(636)
(482)
(31)
(368)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في مسجد حسن الكاف، بحارة خليف السحيل، مدينة تريم، ليلة الخميس 14 ربيع الأول 1448هـ
خطر الاغترار بصور وظواهر الدين ووجوب الاتصال بحقائقها والذوق لها
الحمدُ للهِ مُكرمِنا بإشراقِ النورِ المُبين، ومَحَلُّهُ صُدورُ المؤمنين، وكُلُّ صدرٍ أشرقَ فيهِ هذا النورُ المُبين؛ استبانَت لهُ الحقائقُ، وخرجَ من الأوهام، وخرج من الخيالاتِ والتّلبيساتِ التي يُلبّسُ بها إبليسُ -عدوُّ اللهِ- على العبادِ؛ فيحجُبهم عن سلوكِ سبيلِ الرّشادِ، وعن التّحقُّقِ بحقائقِ الإسلامِ والإيمانِ.
والرُّقيِّ بهما إلى رُتبةِ الإحسانِ التي فيها حُضورُ القلبِ مع الرحمنِ، وفيها نقاءٌ وطهارةُ الجَنانِ، وفيها عبادةُ المُتعبّدِ كأنّهُ يشهدُ المعبودَ ربَّ الأكوانِ.
قالَ عنها ﷺ لمّا سُئِلَ: ما الإحسانُ؟ قال: «أن تعبُدَ اللهَ كأنّكَ تراهُ» جلَّ جلالُه. وإنّما هذا ذوقٌ، وإنّما هذا إدراكٌ معنويٌّ، وإحساسٌ وشعورٌ، هو الحقيقةُ في الدّينِ، وهو الحقيقةُ في مُعاملةِ ربِّ العالمينَ جلَّ جلالُه.
وإنَّ الذي لا يأخذُ من هذا الدّينِ إلا صُورَهُ ومظاهرهُ؛ فما الذي يُفرّقُ بينهُ وبينَ أهلِ النّفاقِ؟ الذين أخذوا صُورةَ الدّينِ، وصُورةَ الشّهادتينِ، وصُورةَ الصّلاةِ مع النّبيِّ محمدٍ ﷺ، بل وصُورةَ الخروجِ في الغزواتِ والجهادِ، أخذوا صُورتها وليسَ معهم من حقيقتِها شيءٌ!
فحقائقُ الدّينِ أكبرُ من أن تكونَ مُجردَ معلوماتٍ وأعمالٍ ظاهراتٍ، إنّها أذواقٌ، إنّها مشاعرُ وأحاسيسُ، إنّها وجدانٌ يفيضُ في الباطنِ؛ يملأُ العبدَ بإلههِ وخالقِهِ جلَّ جلالُه.
حتى يقومَ الميزانُ عندهُ في محبةِ اللهِ: ألا يُحبَّ إلا من أحبَّ اللهَ، وإلا ما أحبَّ اللهُ سبحانَهُ وتعالى. فمن أحبّهُ اللهُ من الملائكةِ والإنسِ والجنِّ يُحبّهم، وبقيّةِ الكائناتِ والمخلوقاتِ.
حتى هذهِ المساجدُ؛ يجدُ المؤمنُ في قلبِهِ شُعورًا نحوها، ويجدُ في قلبِهِ ذوقًا في معنى المسجدِ. ويقولُ ﷺ فيمَن يُظلّهُم اللهُ في ظلِّ عرشِهِ: «ورجلٌ قلبُهُ مُعلقٌ بالمسجدِ».
قلبُهُ مُعلقٌ بالمسجدِ، ليس جسدُهُ يحضرُ في المسجدِ فقط! قلبُهُ مُعلقٌ بالمسجدِ إذا خرجَ منهُ حتى يعودَ إليهِ.
