ارتباط الحق وخيرات الدارين بالنداء الرباني النبوي
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جلسة الجمعة الشهرية الـ72، في ساحة مقام الإمام عبد الله بن علوي الحداد، باستضافة حارتي الحاوي وحصن عوض بمدينة تريم، ليلة السبت 18 صفر الخير 1448هـ بعنوان:
ارتباط الحق وخيرات الدارين بالنداء الرباني النبوي
في هذه المحاضرة يوضح الحبيب عمر بن حفيظ:
- مقدمة: عظمة رسالة النبي ﷺ ومكانتها
- خصوصية الأمة بالسند المتصل إلى النور المحمدي
- ثبات الأخيار على المنهج الدعوي بصدق وإخلاص
- التحذير من مساعي الشيطان في التحريش وتفريق الصف
- أهمية استيعاب الشباب ومشاركتهم في مجالس الخير
- نورانية الصدق وتأثيرها على استقرار المجتمعات وأمنها
- التفاني في خدمة الدين واستشعار تضحيات النبي ﷺ
- أهمية الاكتفاء الذاتي والتكافل بين الشباب
نص المحاضرة:
مقدمة عن عظمة رسالة النبي ﷺ
الحمد لله الحق المَلك القدير، اللطيف الخبير، السميع البصير، العلي الكبير، الذي بيده الأمور والتقدير، والتقديم والتأخير، (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له،
ما في الوجود وما في الكون من أحدٍ ** إلا فقيرٌ لفضل الواحد الأحدِ
مُعوِّلون على إحسانه فقرا ** لفيض إفضاله يا نِعمَ من صمدِ
ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، الصابر الشاكر، المُبلِّغ عن الله تعالى ما أمره بتبليغه، والقائم بحُسن البيان فيما أُمِر بتبيينه.
والذي جُعِلَت أمته له وبه خير أمة، وقامت عليهم من عظيم المُهمة التي تكون على ظهر الأرض أكبر ما يكون شأنًا وقدرًا وميزانًا عند رب الأرض والسماء، وإن غاب ذلك عن عقول الكثير، وعن أذهان الكثير من الناس على ظهر الأرض، من الذين تسلَّط عليهم أعداؤهم من الأنفس، والأهواء، والشهوات، والدنيا، وإبليس وحزبه وجنده من الصّادين عن الحق، (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ).
وإن غاب هذا عن أذهانهم؛ فإن الحقائق تظهر قوية واضحة، ويقال لكل من وصل إلى عالم البرزخ قبل القيامة: (لقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ).
ووَضَح الحق، وتمنى الكلّ أنهم في اتباع محمد حبيب الحميد المجيد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فكان الحق الإلهي الرباني على ظهر الأرض صوت محمد الذي خُتِمَت به النبوة والرسالة، الحقّ كله فيما جاء به، وفيما بلغه وبيّنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأحسن التبيين وأحسن البلاغ، وتركنا على محجة بيضاء.
خصوصية الأمة بالسند إلى النور المحمدي
ثم كانت خصوصيّات هذه الأمة الكبرى في السند إليه كما سمعتم، وفي وجود هذه الحبال المُتصلة بأسرار وحيه وتنزيله وبلاغه؛ عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ومن معهم من آل بيت المختار، إلى من وَرِث عنهم من التابعين وتابع التابعين وتابعي تابع التابعين.
سند مُتصل بأكابر لبّوا نداء الله، وسمعوا المنادي خير هادٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأجابوا وأقبلوا بالصدق والإخلاص.
وظهرت الخصائص فيهم، منها ما سمعتم عنه الحديث؛ من نشر الحق تعالى الإسلام على أيديهم، وحقائق الصلة به وبرسوله في قلوب أعداد كبيرة من الإنس والجن، أُخرِجوا من الظلمات إلى النور، من الكفر إلى الإسلام، من الغي إلى الهدى والرشد، من الضلال إلى الهدى، من الغفلة إلى الذِّكر، من البعد إلى القرب، من النار إلى الجنة، من المعصية إلى الطاعة؛ فضلًا من الله تبارك وتعالى وعد به نبيه، وأن يُبقي هذا الخير في هذه الأمة بصلحائها الذين ينشرهم في مشارق الأرض ومغاربها.
