(636)
(482)
(31)
(368)
مذاكرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في حفل اختتام فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية، ليلة السبت 16 ربيع الأول 1448هـ بعنوان:
التكرمة الربانية والتركة المحمدية النبوية
الحمد لله الذي قضى بالتّكريم لبني الإنسان، كما كرَّمَ جلَّ جلاله العُقلاء من الملائكة والجان، وجعل مدار الكرامة في عُمقها وعَظَمتها صِلَتهم بهذا الإله؛ من خلال معرفته التي يَقْوَى الخلائق عليها في إدراك وجوده، وإدراك صِفاته وأسمائه التي بَثَّها في كُتبه، وعلى ألسُن أنبيائه، وفي أسرار أفعاله وهي الوجود والكائنات وما تنطق به، من دلالات على عظمته، وتصويره، وتقديره، وتدبيره، وإحاطته، وعِلمه، وجلاله، وجماله، وكماله سبحانه وتعالى.
وأَمَر بِحُسن التدبُّر والتأمُّل لينالوا من هذا التكريم حقيقته وعظمته، التي أشار إليها في كلامه جلَّ جلاله بقوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ): أَبعدكم عن التَّعرُّض لسخطه وعذابه، الذي يَتَّقِي مَنهيّاته ويَتَّقِي مُحرّماته في أعضائه وقلبه، يَتَّقِي سخطه وغضبه بامتثال الأوامر واجتناب النواهي؛ إيماناً ومحبةً وتعظيماً.
وكانت تِلكمُ الكرامة الخاصة، العظيمة، الجليلة، التي إذا شارك عامّة بني آدم في بساط التكريم الأوَّلي، لم يدخل منهم إلى تلك الدائرة في الكرامة العُظمى إلا الأقلّ الذين سبقت لهم سابقة الحُسنى، من النبيين والصِّدِّيقين، والشُّهداء والصالحين، ألحَقنا الله وإيّاكُم بهم، وأدخَلَنا في دوائرهم، إنهُ أكرم الأكرمين وأرحم الرّاحمين.
وجاءت حقائق هذا التكريم بِبِعثة الأنبياء والمرسلين، فما يستطيع البشر وجميع الناس وبنو آدم على ظهر الأرض أن يكسبوا من حقيقة الكرامة والشرف والعظمة من غير الأنبياء والمرسلين، ومن غير ما جاءوا به، لن يستطيعوا أن يكسبوا حقيقةً من الكرامة الخاصة، العظيمة، الدائمة، الأزليّة.
فجاءت التّكرِمة من الله سبحانه وتعالى بإرسال المرسلين وتنبئة النبيين، واختيار من يقوم معهم ومن ينهض في نُصرتهم، ومن يتلقّى عنهم، ومن يُبَلِّغ رسالاتهم ويُبَلِّغ أماناتهم لمن حواليهم من الناس.
انتخبَ الله من الأمم السابقة مَن انتخب مِن أولئك المهتدين، منهم من قصَّهم علينا في القرآن الكريم، حتى قالوا عن الذين سمّاهم مُرسلين في "سورة يس" ما كانوا أنبياء ولا رُسلاً، ولكن كان أرسلهم عيسى بن مريم عليه السلام، أصحاب القرية (إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ)، أي من قِبَل عيسى بن مريم؛ (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ) من قِبَل عيسى بن مريم، (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) من قِبَل عيسى بن مريم، قرية "أنطاكية"، فجاءوا، وذكر الله قصتهم وما يدعون إليه من دين عيسى عليه السلام، وهو دين موسى، وهو دين إبراهيم، وهو دين نوح، وهو دين إدريس، وهو دين شيث، وهو دين آدم عليه السلام وحواء، دين الحقّ الذي يجب أن يكون عليه جميع المُكلفين، ولكنّ الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
وثبتت الكرامة لهؤلاء النبيين حتى جعل الله دار الكرامة العُظمى في الدار الآخرة للمُكرَمين من عباده، مخصوص بمن آمن بهؤلاء المرسلين، تَبَع الإيمان بالله، (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)، الذين آمنوا بالله ورُسُله، الذين اتَّبَعوا الرسل هؤلاء صلوات الله وسلامه عليهم.
