خلاصة مستفادة من درس ميزان العمل (40) بيان تناول المال وما في اكتسابه من الوظائف
مدارسة واستخلاص درس الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ - حفظه الله تعالى -
في كتاب (ميزان العمل) للإمام حجة الإسلام/ محمد بن محمد بن محمد الغزالي – رحمه الله تعالى -
الخلاصة المستفادة من الدرس الأربعون/
(بيان تناول المال وما في اكتسابه من الوظائف)
المال في أصله وسيلة، وليس غاية؛ إذ يحتاجه الإنسان ليقضي به حوائجه، ويستعين به على ما خُلق له من عبادة الله والتزوّد للآخرة. فمنه ما يكون عونًا على الطاعة، فهذا هو المحمود، وعلامته:
- (1) ألا يُلهي عن ذكر الله تعالى.
- (2) وأن يُكتسب من وجه حلال.
- (3) وأن يُنفَق في وجهه مع الإخلاص لله.
غير أن السلامة في هذا الباب قليلة؛ فإن أكثر الناس عند طلب المال يقعون في (الشبهات أو الحرام)، ويُلهَون عن ذكر الله، ثم لا يضعونه في مواضعه الصحيحة، فيكون سبب هلاكهم، ولا ينجو إلا القليل. كما جاء في حديث أبي ذر رضي الله عنه قال :انتهيت إليه – أي النبي صلى الله عليه وسلم - وهو يقول في ظل الكعبة: " هم الأخسرون ورب الكعبة، هم الأخسرون ورب الكعبة ". فقلت : من هم بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال: " الأكثرون أموالا، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا ". أخرجه البخاري.
ويختلف الناس في فهمهم للمال، وفي قدرتهم على التعامل معه:
- فمنهم من يعرف حقيقته لكنه يضعف عن مجاهدة نفسه.
-
ومنهم من يجمع بين المعرفة والقوة، فيأخذ صفوه ويترك كدره.
ومثاله كمثل الحية: (فيها ترياق وسم)، فلا يحسن التعامل معها إلا من خبرها.
كما تختلف القلوب في التعلق بالمال:
- فمن التعلق ما يُعالج بالمجاهدة والتزكية.
- ومنه ما يتخلص منه ويكون بوَهبٍ إلهي يرزقه الله من صدق في الطلب.
وعلى العبد أن يبذل وسعه في (ترك الشبهات، وتقليل العلائق، والمحافظة على الطاعات)، فإذا فعل ذلك أعانه الله بإنهاء التعلق.
وعلى طالب السعادة الأخروية وظائف في المال، من حيث: (جهة الدخل، وجهة الخرج، وقدر المتناول، والنية).
1. الوظيفة الأولى: معرفة رتبة المال
ما يقتنيه الإنسان إما أن يكون راجعًا إلى (نفسه، أو بدنه، أو أمور خارجة عنه)، والمال من الأمور الخارجة، بل هو أدنى المقتنيات رتبة، وأدنى المال: الدراهم والدنانير؛ لأنها خُلقت للخدمة لا للمخدومية. فمن جعل المال مقصودًا لذاته فقد انقلبت عنده الموازين.
ومثل ذلك: كمثل رجل له دابة تحتاج إلى الطعام، فانشغل بتزيين العلف وترتيبه وبناء مكان له، وترك الدابة بلا طعام حتى تموت؛ فكذلك من يشتغل بتحصيل المال ويغفل عن المقصود منه.
فالمال خادم للبدن، والبدن وسيلة للنفس، والنفس هي محل الشرف والكرامة في الدارين:
يا خادمَ الجسمِ كم تسعى لخدمته أتطلب الربحَ مما فيه خسرانُ
أقبلْ على النفسِ فاستكمل فضائلها فأنتَ بالنفسِ لا بالجسمِ إنسانُ
وقد كرّم الله الإنسان، وسخّر له المخلوقات، قال تعالى:{ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ } فجعل تعالى أجناس الوجود من الحيوانات والنباتات والجمادات خادمة له، فالجمادات تخدم النباتات والحيوانات والإنسان، والنباتات تخدم الحيوانات والإنسان، والحيوانات تخدم الإنسان، والإنسان مشرف أن يخدم المُكوِّن سبحانه وتعالى، فمن لم يقبل هذه الفضيلة وحول نفسه خادماً، تنكر للعبودية لله فصار عبداً لغير الله فله الذلة والهون في الدارين.
والمال من الجمادات، فهو خادم للخادم. فمن جعله مخدومًا فقد عكس الفطرة، ومن استعبد نفسه له فقد خرج عن حقيقة العبودية لله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض ". رواه البخاري
2. الوظيفة الثانية: مراعاة جهة الدخل: المال إما أن يأتي من:
(1) جهة البخت: كالإرث والهبة، (2) أو جهة الاكتساب.