فمُدةَ ما هو خارجٌ؛ القلبُ في المسجدِ، وإذا رجعَ؛ الجسدُ والقلبُ معًا في المسجدِ، فهو دائمٌ في المسجد إذا خرجَ منهُ حتى يعودَ إليهِ.
هذه الأذواقُ مع المساجدِ جاءَ فيها الخبرُ أيضًا: «أحبُّ البلادِ إلى اللهِ مساجدُها»، أحب البلاد - الأرض - إلى الله.. أماكنُ السُّجودِ للملكِ المعبودِ.
كُلُّ مسجدٍ قُصدَ بهِ وجهُ اللهِ وبُنيَ من حلالٍ، وأُقيمت فيهِ الأعمالُ الصّالحةُ، ووُجِدَ فيهِ من يُحبّونَ أن يتطهّروا؛ فهو وبُقعتهُ وما فيهِ لهُ مكانةٌ عندَ اللهِ يشعرُ بها المؤمنُ، ويُعظّمُها المؤمنُ، ويُحسُّ بها ويذوقُ.
حتى جاءَ في الخبرِ: أنَّ المؤمنَ في المسجدِ كطائرٍ في بستانٍ، يعني فرحٌ مسرورٌ، يتنقّلُ من شجرةٍ إلى شجرةٍ، وسطَ البستانِ راحة الطّائر . كذلكَ قلبُ المؤمنِ راحتُهُ في المسجدِ.
يقولُ الإمامُ عبدالله بن حسين بن طاهر -عليهِ رحمةُ اللهِ-:
وفي المساجدِ سرٌّ ما جلستَ بها ** إلا تعجّبتَ ممّن يسكنُ الدُّورا
ممّن يُفضّلُ دارَهُ وبيتهُ على بيتِ اللهِ تبارك وتعالى، لو اعتكفتَ بها وجلستَ وذُقتَ شيئًا ممّا فيها؛ لعلمتَ أنّها أجملُ وأفضلُ.
وساعاتٌ في المسجدِ محسوبةٌ من خيارِ ساعاتِ الإنسانِ وخيارِ عُمرهِ، ومن خيرِ عُمرهِ الذي يقضيهِ على ظهرِ هذهِ الأرضِ ما كانَ في المسجدِ.
ولذا وردَ في الأخبارِ أنّهُ يُؤتى بالمساجدِ يومَ القيامةِ، فالمتعلّقةُ قُلوبهم بها والمتلذّذونَ إليها، يمرّونَ ويدخلونَ فيها وتمرُّ بهم على الصّراطِ، المساجد التي هم معلقين بها، كانوا يدخلون فيها.
فرضيَ اللهُ عن السّاعينَ في هذهِ الخيراتِ، وأعلى اللهِ درجاتُ حبيبِنا حسن بن عبدالله الكاف -مُؤسسِ هذا المسجدِ-، وضاعفَ أجورَهُ وقبِلَ منهُ، وضاعفَ الخيرَ والبركةَ في أولادِهِ وأحفادِهِ، وفي أهله وجيرانِ هذا المسجدِ والسّاكنينَ فيهِ.
كُنّا نتردّدُ إليهِ مع سيّدي الوالدِ -عليهِ رحمةُ اللهِ-، وفي كلِّ شهرٍ كانَ يأتي إلى هذا المسجدِ، وأيامَ الحرِّ كُنّا نطلعُ في السّطحِ، وفي الأيامِ الأخرى نكونُ في هذا المسجدِ، وكانت القُلوبُ مُعلقةً باللهِ وبرسولِهِ.
يتربّى النّاسُ على حقيقةِ الدّينِ لا على صُورتِهِ، على معناهُ، لا على ألفاظِهِ، ولذلكَ وجدتَ أهلَ البلدِ، عامّتهم وعُلماءهم، وصغارهم وكبارهم، في قُلوبهم تعظيمٌ للهِ ولرسولِهِ، ومحبّةٌ وخوفٌ من الآخرةِ مُنتشرٌ.