ثم قال لنا لنأخُذ هذه الكرامة بِحقّها في هذه الأمة، وقد تمَّت علينا الكرامة بأن جُعِلنا خير أمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ)، وقد قال (آمَنُوا) وقال: (اتَّقُوا اللَّهَ)، وكيف نؤمن برسوله؟ أما آمنا برسوله مِن قبل؟ ما كُنّا مؤمنين حتى نؤمن برسول الله!
وخاطبَ المؤمنين وقد آمنوا برسول الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ)، مثل ما قال لنا في الآية الأخرى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ)، وهم أيضاً مؤمنون بهذه الأشياء؛ حَقِّقوا إيمانكم، قَوُّوه، تَرَقُّوا فيه، غُوصوا على حقائقها ومعانيها.
في الآية هذه قال: (اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ)، الإيمان برسوله دخل فيه الرسل كلهم، الكتب كلها، والملائكة كلهم دخلوا فيه، لا أحد يؤمن بمحمد إلا من يؤمن بهم كلهم؛ لأنه المُخبِر عنهم، والداعي للإيمان بهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
(وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ)، قال: آمنوا بي واتّقوني، وأُنبّهكم على مسألة في الإيمان والتقوى لا تغيب عن أذهانكم، رابطتكم الخاصة بحبيبي هذا: (اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ)، إذا قُمتم بهذا وارتبطتم ارتباطكم الخاص بحبيبي علمتُم أنهُ مُصطفاي، مُنْتَقَاي، خِيرَتي من بَرِيَّتي، خاتم أنبيائي، سيّد أصفيائي، أحَبّ أحِبّائي.
(يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ)، ومن يظنّ الدين تَبَعاً لآرائه أو لعقله من أي أحد (أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ)، بل قال الله أنا المُتفضِّل، وجعلتُ الباب إليَّ محمداً ﷺ، ومن يتَّبِعه هو الفائز.
(لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ)، الكلام الفارغ ليس له حقيقة وليس له أصل: (لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ)، لا يقدرون أن يُضَيِّقونه ولا يحصرونه فيهم ولا في أفكارهم، ولا من ادّعوهُ ديناً، بل الدين هنا، من باب محمد ومن طريق محمد.
(وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ). وكل مَن آمن واتّقى وآمن بالرسول دخل في دائرة الفضل، (يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
وكان مِن هذا التكريم ما وعد العليّ العظيم بهذا الحبيب، خاتم الرسالة؛ أن يُبقي في أمته سلسلة هذا الاتّصال بنوره، وحقائق ما بُعِث به صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأن يبقى خَلَفٌ بعد خَلَفٍ، كما سمعتم في الحديث الصحيح: "يَحْمِلُ هَذَا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغَالِينَ، وَانْتِحَالَ المُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الجَاهِلِينَ".
ليبقى صافياً نقيّاً خالصاً كما هو، أي: هذه ترجمة الشهادتين تَتِمّ بهذه المعاني وبهذه الأذواق، إذا قامت الأمة بالمحافظة عليها؛ مُسْنَدَةً، مُسَلْسَلَةً، مأخوذة عن المنبع مِن كُل مُقرَّب وصديق وعارف، من هؤلاء، خيار الأمة عليهم رضوان الله تعالى، في شرق الأرض وغربها.
طريقة الخيار وأهل الأنوار تجتمع على هذه الحقائق، حقائق الخضوع والخشوع والتواضع، والإنابة والرحمة وحُسن الظن بخلق الله تعالى، وبذل المستطاع، وأخذ العلم بِسَنده عن رجاله؛ فهذه هي الترجمة للمَوروثات وللتَّرِكَة النبوية المحمدية في هذه الأمة الخَيريَّة، أمة الخير والنور؛ إذا انتبهنا منها، وقُمنا بِحَقّها جاءنا نصر الله، وجاءنا تأييد الله، وجاءت بركات الله تبارك وتعالى.
