من القدوة وميزان المسلك القويم في الولاء والبراء

للاستماع إلى الخطبة

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع الإيمان، بعيديد، مدينة تريم، 11 محرم 1448هـ بعنوان: 

من القدوة وميزان المسلك القويم في الولاء والبراء

تضمنت الخطبة:

  •  فضل يوم عاشوراء وسبب صيامه. 
  • نجاة سيدنا موسى عليه السلام وهلاك فرعون.
  •  تحذير من اتباع المفسدين، وأن القدوة الحقّ في الأنبياء والصالحين.
  •  مشروعية الفرح بنصر الله لأنبيائه وأوليائه.
  •  تنبيه عن السخرية والغيبة واللمز والتحريش بين المسلمين.
  • قصة استشهاد سيدنا الحسين رضي الله عنه.
  •  البراءة من الرضا بقتل أي نفس ظُلمًا، ومن الإعانة على ذلك ولو بكلمة.
  • منهج أهل السنة في محبة آل البيت والصحابة.
  • استقبال العام الهجري بتجديد الإيمان والصدق ونصرة الحق.دنيا غايات تُنسي الآخرة، ويدعو إلى تطهير البيوت وحفظ الأولاد من الصحبة الفاسدة عبر الأجهزة.

لتحميل الخطبة pdf

نص الخطبة:

الخطبة الأولى :

 

   الحمد لله، الحمد لله المَلِك الحقّ المُبين، القويّ المتين، بالغ الحكمة في التقديم والتأخير والتمكين والتلوين. 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، سَرَت إرادته في الأشياء فقام بها التخصيص والتعيين، فلا مُقدِّم لما أخَّر، ولا مؤخِّر لما قدَّم، وهو أحكم الحاكمين.

    وأشهد أن سيّدنا ونبيّنا وقُرّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله. 

اللهمّ صلِّ وسلِّم عليه، بيَّن فأحسن البيان، وأقام الشواهد والحجّة الواضحة والبرهان، وأعرب عن الحقّ والباطل، والخير والشرّ، والمحمود والمذموم في النيّات والمقاصد والأقوال والاعتقادات والحركات والسكنات وأبان.

    اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك وكرِّم على خير مُبيِّن وهادي, عبدِك الأمين،l الصادق محمد، محبوبك المُقدَّم في كلّ خافٍ وبادي، وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار، ومن والاهم فيك وعلى منهاجهم سار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين معادن الأنوار والأسرار، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقرّبين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا كريم يا غفّار.

 

الوصيّة بتقوى الله واتّباع منهج النبوّة:

  أمّا بعد عباد الله، فإني أوصيكم وإيّاي بتقوى الله. 

عالم السرِّ والإجهار، والحاكم بين عباده في يوم الدين على جميع ما اختلفوا فيه، فلا مُعقِّب لحكمه ومرجع الكلّ إليه.

ولقد خَتَم لنا النبوّة والرسالة بعبدهِ المختار الذي أحسن الدلالة، وعلَّمنا من الجهالة، وبصَّرنا من العماية، وتركنا على المَحَجّة البيضاء، فانتهجَ فيها كلُّ من سبقت له سابقة السعادة في الإحجام والإمضاء، ونالوا مِن خالقهم العفو والسماح والرضا، وأعرض مَن أعرض، وتولّى من تولّى بما في قلبه من مرض، فخابوا وخسروا وتستقبلهم النّدامة الكبرى في يوم العرض.

 

استقبال العام الهجريّ الجديد وفضائل يوم عاشوراء:

    أيّها المؤمنون، استقبلكم عامٌ هجريٌّ جديد، ومرّت بكم أيّام العشر الأُولى منه، وهي مُشرَّفة مُكرَّمة، أعظمها يوم عاشوراء ويوم تاسوعاء.

صام النبيّ يوم عاشوراء وأمر بصيامه، وعزم على صيام يوم التاسع -صلى الله عليه وآله وسلم- وأرشد إليه، ووعد من صام يوم العاشر أن يُكفّر الله له ذنوب السنة الماضية.