ما كانَ عندهُم الدّينُ صُورةً، ما كانَ الدّينُ ألفاظًا ولا مظاهرَ عباداتٍ.. كانوا من خلالِ مُجالسةِ أربابِ الخيرِ علِموا من حقائقِ الدّينِ أنّهُ رابطةٌ بربِّ العالمين، وأنّهُ حُضورٌ مع اللهِ، وأنّهُ استعدادٌ للقاه، شريعةٌ تُطبّقُ وتُنفّذُ على رغمِ الأُنوفِ وعلى رغمِ النُّفوسِ والأهواءِ.
وعلِموا معنى قولِ نبيّهم في بيانِ حقيقةِ الدّينِ والإيمانِ: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به».
وهكذا، جاءت دعوات أهل الكفر إلى المادة الخالصة، وجاءت دعوات أهل الزيغ والبدعة باسم الدين يتكلمون، إلى الخروج عن روح الدين، وعن حقيقة الدين، وعن معنى الدين؛ إلى الصور والمظاهر، والقلوب تمتلئ بغضاء، شحناء، كبر، عداوة، والألسن: سب وشتم، وبعد ذلك ليس هناك تورع من أخذ حق الغير، ولا انتهاك الحرمات - والعياذ بالله-.
هذه صورة دين، هذا ليس فيه حقيقة من حقائق الدين، هذا ليس فيه حقيقة من حقائق الإسلام! تريد تعرف نموذج ومعنى لحقيقة الإسلام؟ يقول نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم: «المسلمُ من سَلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ». مسلمونَ كلُّهم، من في زمانِهِ ومن قبل إلى عهدِ آدمَ؛ سَلِموا من لسانِهِ.
ما سبَّ أحدًا، ما اغتابَ أحدًا، ما نمَّ على أحدٍ، ما لعنَ أحدًا، ما كذبَ على أحدٍ! "سَلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ"، ما ضربَ أحدًا بغيرِ حقٍّ، ما أخذَ مالَ الغيرِ بغيرِ حقٍّ، ما تطاولَ على حقِّ الغيرِ، فضلاً عن أن يقتُل -والعياذُ باللهِ تبارك وتعالى-.
"المسلمُ من سَلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ"، ويقولُ في بيانِ هذهِ الحقيقةِ وأنَّ الإسلامَ ليس صُورةٌ ولا مظهرٌ: «سِبابُ المسلمِ فُسوقٌ». خروج عن الجادة، خروج عن سواء السبيل.. «وقِتالُهُ كُفرٌ» تستحلُّ قِتالَ المسلمِ هذا كُفرٌ! تستحلُّ سبّهُ فُسوقٌ! والفُسوقُ والكُفرُ يجبُ أن نكرهَهُ.
قالَ اللهُ تعالى في رعيلنا الأول الذين تحقّقوا بحقائقِ الإسلامِ، ولم يأخذوا صُورتَهُ فقط، بل أخذوا حقائقَهُ ومعانيهِ من مصدرِها ومعدنِها، من منبعِها محمد بن عبدالله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، عليهِم رِضوانُ اللهِ تبارك وتعالى، لمّا كانوا بهذهِ المثابةِ وهذا الأخذِ بحقائقِ الإسلامِ وحقائقِ الإيمانِ -عليهِم رِضوانُ اللهِ تبارك وتعالى- كانَ هواهم تبعًا لما جاءَ بهِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، قالَ عنهم جلَّ جلالُه: (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ).
هؤلاءِ أهلُ الرّشادِ، هؤلاءِ أهلُ حقيقةِ الدّينِ، هؤلاءِ أهلُ حقيقةِ الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ، (أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، ومن أينَ جاءَهُم هذا التّحققُ؟ ومن أينَ وصلوا إلى هذا الذّوقِ؟
اقرأ أوائلَ الآياتِ يقولُ سبحانَهُ وتعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ)، لو يمشي وراءَ آرائِكم ومُنتهى علمِكُم القاصرِ، ليقعَ لكم عَنَتٌ ومشقّاتٌ كبيرةٌ، ولكنّهُ يحفظُكم ويحميكُم مِنها، يقولُ لكم: لا، هذا لا، وهذا كذا، وهذا كذا.
(لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ)، فأطَعْتُم مُحمَّداً، وعظَّمْتُم مُحمَّداً ﷺ، ما يتوضَّأُ وضوءًا إلّا كادوا يقتتلون على وضوئِه، ما عندهم صورةُ الإسلامِ هؤلاء، عندهم حقيقةُ الإسلامِ، يكادون يقتتلون على وضوئِه!
هؤلاء الراشدون الذين وصفهم اللهُ بالرُّشدِ، حريصون على أنَّ الماءَ الذي مسَّ جسدَ نبيّهم يتبرّكون بهِ ويَصِلون إليهِ، ها حتّى جاءنا في صحيحِ البخاري: "فرأيتُ مَن لم يجِد منهم شيئًا من الماءِ؛ أخذَ من بَلَلِ صاحبِه فتمسّحَ بهِ"، أخذَ من بَلَلِ صاحبِه فتمسّح بهِ! مَن هؤلاء؟ أصحابُ محمدٍ! هؤلاء الراشدون الذين أثنى اللهُ عليهم، وبين يديهم النبيُّ محمدٌ ﷺ.
وإذا ما كانت هذهِ حقائقُ الدّينِ، جاءَ النّاسُ إذا رأوا أحداً يتبرّك، قالوا: بدعةٌ، وطلعوا فوق قالوا شركٌ! ونعمل ماذا بالصّحابةِ؟ والمشكلةُ أنَّ نبيّهم معهم، وهو يُشاهدهُم ويُقرّهُم على ذلكَ، اللهم صل وسلم عليه.
بلالٌ يحملُ الإناءَ، إناءٌ فيهِ الماءُ وإناءٌ فارغ، لمَ إناء فارغ؟ يضعه تحتهُ، لماذا؟ لكي يتوضّأُ فيهِ، لمَ؟ من أجل الماءُ يُؤخذُ ويُتبرّكُ بهِ، والنبي قبل الأمر، ويتوضأ لهم في الإناء، ويُعلّمهم ماذا؟ يُعلّمهم البدعةَ هو؟! ونبينا يُعلّمُ البدعةَ أو يُعلّمُ ماذا؟ أعوذُ باللهِ! إذا كان هو يُعلِّم البدعة أو الشرك!
خُذوا سُنّتكُم لكُم وتوحيدكم لكُم، نحنُ نريد سُنّةَ محمدٍ، نريد إيمانَ محمدٍ وتوحيدَ النبي محمدٍ ﷺ، ويُشاهده، يكادونَ أن يقتتلونَ على الوُضوءِ، ومن لم يجدْ منهُم شيئًا أخذَ من بللِ صاحبِهِ فتمسّحَ بهِ!
ولا قال شيء من هذا الكلام الغارغ! مفاهيمُ جاؤوا بها خاطئةٌ وتعبئاتٌ باطلةٌ، أخرَجوا النّاسَ بها من حقائقِ الدّينِ، ومن سرِّ الدّينِ، ومن رُوحِ الدّينِ، وملأوا بها الصّدور بغضاء وشحناء، وهيّأوهم لِأن يكونوا جنداً مع إبليس؛ يضرب بعضهم بعضاً.
ينشر بهم التّحريش، ينشر بهم البغضاء والشّحناء، حتّى يُقاتل بعضهم بعضاً، بعد تحذيراتٍ قويّةٍ من صاحب الرّسالة ﷺ: «ألا فلا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»، بعد أن رفع الحُرمات.
عظمة الله تعالى تجلَّت في تعظيم مكانٍ عظَّمه، وزمانٍ عظَّمه جلّ جلاله، فكان تعظيم ما عظّم الله من حقائق الدّين.