كان في بداية دعوته ﷺ يقول لقريش ومَن حواليه، كلمة واحدة أدعوكُم إليها: "كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تذلّ لَكُمْ بِهَا العَرَبُ، وَتَمْلِكُونَ بِهَا العَجَمَ" كلمة واحدة؟ والعرب كلهم سيذلّون، والعجم كلهم سيدخلون في الدائرة! (إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ)، (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ.. ) فقط! تعالوا إلى تحقيق "لا إله إلا الله" وحدها! رسالتي كلها منطوية فيها، وما أدعوكم إليه كله داخل وسطها، "لا إله إلا الله".
هذه آثار لا إله إلا الله؛ أن نأخُذ العلم من محله وعن أهله، على وصف التواضع والإنابة والخشية والاستقامة، وطَلَب القُرب من الحق تبارك وتعالى، والتَّذَلُّل والخضوع، هذه! ولنتخلَّق، ونُطالِب الأنفُس بأن تتهذَّب، بأن تتأدّب، بأن تتزكّى، بتَرَاحُم، بِحمل أمانة ورحمة للصغير والكبير.
ومُقابلة بالحسنى حتى لمن أساء، لمن تَنَقَّى وتَرَقَّى مِنا، يُقابل من أساء إليه بالإحسان، في ميزان عظيم: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)، اللهم اجعلنا من الذين صبروا وهَب لنا الحظ العظيم في خير ولطف وعافية يا كريم يا أكرم الأكرمين.
فأمام هذه التَّرِكَة النبوية، كُلٌّ يُساهم ويُشارك؛ الذين وفدوا للدورة والذين قاموا بالقيام فيها، والذين حضروا هذا المحضر، ومن في الديار ومن في الأسر، وما يتعلّق بالنساء ودورنهن وحضورهن واستماعهن، وما إلى ذلك.
وكُلّ حقائق الهَمّ بهذا الدين إذا خالطت شِغَاف القلب بمحبّة، محبّة للإله الذي لا يجوز لعبدٍ من عباده ولا كائن من مُكوّناته أن يُقدِّم في الحب غيره عليه أبداً، لا يجوز.. لا لآدمي، ولا لجني، ولا لإنسي، ولا لمَلَك، ولا لحجر، ولا لشجر، ولا لسماء، أن تُقَدِّم محبة غير الله على الله، الله خالقها، الله موجدها، الله مُكوِّنها، الله مُنشئها، الله الذي أخرجها من العدم، ما يجوز لها أن تُحِب غيره مُقَدَّماً عليه، ولا تُحِب قبله شيئاً من هذه الوجود والكائنات.
فما أسفَهَ وأتفَهَ حال عاقل آدمي، بسمعه وبصره يُقدِّم محبة شهوته على ربه، شهوات حقيرة يُقدِّمها على ربه، يُقدِّمها على نبيه! هوى يُقدِّمه على ربه وعلى نبيه!
يا عاقل يا مؤمن! من الذي خلقك؟ من الذي أنعم عليك؟ ومرجعك إلى من؟ والحُكم فيك لمن؟ دنيا وآخرة، كيف تُقَدِّم غيره عليه؟! هو المُنعم، هو المُتفضِّل، هو الجواد، الوجود الحق الذاتي له وحده، وغيره معدوم، كيف تُقدِّم غيره عليه؟! ما هو إلا غاية الضلال، ما هو إلا غاية الوبال، ما هو إلا غاية الخسران والعياذ بالله تبارك وتعالى.