ثبات الأخيار على المنهج الدعوي والصدق مع الله
وسمعتم أيضًا ما خصَّ الله بلدتكم بكُبراء منهم وأفاضل منهم عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، مُتصلين في الشأن بمدرسة أهل السنة والجماعة، من الهُداة المهتدين الذين لا يعرفون إيثار غير الله على الله قط، قطعاً بتاتاً، ولا يعرفون أن تُشترى لهم ضمائر بشيء من الإغراءات، ولا تُنتزع منهم أو يُصرَفون عنها بشيء من التهديدات.. بل: (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ).
وكان سندهم ما ذكر صاحب هذا المقام الإمام الحداد عليه رضوان الله تبارك وتعالى:
ثبتوا على قدم الرسول وصحبهِ ** والتابعين لهم فَسَلْ وتَتَبَّعِ
ومضوا على قصدِ السبيلِ إلى العُلا ** قدمًا على قدمٍ بجِدٍّ أوزَعِ
لذا استعصوا على إبليس بمختلف محاولاته، وبمختلف شبكاته التي يصطاد بها عباد الله تعالى، ويدعوهم إلى مخالفة الله ورسوله، سواء كان باسم الدين أو بالتنكُّر للدين والعياذ بالله تبارك وتعالى.
فلا يستطيع أن يُوجِد في صفّه منهم عناصر للإخلال بأمر الأمن أو الاستقرار، أو الأخوة أو المحبة أو الوحدة، ولتستعملهم عناصر تفرقة وشقاق وتحريش، وهو شأنه، هو شأنه في هذا العالم!
قال نبينا الصادق أمين الإله الخالق، فيما يخبر به من حقائق: "إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب" -فلا يوجد مصلٍّ يعبد غير الله إلى أن تقوم الساعة- "فإن يطمع في شيء ففي التحريش بينهم"، فإن يطمع في شيء ففي التحريش بينهم.
سمعتم هذه الآثار في الاتصال بهذه الأنوار، وتأثير مثل كتب سيدنا الإمام الحداد عليه رحمة الله مترجمة بمختلف اللغات إلى وقتنا.
كنا في الأردن، حضر معنا من المهتمين بالدعوة إلى الله تعالى في ألمانيا، وهو من النمسا، قد ورد إلى هذه البلدة المباركة واستقى وشرب، يقول أنه لما اشتغل بترجمة بعض كتب الإمام الحداد -آداب سلوك المريد ورسالة المعاونة- إلى اللغة الألمانية، قال إنّي تكلمت مع بعض إخواننا وأحبابنا أيضاً من الذين استقوا من هذا المَعين من تريم، وهم ترجموها أيضًا بالإنجليزية في أمريكا وغيرها، قال فلما ذكرتُ له ترجمتي لها بالألمانية، قال: إن كتب الإمام الحداد غيّرت أمريكا عندنا فستغير عندكم ألمانيا.. قال: تعجبت من كلامه في البداية، لكن بعد ما ترجمتها بالألمانية قال: هي اليوم في ألمانيا في البيوت تُقرأ، في المساجد تُقرأ، في السجون تُقرأ، في الأسواق تُقرأ، كتب للإمام الحداد عليه رضوان الله، ورأيت تغييرًا وتأثيرًا عجيبًا!
أثر الصدق والإخلاص! ما كان عنده مؤسسة نشر وتوزيع، ولا مكتب إعلان وإعلام، لكن معه خضوع وخشوع، وأدب وصدق، إرث للنبوة وللرسالة، فصار الأمر كما قال:
فهو الخليفةُ في جميعِ أمورهِ ** عن خيرِ داعٍ للبريةِ هادي
أبدَتْ نصائحهُ علومًا طالما ** ردعتْ عبيدَ الغيِّ والإفسادِ
قرّتْ به عينُ النبيِّ محمدٍ ** فهو لهُ من أحسنِ الأولادِ
هو قدوةٌ للمقتدينَ وكعبةٌ ** للقاصدينَ ومفخرٌ للوادي
ويقول في محاولات إبليس لإطفاء هذا النور، يقول:
يُريدونَ أن يُطفُوا بأفواهِ زُورهم ** مصابيحَ نورٍ قد مَحت لظلامِ
من السلفِ الماضينَ والخلفِ الذي ** كرامُ السجايا أعقبت بكرامِ
أولئك وُراثُ النبيِّ ورهطُهُ ** وأولادُهُ بالرَّغمِ للمُتعامِي
وبفضل الله وجدتُم الآثار تتجدد إلى زمنكم ووقتكم، والوافدون يفدون، والنور ينتشر في شرق الأرض وغربها، اللهم لك الحمد، أتمِم النعمة على هذه الأمة بنبيها، وسُرَّ بذلك قلب النبي ﷺ.