والكسب له وجوه معلومة شرعًا، (فلا يجوز الأخذ إلا من وجهه الصحيح)، ومن أخذ من غير ذلك فهو مذموم. والعبرة بحِلِّ المال لا بكثرته.
كان السلف شديدي التحرز في هذا الباب، قال ابن المبارك رحمه الله: "لأن أَرُدَّ دِرْهَمًا من شبهة أحب إليَّ مِنْ أن أتصدق بمائة ألف ومائة ألف حتى بلغ ستمائة ألف".
3. الوظيفة الثالثة: تقدير المقدار المأخوذ
وذلك في (المسكن، والمطعم، والملبس)، ولكل واحد ثلاث مراتب:
- الأدنى (الضرورة):
ما يدفع الحاجة، كمسكن يسير من رباط أو مسجد أو وقف.
- الأوسط (الكفاية):
ما يحصل به الاستقرار دون سرف، بحيث يخلو الإنسان بنفسه فيه ويأمن على معيشته.
- الأعلى (الترف):
دار واسعة مزينة كثيرة المرافق، وفيها زيادات لا تنحصر، وهذا خارج عن حد الدِين، وداخل في التوسع في الدنيا. فكلما زاد التوسع زاد التعلق، وكلما قُيّد بقدر الحاجة حصلت السلامة.
أسئلة:
1. كيف أوازن بين طلب التفوق الدراسي أو المهني (الذي يحتاج مالًا) وبين عدم التعلق بالدنيا؟
هل المشكلة في المال نفسه أم في تعلق القلب به؟ وكيف أحقق هذا عمليًا؟
الإجابة: الإشكال في النية والوجهة والحال، ليس في الأعمال وفي اكتساب المال ولا في الدراسات العليا، ما نيته وإلى أين وجهته وكيف حاله، فإذا صحت نيته قاصداً وجه الله تبارك وتعالى ولم تكن له وجهة إلى غير الحق من تلبيس النفس وإبليس، فكان حاله بالصدق والوفاء والصفا، وحاله لم يشتغل بذلك عن مهم من المندوبات فضلاً عن الواجبات، فهو مع اكتسابه للمال واشتغاله بالدراسة، لا يترك الضحى والوتر فضلاً عن الفرائض، ويحرص على تكبيرة الإحرام مع الإمام ويقرأ نصيبه من القرآن، والذكر والورد في اليوم والليلة، هذا حال صحيح يدل على أنه لا يتضرر لا بكسب المال ولا بالدراسة، ولكن إذا وقع الخلل في الحال، وصار في حساب طلبه للرزق يؤخر الصلوات أو يكذب أو يغش أو يؤذي أحدا أو ينسى نصيبه من تلاوة القرآن، فهذا ليس عنده صدق في النية، فإذا صحت الوجهة والنية وصح الحال فلا إشكال في الطلب.
2. كثير من مصادر الدخل اليوم فيها شُبهات (وظائف مختلطة أو معاملات معاصرة)، فكيف أتحرز دون أن أنقطع عن العمل أو أقع في الحرج؟ ما الضابط العملي للتعامل مع الشبهات في الواقع؟
الإجابة: أن يحسن النظر في كونه أبعد ما يكون في أعمال عن الشبهات، ثم يجاهد نفسه فيه ويصدق مع الله تبارك وتعالى، يلاحظ كيف يكون حاله مع تصحيح النية والوجهة والحال بأن يختار ما هو أبعد عن الشبهة ثم يتقي الله تبارك وتعالى في ذلك، فلا يميل إلى النظر الحرام ولا التأمل ولا الاسترسال والكلام الذي لا حاجة له وغير ذلك من الاحترازات إذا هو صدق مع الله فيها لا يضره.
3. ما الحد الفاصل بين (الكفاية المشروعة) و(التوسع المذموم) خاصة في زمن كثرت فيه المغريات؟ وكيف أضبط نفسي دون أن أشعر بالحرمان أو التقصير في حقي؟
الإجابة: هذا راجع إلى اختلاف الأماكن والأزمنة والعادات أولاً، ثم في كلٍ منها يعلم قدرٌ أنه زائد بيقين، ويعلم قدرٌ أنه حاجة وضرورة بيقين فلا إشكال فيه، فيبقى حسن نظره فيما يشك فيه هل هو داخل في الحاجة أم هو من التوسع الزائد، والتوسع الزائد: هو ما لا حاجة له إليه ويشغله عن مهم أو يوقعه في مذموم من الأقوال أو الأفعال أو المعاملات.
21 ذو القِعدة 1447