والحق يُبيِّن لنا هذه المعاني، يقول لنبيّه: كَلِّم عبادي هؤلاء وأمّتك ليعقلوا: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
فيا ربّنا لا تجعل في قلوبنا شيئاً أحبّ إلينا منك ومِن رسولك وجهاد في سبيلك، ونتعاون على هذا الجهاد في سبيل الله، الذي لا تشوبه شائبة؛ مِن إرادة سلطة ولا حُكم ولا مال ولا غنيمة ولا شيء من هذه الآثار، ولا قتال المسلمين بعضهم لبعض، اللهم ارزقنا حقائق الجهاد في سبيلك على الوجه الأَرْضَى لك بالصدق والإخلاص.
كان سيدنا أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: "مَنْ رَأَى أَنَّ الغُدُوَّ إِلَى طَلَبِ العِلْمِ لَيْسَ بِجِهَادٍ فَقَدْ نَقَصَ فِي رَأْيِهِ وَعَقْلِهِ"، قال: نقص في رأيه وعقله؛ ما عنده رأي صحيح ولا عقل صحيح، مُسلِم لا يعلم قيمة العلم إذا أُخِذَ على وجهه، أُرِيدَ به وجه الرب سبحانه وتعالى.
"ما أعمال البِر -أي الطاعات- في الجهاد في سبيل الله إلا كبصقة في بحر، وما أعمال البرّ والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في بحر".. إذا أُخِذَ على وجهه.
وخُذْ من علوم الدين حَظّاً موفَّراً ** فبالعلمِ تسمو في الحياة وفي الحشرِ
العلم الحقيقي؛ هناك علم تسمو به في الحياة وفي الحشر، وعلم تكون به مِن أول مَن تُسَعَّر بهم النار من هذه الأمة يوم القيامة، يقول "تعلَّمتُ فيك العلم وقرأتُ فيك القرآن" في القيامة يقول هذا، يقول الله: "كذبت! قرأتَ ليقال قارئ، تعلَّمتَ ليقال هو عالم، فقد قيل"، مُرادك الفاني حصل يا منقطع عني وعن عظمتي! خذوهُ إلى النار والعياذ بالله، في صحيح مسلم يُقسم أبو هريرة، قال أن النبي قال هَؤُلَاءِ أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، ولكن العلم ليرفع الله أهله،
العلم خشية كله ** يُعْرَف بذاك أهله
العلم بالأعمالِ ** يزكو وبالأحوالِ
وليس بالأقوالِ ** وكثرة الجدالِ
فالحمد لله على هذه النعم، والله يُتمّها علينا وعليكم.
قد مرّت بحمد الله اثنين وثلاثين سنة من حين بدأت هذه الدورات، بدأت أول مرة وكان الناس يتعجَّبون: ما هذه الدورة؟ ولم تجمع الناس وما معناه؟ حتى السلطات قالت ما هذا التجمُّع! والعُقَّال والعلماء قالوا ما هذا! وحضر الأكابر.
وكان الحبيب حسين بن عيدروس عيديد عليه رحمة الله يقول: فكرة إذا نجحت سيترتّب عليها خير كثير، وسيستنّوا بها ناس كثير ويكون كثير، وجاء يحضر أوائل الدورات الختم عندنا الحبيب عبد الله بن محمد بن شهاب عليه رحمة الله، قال لي: أنا ودّيت أن أبوي وأبوك شافوا هذا الجمع! لأن كان عندهم حرص على جمع الأمة على العلم والدين والناس نافرين، قال: ودّيت أنهم يشوفونه بس يفرحون، يشوفون هذا الجمع!
وصل الحبيب علي بن محمد بن هادي السقاف عليه رحمة الله في شيخوخته وكانت الدورة هناك عند مولى عيديد، ختم الدورة، قال: جئت بغيت اُقاسِم في النفحات التي تَنزِل والخيرات في هذا الجمع على دين الله تبارك وتعالى، عليهم رحمة الله.