أهمية استيعاب الشباب ومشاركتهم مجالس الخير
وجدتم أيضاً ما سمعتم في الكلمة عن أعيان أهل هاتين الحارتين، زادها الله نورًا وتوفيقًا وصلاحًا وفلاحًا، من الأستاذ علي بن عوض بن خميس؛ وجود شباب مُقبلين على الله تبارك وتعالى، أبواق الشرّ من حواليهم تصيح، وخطَط لكثير من المفسدين على ظهر الأرض، مُفسدي الأفكار، مُفسدي الإيمان، مُفسدي السلوك، كثير من برامجهم حاولوا إيصالها إلى هؤلاء الناشئة وإلى هؤلاء البلدان.
ثم يخرجون اليوم أمامنا يريدون وجه الله، يخدمون شرع الله سبحانه وتعالى، يقومون بالترتيب في مثل هذه المجالس.. لا منتظرين حافز مادي، ولا راتب، ولا وظيفة، ولا صوت في انتخاب، ولا شيء من الأغراض التي تُسيّر الناس في الأرض، وتقودهم بأهوائهم، يريدون وجهه! الحمد لله على ذلك.
وكما سمعتم أيضًا؛ نحن نحتاج أن ننشر هذا في بقية شبابنا المُتعرضين للاغترار والانخداع بما ينتشر فِكرًا وسلوكًا،
- يقطع عن الله تعالى،
- يقطع عن رسوله محمد ﷺ،
- يقطع عن حقائق الفطرة التي فطر الله الناس عليها،
- يقطع عن ذوق حلاوة القرب من رب الأرباب سبحانه وتعالى،
- وحقائق الشوق لمرافقة سيد الأحباب في مراتب الاقتراب،
- وحقائق اليقين التام بيوم القيام وما وراءه من خلود؛ إما في النيران والحطمة التي تطلع على الأفئدة، وإما في دار السلام والكرامة والرضوان والجود من الإله الرحمن، ومرافقة سيد الأكوان والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
ومن أمامهم هذا المستقبل العظيم، حُقَّ لهم أن يُشمِّروا عن سواعدهم، وأن يقوموا بجهدهم لأجل الملك الكبير الدائم العظيم في جوار الرحمن وأنبيائه ورسله إلى الأبد والخلود، جعلنا الله من أهل ذلك المصير.
فيا ربِّ واجمعنا وأحبابًا لنا ** في دارِكَ الفردوسِ أطيَبِ موضعِ
فضلًا وإحسانًا ومنًّا منكَ يا ** ذا الجودِ والفضلِ الأتمِّ الأوسعِ
وكما سمعتم فيما دار بينكم من التقارير وهناك الإيجابيات الطيبة، التي هي عبارة عن استجابة لدعوة هذا المنادي الذي اسمه محمد، وما من صالح ولا تقي ولا واعي عالم يدعو إلى الله على بصيرة، إلا وهو أثر من آثاره، إلا وهو قبس من نوره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فهو المُخصَّص المختار المنتخب، المصطفى من قِبل مكوّن الأكوان، وخالق الإنس والجان، من قِبل الإله الرحمن، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ويقول له في خطابه: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا).
فعلى طالبي الفضل الكبير أن يبذلوا الوسع والطاقة والغاية، وعلينا أن نواصل تعاوننا، وشبابنا الذين أقبلوا وتوجَّهوا عليهم أن يُوجِدوا فكرًا في الذين وقعوا في الإعراض وفي الغفلة وفي البطالة، وكيفية استنقاذهم واستخراجهم، "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حُمر النَّعَم".