أما سمعت قوله سبحانه في الّذين يتأدّبون أمام النّبيّ ﷺ، حتّى يغضّون أصواتهم، وما تكاد تسمع لهم صوتاً! مدحهم ربّك في كتابه.
ربّك تعالى مدحهم في كتابه؛ مثل سيّدنا أبي بكرٍ، وسيّدنا عمر، وكبار الصّحابة أنزل فيهم قوله -وكان سيّدنا أبو بكر أحياناً يسأله، من شدّة مُخافتته ما يسمعه، يقول له: ماذا قلت؟ يستعيد منه القول من أدبه مع النّبيّ ﷺ- أنزل الله فيهم: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ).
قال : أنا صفّيت قلوبهم، ملأتها بالتّقوى، ونور التّقوى خلطته بهم، (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ)، ليست بدعة ولا ضلالة، تعظيمٌ لِما عظّم الله.
والنّبيّ ﷺ عظّم ما عظّم الله من الأماكن مثل الـحرم الشريف، والأزمِنةْ مثل الأشهُر الحُرُم، وقف ﷺ في حجّة الودَاع يقول لهم: «أيُّ يومٍ هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلَم، فسَكَت حتى ظننّا أنّهُ سيُسمِّيه بغيرِ اسمه، قال: «أليس اليوم الحرام؟»، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «فأي شهر هذا؟»، كلّهم يعرفونه في شهر ذي الحجة، لكن أدبهم معهُ قالوا: الله ورسوله أعلم, فسكت حتى ظننّا أنهُ سَيسمّيه بغير اسمه،. يقول لهم ليستبعث فيهم التعظيم ليلقي عليهم الخبر المهم، يأخذوه بقوة من بعد.
قال: «أليس البلد الحرام؟»،قلنا بلى يا رسول الله، قال: «فأي بلد هذا؟» ذاك زمان، يوم وشهر، وهذا مكان، بلد، «أي بلد هذا؟» قالوا : الله ورسوله أعلم، وهم يعلمون أنهم في الحرم، في مكة في مِنَى ، لما يكلمهم كان في منى، قال ﷺ: أليس البلد الحرام؟ قالوا: بلى يا رسول الله, قال: ألا إن دِمائَكم وأمْوالكُم وأعراضَكُم حرام عليكم كَحرْمَة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هلْ بلّغت؟ قالوا: بلّغت يا رسول الله, فَرفعَ اصْبعِه نحو السماء وردّها قال: اللهم اشْهدْ ، اللهم اشْهد، اللهم اشْهد، ثم قال: ألا فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض».
بالغ الصحابةُ الأوَّلون في تذوّقِ الكلامِ، إلى حدّ أن بعضَهم في زمنِ البُغاةِ اجتنب الحروبَ، مع أنه كان الواجب يخرج مع الإمام، مع سيّدنا علي، لكن تنبّه خوفًا من هذا الحديث. والآن الحديث هذا كأنه ما قاله ﷺ عند كثيرٍ من النّاس!
ولمصلحةِ كراسي بعضِ الناس، وأغراضِ بعضِ الناس؛ مستعدين يسفكون الدماءَ، يقاتلون ويتقاتلون! وهذا الخبر: "حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في مقامكم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلّغت؟ قالوا: بلّغت، اللهم اشهد، ألا فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض"، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
بلّغَ ﷺ الرّسالةَ وأدّى الأمانةَ. وأنتَ خُذ نصيبَكَ، أدركتَ شهرَ ذكرى ميلادِهِ، أمدَّ اللهُ في عُمركَ، وما عُمركَ إلا غنيمةٌ، تقرُب إلى الرّب، تتحقّق بحقائقِ الإسلامِ، تتحقّق بحقائقِ الإيمانِ.
