والأقذار، مِن الغفلةِ عن الله، والعملِ بمُخالفةِ شريعتِه ومُخالفةِ سُنَّةِ نبيِّه محمَّد ﷺ.
كنا نُشاهدُ السُّرورَ والفرحَ ينبسطُ حتى على قلوبِ الأطفال، وكنَّا قبلَ رمضانَ نُحِسُّ بزهوٍ حتَّى عندَ الأطفالِ في الشَّوارع، فقدنا هذا لمَّا انتشرت أفكارُ الغيِّ والفساد، وكلماتُ السُّوء، والمناظرُ القبيحة، وتخبَّثت الأفكارُ بإيثارِ الحقيرِ الفاني، ونسيان الملكِ الغفَّارِ جلَّ جلالُه.
تصحيح العلاقات:
مَن كان يعزمُ على الاستمرارِ في قطعِ الرَّحِم، أو عقوقِ الوالدين، أو إيذاءِ الجار، أو ظُلم أحدٍ مِن الناسِ في مالٍ أو دَينٍ أو إجارةٍ أو سكنٍ أو أرضٍ لأوقافٍ أو لأيتامٍ أو لضُعفاءَ لا يقدرون على أخذِ حقِّهم؛ فهو ممَّن يبغي الشَّرّ، يُنادى عليه: أقصِرْ عن هذا، وابعد وانقطِعْ عن هذا السُّوءِ الذي يُصيبُك، والذي تُحرَمُ به الخيراتِ والمبرَّاتِ وحقائقَ السَّعادات.
مسؤولية الأسرة في رمضان:
يجبُ أن نُحسِن مراجعة حساباتِنا لِما هو قائم وسطَ بيوتِنا؛ ما هي الكلماتُ التي تُطالَعُ في ديارِنا؟ ما هي الصُّورُ التي تُطالَع مِن قِبَلِ صغارِنا وكبارِنا؟
أو ذهبتِ المشاعرُ بإدراكِ وجوبِ تماسُكِ الأسرةِ، فصارَ هذا في غُرفتِه وهذا في جزءٍ مِن أنحاءِ البيتِ يُطالعُ ما شاء ويتفرَّجُ على ما شاء، ولا مَن يُساعدُه على اختيارِ الخيرِ والبُعدِ عن الشَّرّ، ولا مَن يُساعدُه على استقامتِه في مسلكِه على الهُدى والبِرّ.
لا نعمل على هذا التَّفرُّق والتَّباعُدِ مع تقارُبِ الأجسامِ وسطَ البيتِ الواحد، بل يجبُ أن نكونَ مُتداخلين بيننا، مُتعاونين على السُّنَنِ والحرصِ عليها، فضلًا عن الفرائضِ والواجبات وسطَ البيوت.
حقيقة الصوم:
لا تخدعنا النُّفوسُ ولا شياطينُ الإنسِ والجن فيأخذُوا شبابَنا وشابَّاتِنا إلى الغفلةِ في رمضان، وإلى الألعابِ في رمضان، وإلى السَّمَراتِ والسَّهراتِ الخاليةِ عن الذِّكرِ والقرآنِ في ليالي رمضان؛ ما هي إلَّا ليالي القيامِ والذِّكرِ والصَّلاةِ والدُّعاء، ما هي إلَّا أيَّامُ الصَّومِ الذي حقيقتُه كف الجوارحِ عن المعاصي (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
النَّبيُّ يُصرِّح لنا أنه ليس المُرادُ صورة الصوم ولكنْ حقيقتَه: "مَن لم يدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ به فليس للهِ حاجةٌ في أن يدَعَ طعامَه وشرابَه"، ما شرعَ لنا الصَّومَ وتركَ الطَّعامِ والشَّرابِ والمُفطِراتِ إلَّا لِتقوى فينا حقائقُ التَّقوى، ولننتهي عما نهانا عنه، ولِنصدُق في طاعتِه.
ضبط المجالس في رمضان:
ما يكثُرُ عندَ كثيرٍ مِن المُجتمعاتِ مِن العزوماتِ في رمضانَ وغيرِها، يجبُ أن تُصبَغ بصبغةِ الذِّكرِ والعبادة، وألَّا تكونَ محل غفلة، ويجبُ أن تُختصَرَ أوقاتُها مهما استُطيع، إلَّا ما انصرفَ في خالصِ الذِّكرِ أو في الصَّلاةِ والقراءة.
يُحترَزَ فيها عن كلِّ مظاهرِ الغفلةِ واللَّهوِ، والتَّقليلُ منها هو الأولى، والذي كان عليه خيارُ الأمَّةِ على مدى القرون، لا يكاد تظهر لهم عزومةٌ في رمضانَ لاشتغالِ كلٍّ منهم بشأنِ حلاوةِ تلاوتِه وقيامِه وصيامِه والأعمالِ الصَّالحةِ في رمضان، التي يضاعف فيها الأجرُ مِن واحد إلى سبعين، إلى سبعمئةٍ إلى ألف، الفريضةُ فيه كسبعين فريضةً فيما سواه، والنَّافلةُ فيه كالفريضة.
04 رَمضان 1447