نورانية الصدق وتأثيرها على المجتمعات والأمن
وبهذا التعاون على مثل هذه الأمور نسدّ ثغرات إبليس وجنده في الفكر، وفي السلوك، وفي المجتمع؛ حتى يعود لمجتمعنا نصيب من نورانية الصدق مع الله، التي في مُدد من القرون التي مضت كادت أن تعم الصغير والكبير.
وكان بعض الولاة، عبد الله بن راشد عليه رحمة الله تبارك وتعالى، سَلطنته من العقّاد وراء شبام إلى شعب النبي هود، كانت هذه السلطنة كلها، وكان هذا السلطان يحفظ صحيح الإمام البخاري، وكان ورده في كل ليلة 100 ركعة.
وكان يذكُر نتيجة من نتائج هذا التأييد الإلهي في نشر هذا الخير والنورانية في المجتمع، يقول: أحمد الله، سلطنتي من طرفها إلى طرفها لا يوجد فيها سارق، ولا محتاج، ولا يوجد فيها حرام، لو أردت الحرام يصعب عليك تُحصِّله، الدنيا مبسوطة بالحلال، كيف؟ قال: الأغنياء يواسون الفقراء ما عاد وُجِد محتاج، والسارق ما عاد يفكر يسرق أين، والأمر ميسر له قريب، وقال: فما عاد وُجِد الحرام، فلا وُجِد سارق ولا حرام ولا محتاج من طرف السلطنة إلى طرفها في الوادي كله!
ولهذا نُسب إليه الوادي وقيل "وادي بن راشد"، وقال الإمام الحداد:
وادي بنِ راشد مُنَى قلبي ** وراحةُ الرُّوحِ والخاطِر
لا زال مَظلول بالسحب ** مطلول مِن صَيِّبِ الماطِر
مَعمور بالعلمِ والآداب ** والعدل والبر والشكر
اللهم اعمرهُ كذلك، وأدِم لنا هذا.
التفاني في خدمة الدين واستشعار قيمة دعوة النبي ﷺ
لنستعيد شيئًا من هذه النورانية التي مرت على قرون قبلنا في الوادي الميمون، كان حالهم حالًا عجبًا مِن تأثرهم بصوت النبي محمد، نداء النبي محمد، هدي النبي محمد، سنة النبي محمد، دعوة النبي محمد.
- قدَّروا العين التي كانت تبكي كل ليلة من أجلهم وتخاطب الله فيهم.
- قدَّروا اليد التي حملت الأمانة وسارت بها.
- قدَّروا الرجل التي قامت حتى تورمت، ومشت ورُميَت بالحجارة حتى خرج الدم من العقبين الشريفين.
- قدَّروا وجنتيه اللتين غرق فيهما حديد المِغفَر،
- قدَّروا شفتاه التين شُقَّتا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
- قدَّروا جبينه الأزهر الذي رُمِيَ في سبيل الله، وتلقَّى الدم بيديه قائلًا: "أخاف إن وقعت قطرة على الأرض أن يُعجّل الله عليهم بالعذاب ويُعمّهم بعذاب من عنده"، ثم يقال: ألا تدعو عليهم؟ قال: "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون". صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.
قدَّروا هذا في الذات، وسمعوا النداء منه، واقتدوا به، حتى كان في مظهر هذا الصدق والإرث التام يقول سيدنا الإمام الحداد: "ما من سُنة سَنّها رسول الله إلا وأرجو أني قد عملتُ بها"، ما من سُنة سَنّها رسول الله إلا وأرجو أني قد عملت بها.. ما هذا اللسان؟ لسان التبعية المُطلقة، لسان الإرث المُحقق، لسان الصدق في الوفاء بالعهد مع الله جل جلاله!
ومضوا على قصدِ السبيلِ إلى العُلا ** قدمًا على قدمٍ بجِدٍّ أوزعِ
وصلت الأمانات إليكم الآن، نحتاج أن ننتهض، ونحتاج أن نصدُق مع هذا الخلّاق.