كم تسمعُ كلامه، يُبيّن لك الذوقَ في الإيمانِ وتحقيقه يقول: "لا يؤمنُ أحدُكم حتى يكونَ هواهُ تبعًا لما جئتُ به"، "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه".
يقول صلى الله عليه وسلم: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن"، قيل: مَن يا رسول الله؟ خاب وخسر! قال: "من بات شبعانَ وجارُه إلى جنبه جائعٌ وهو يعلمُ به، ولم يطعمه"، قال: ما عنده إيمان! هذا دفعَ عنه الإيمان، وإن قام يعمل نفسَه قارئ قرآن، يكون له ركوعٌ في الليل، وجارُه إلى جنبه جائعٌ، قال له: صورةُ الإيمان هذه ما تنفعك! إن عندك ذوق ارحمِ الجارَ وأعطِ الجارَ حقَّه، وإلا دينُ الله ليس لعبة!
ليس دينُ الله بالحِيَل ** فانتبه يا راقدَ المُقَلِ
يا جهولَ القلبِ فارقُهُ ** أنتَ بعد اليومِ في شُغُلِ
دينُ الله ليس صورة، ابحث عن حقائق الدين في نفسك وأسرتك وأهلك، حتى تعودوا إلى هذه التربيةِ القويمةِ الصحيحة.
كُنّا نُشهِدُ الناسَ عليها في البلدِ، وجاءت أسبابٌ اختلّت بها كثيرٌ من التربياتِ، اختلت بها كثيرٌ من الصِّلاتِ، وكان ما كان.. ولكن لقوّةِ الصِّلةِ باللهِ عند الأقوياء، بقيَ الخيرُ محفوظًا، وانقشعت سحابةُ التجرّي على اللهِ، وعلى رسولهِ، وعلى دينهِ. والحمدُ لله على كلّ حال.
(يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ).
ما جاء من نفسه سيّدنا محمد ﷺ، ولا بتفكيرِ أحد من قريش، ولا من الروم، ولا من فارس، ولا من القبائل في ذاك الوقت جاء بمحمدٍ، قال: ما مِن عندي جاء، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ) هو! (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).
وأربابُ الخيالاتِ هؤلاءِ يُضادّونَ دينَ اللهِ، وينشرونَ المُفسداتِ بينَ النّاسِ، وينشرونَ الشّحناءَ والعداوةَ بينَ النّاسِ، وهم خائبونَ وخاسرونَ، ويحفظُ اللهُ من يشاءُ ويُقيمُ بهم الدّينَ.
ولا تأتي الكَرّةُ إلا على الفُجّارِ والكُفّارِ، ويُظهرُ اللهُ دينَ نبيّهِ محمدٍ، بوعدٍ صدقٍ من قادرٍ مُقتدرٍ، بيدِهِ ملكوتُ كلِّ شيءٍ جلَّ جلالُه، لا يُخلفُ الميعادَ.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)، والجماعةُ هؤلاء عندهم خططٌ وقوة، ماذا نعملُ بهم؟ (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)، تعسًا لهم وأضلّ أعمالهم!
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)، كم طوائف وكم أُمَم؟ كم في الأمة هذه المحمدية، كم مَن حاربوا دينَ الله؟ جماعاتٌ، وطوائفٌ، وهيئاتٌ، ودولٌ؛ دولةٌ بعد دولةٍ وكلّهم خابوا.
وقبلنا في الأمم السابقة عادَوا الأنبياءَ، عادوا المرسلين، وأهلكهم اللهُ واحدًا بعد الثاني، (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا)، (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا)، (وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا).
وهكذا يجبُ أن نغنمَ أعمارَنا ونعلمَ أنَّ المجالسَ هذهِ من أهمِّ مُهمّاتِها: أن نذوقَ الدّينَ، أن نصلَ إلى حقائقِهِ، وإلى معانيهِ وإلى أذواقِهِ، وإلى حُسنِ تطبيقِهِ، تمتلئُ القُلوبُ محبّةً للإلهِ ومحبّةً لمُصطفاهُ.