ومضى الحبيب سالم الشاطري كان معنا، والحبيب علي المشهور بن محمد بن سالم بن حفيظ، وفرحه وسروره وترتيبه وبذله وتضحيته عليه رحمة الله تبارك وتعالى.
حبيبنا عيدروس بن عبد الله بن سميط، حبيبنا علي بن محمد وغيرهم من الأكابر، كُنَّا نعهدهم في هذا الختم، حبيبنا شيخ بن عبد الله الحبشي، المنصب عليه رحمة الله، حبيبنا حسن بن أحمد بن علي ابن الشيخ أبو بكر بن سالم، وخلفاؤهم معنا، وورثتهم معنا، والحمد لله على هذا الفضل، وعلى هذا الإحسان، والجود والامتنان الواسع.
والقصد كما سمعتم من كلام أحبّتنا؛ بأيّ كسوة نُكسَى؟ وأي خلعة تُخلَع علينا؟ وكيف نُقَضّي باقي الأعمار إلى لقاء مولانا الكريم الغفار جلَّ جلاله!
وما رابطتنا بالنبي المختار، وما معاني المحبة التي ما يساويها شيء في الرُّتبة، إذا صَحَّت في القلب لله تعالى، وما محمد رسوله يُحَب قط إلا من أجله تعالى، وإلا لأجله تعالى، وإلا لرضاه تعالى، (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ).
وأحَب من يُحَب من أجل الله: أحب محبوب لله وهو محمد ﷺ، فما يتأتَّى أن يُحَب من أجل الله لا فِعْل ولا عَمَل ولا وَصْف قبل محمد! محمد أَحَب! أحب من جميع الأوصاف، أَحَب من جميع الأفعال، أَحَب من جميع الأقوال، أَحَب من جميع الإنس، أَحَب من جميع الجن، أَحَب من جميع الملائكة إلى الله الخَلَّاق، أَحَب حبيب وأقرب قريب، فما أحد يمكن نُحبه من أجل الله مثل محمد. أَحَب من يُحَب من أجل الإله الواحد القهار محمد المختار صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ملأ الله قلوبنا بمحبته ومحبة رسوله.
يجعلها ساعة من ساعات النظر الرباني إلى الحاضرين والسامعين، والمُتعلقين والمؤمنين في المشارق والمغارب، وأهل الدنيا وأهل البرزخ، وأهل السماء وأهل الأرض، نظرة رب رحيم كريم، منان عظيم، وهاب جواد، الله، تعالى في علاه.
ألَّا يا الله بنظرة من العين الرحيمة، تداوي كل ما بنا من أمراض سقيمة.
الله لا يصرفنا من المجمع إلا وقد صرف عنا الأكدار والظُّلمات، والهموم والغموم، والشرور والأشرار وجميع المضار، اللهم ثبِّتنا على ما تُحِب، اللهم اجعلنا فيمن تُحِب.
واجزِ مناصبنا وحبايبنا وعلمائنا وصلحاءنا وأعياننا وأهل السر فينا والحاضرين بجزاء من عندك حَسَن، نرتبط به وإيّاهم بجدِّ الحسين والحَسن، ونحضر محاضِره ونرد موارده في القيامة وفي دار الكرامة، وأنت راضٍ عنا.
يا مُكرِم مَن شئت بما أكرمتَ وَفِّر حظّنا من الإيمان والتقوى، وَفِّر حظنا مِن نصرتك ونصرة رسولك النبي الكريم الأقوى، اللهم تولّنا به وارعنا به، وأصلحنا به وثبِّتنا على دربه، واسقنا من شربه يا أرحم الراحمين.
وتَرِكَتُه المباركة ارزقنا القيام بحقّها، كما تُحب منا وكما يليق بمكانتها عندك، في نصرة وتأييد وتسديد وعفو وعافية، يا حميد يا مجيد، يا قريب يا مبدئ يا مُعيد، يا فعّالاً لما يريد، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.
16 ربيع الأول 1448