دعوة محمد عظمى، دعوة محمد لها المقام الأسمى، دعوة محمد هي التي الفوز في القيامة والنجاة من النار ودخول الجنة مربوط بها، مُناطٌ بها، دعوة محمد ما أجلَّها!
لو كان لي فوق روحي ألف روح وبذلتها واحدة بعد الثانية، وفوق جسدي مئة جسد، رضيت أن يُقطّع قطعة قطعة في خدمة هذه الدعوة؛ لكانت الدعوة أغلى، ولكان ذلك كله رخيصًا، والله العظيم والله العظيم! وما معي إلا هذه الروح الواحدة والجسد، أبخَل بها في نصرة هذا النبي؟ في القيام مع هذا الحبيب؟ في إحياء سنته؟ في رحمة أمته؟ في حُسن متابعته؟ في نشر ما جاء به عن ربي الذي خلقني وإليه مرجعي ومآبي؟ أي عذر لي أن أبخل؟ أي عذر لي أن أبخل!
ورحم الله سيدي الوالد، قالوا: تُعرِّض نفسك لخطر وتسكت أحسن! قال: الصحابة تعرضوا للشهادة، وساروا لها مسيرة شهور، فإذا جاءت إلى بلداننا نرفضها؟ جاءت إلى عندنا الحمد لله رب العالمين..! طلبها مسيرة شهر وشهرين وثلاثة أشهر يطلبون الشهادة في سبيل الله، أصحاب محمد ﷺ؛ لأنهم عرفوا عظمة الدعوة، عرفوا عظمة الداعي، بمعرفتهم عظمة من أرسله ومن اصطفاه ومن ختم به النبوة، وهو الله جل جلاله، ولا أعظم من الله، ولا أكبر من الله، ولا أجلّ من الله.
فبذلك صدقوا مع الله، وبذلوا الأرواح والأنفس، وقرأوا عقدًا وسط القرآن الكريم منشورًا من قِبل الرحمن بأوضح البيان: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم) - اشترى؟ من هو؟ الله! - (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم) - والثمن كبير، قال: (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ).
قال: والنتيجة مُحقَّقة مقطوع بها بأسنى معاني التحقيق الذي لا ريب فيه: (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ).
تلا رسول الله الآيات وسمعها الصحابة، فأخذوا يقولون: "ربح البيع، لا نَقيل ولا نَستقيل، ربح البيع، لا نَقيل ولا نَستقيل". وصدقوا عليهم رضوان الله تعالى وثبتوا. والله يُرينا وجوههم في القيامة وفي دار الكرامة، ويُهيئنا لذلك بوفائنا بهذه العهود.
أهمية الاكتفاء الذاتي والتكافل بين الشباب
وإن شاء الله يتسع المجال عند أهل الحارات عندنا في البلدة للتفكير في شأن التقريب لهؤلاء الغافلين، وإحياء وتفعيل هذا المجال والميدان.
والأمر الآخر ينشط إن شاء الله أيضًا في الحارات، ما كنتم تسمعون الحديث عنه الحبيب أبو بكر المشهور عليه رحمة الله في "الاكتفاء الذاتي" وما يمكن القيام به. والمُمكِنات كثيرة، ويُيسِّرها الله، وإن كان عدو الله لا يريد أن تكون مثل هذه الأشياء، ولكن يمكن عمل أشياء كثيرة، وأفكار كثيرة، تضمّ كثيرًا من هؤلاء الشباب ليكونوا عُمالًا في شيء من المشاريع التي تعود بالخير على المجتمع كله.
فتح الله لنا ولكم الأبواب، وذلَّل الصعاب، وتولانا بما هو أهله في الدنيا والمآب.
اللهم بارك في جمعنا، وبارك في هذه الحارات وما يجري فيها من خيرات، وادفع عنها الآفات، وادفع عنها الظلمات، وادفع عنها التحريش، وادفع عنها إبليس وجيش إبليس.
وارزقنا وإياهم التعاون والتعاضد والتناصر على ما هو أحب إليك، وأرضى لك، وأحظى لنا عندك في المنزلة والمكانة في الدنيا والآخرة.
وبارك في الوافدين والواردين، واجعلنا من خواص المتحابين فيك، المقبلين بالكُلِّية عليك، والحمد لله رب العالمين.
25 صفَر 1448