ولا نُحبُّ شيئًا إلا أحبّهُ اللهُ؛ من الأقوالِ، من الأفعالِ، من الصُّورِ، من الأعمالِ، من المُعاملاتِ، من الصّناعاتِ، من الأخذِ، من العطاءِ، من الثّيابِ؛ لا نُحبُّ إلا ما أحبَّ اللهُ، ولا نستعملُ إلا ما أباحَ اللهُ، ونكرهُ ما كرِهَ اللهُ تعالى، وما نهانا اللهُ عنهُ ونقتدي برعيلِنا الأولِ.
(وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)، إذا عندكَ ذوقٌ من هذا الإيمانِ، تكرهُ يقومُ في بيتِكَ مُتابعةٌ لصُورٍ خبيثةٍ، هذا فُسوقٌ يكرههُ المؤمنُ، لا ترضاهُ لنفسِكَ ولا لبنتِكَ ولا لولدِكَ وسطَ البيتِ.
أما تدري أنَّ النّظرةَ سهمٌ مسمومٌ من سهامِ إبليسَ؟ تأخذُ إيمانًا من قلبِكَ والعياذُ باللهِ تعالى، وأنّ مَن غضَّ بصرَهُ من أجلِ اللهِ أبدلهُ إيمانًا يجدُ حلاوتَهُ في قلبِهِ، إيمانًا يجدُ حلاوتَهُ في قلبِهِ!
يجبُ نكرهُ الكُفرَ والفُسوقَ والعصيانَ، ولا نرضى بقطيعةِ رحمِ، ولا نرضى بسب مسلمِ، ولا نرضى بأخذِ حقِّ الغيرِ، "من ظلمَ قيدَ شبرٍ من أرضٍ طُوِّقَهُ يومَ القيامةِ من سبعِ أراضينَ"، إلى الأرضِ السّابعةِ! كم يحمل هذا؟
(وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) والعياذ بالله تبارك وتعالى، قد خاب مَن حمل ظلماً! (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا * وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا). يعني: حقيقة إسلام، حقيقة إيمان.
(لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا)، ربِّ زدنا علمًا.
وأعلِ درجاتُ المُتقدّمينَ في مساجدِنا ومُؤسّسيها ووالدينا، ومَن عجز وضعف في بيتهِ أمِدّهُم بالعافيةِ وباللّطفِ يا أرحمَ الرّاحمينَ، واجعلِ الأعمارَ مُباركةً لنا ولهم مصروفةً في طاعتِكَ.
اجعلْ لنا ذوقَ للإيمانِ، ذوقَ للإسلامِ. ما قالَ نبيّكَ: «ثلاثٌ مَن كُنَّ فيهِ وجدَ بهنَّ طعمَ الإيمانِ: أن يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليهِ ممّا سواهُما، وأن يُحبَّ المرءَ لا يُحبّهُ إلا للهِ، وأن يكرهَ أن يعودَ في الكُفرِ بعدَ إذ أنقذهُ اللهُ منهُ كما يكرهُ أن يُقذفَ في النّارِ».
اجعلها فينا يا رب هذه الصّفاتِ، أذِقنا طعمَ الإيمانِ ورقِّنا في مراقي الإحسانِ، وأكرمنا بنورِ العرفانِ، واربُطنا بسيّدِ الأكوانِ، في السِّرِّ والإعلانِ، ربطًا لا ينحلُّ حتى نُحِلّ معهُ في أعلى الجنان.
فيا ربِّ واجمعنا وأحبابًا لنا ** في دارِكَ الفردوسِ أطيبِ موضعِ
فضلاً وإحسانًا ومَنًّا منكَ يا ** ذا الجُودِ والفضلِ الأتمِّ الأوسعِ
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
16 ربيع الأول 1448