قصّة نجاة سيّدنا موسى وهلاك فرعون:

   ولقد حمل يوم العاشر ذكرى نجاة النبيّ موسى، وهلاك مُعادِيه مِن مُدَّعي الألوهية كذبًا وزورًا، فرعون ومن اتَّبعه، (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ).

وذلك الجزاء الحتميّ لكلّ مَن اتّبع كافرًا وفاجرًا ومُشركًا وخائنًا أن يكون في تبعيّتهِ يوم المصير، فيوردهُ إلى النار وبئس المصير، إنّما يَرِد الجنّة أتباع الأنبياء، والمقتدون بالأصفياء والأولياء، ومن لم يجعل له قدوة إلا قدوة مَرضيّة عند ربّ الأرض والسماء:

  1. أوّلهم أنبياء الله، 
  2. وثانيهم أهل الصلاح من آلهم وأصحابهم، 
  3. وثالثهم الأتقياء العلماء من ورثتهم وأتباعهم. 

وليس في غير هؤلاء قدوة، ولا يجوز للمؤمن أن يتّخذ غير هؤلاء أُسوة في سرٍّ ولا نجوى، إن كان من أهل التقوى.

 

تحذير من اتّباع المفسدين وطاعة الكافرين:

بل حذّر من اتّباع أمر المفسدين، ومن طاعة الكافرين من الكتابيّين وسواهم من المشركين، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ).

وقال جلّ جلاله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ).

(يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ)، فلا تجوز الطاعة للكافرين عمومًا، ولا لأحدٍ من أهل الكتاب خصوصًا.

وما القدوة إلا الأنبياء وصالحو آلهم وصحبهم، ثم الأمناء الأتقياء العلماء مِن ورثتهم وحاملي شرعهم، ليس في غير هؤلاء قدوة قطّ عند مؤمنٍ يؤمن بالله واليوم الآخر، لا له ولا لأهله ولا لأولاده، لا في دينه ولا في دنياه.

ولا يُقبَل منهم إلا ما توافقَ مع منهج الله وكتابه وسنّة رسوله محمد ﷺ وما جاء به، بالفهم الذي فهمه عنه آله وأصحابه وخيار الأمناء العلماء من التابعين وتابعيهم بإحسان، وما خالفَ فذلك فمردود على أهله، لا يُقبَل عند أهل الإيمان والإسلام.

 

الفرح بنصر الله لأنبيائه وموالاتهم:

   أيّها المؤمنون بالله جلّ جلاله وتعالى في عُلاه، كان ممّا شُرِع لنا، وبيَّن المؤتمَن ﷺ، الفرح بنصر الله لأنبيائه، وخذله لأعدائهم. 

فلمّا قال اليهود بالمدينة إنّ يوم عاشوراء هو الذي نجّى الله فيه موسى وبني إسرائيل -أي المؤمنون المتّبعون له- وأهلك فرعون وقومه، فنحن نصومه شكرًا لله، قال صاحب الرسالة: "أنا أحقّ بموسى منكم" ، وفي لفظ: "نحن -أي أنا والصالحون التابعون لي من أمّتي- أحقّ بموسى منكم»، فصامه وأمر الناس بصيامه.

فالفرحُ بنصر الله لأنبيائه موالاةٌ لهم، وكذلك لأوليائه، شرعٌ شرعهُ المصطفى، وأمرٌ تقوم عليه أسرار وحقائق لا إله إلا الله محمد رسول الله. 

ثم ولاء أولئك ومودّتهم ومحبّتهم تقوم عليه حقائق الإيمان، بل لا إيمان حتى نؤمن بجميع النبيّين والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ).

وفي هذا المضمار قام الولاء في الله والبراء من الكفر والفسوق والعصيان، بل وكراهية ذلك. 

من شؤون الإيمان؛ أن تُحبّ الإيمان وأعمال الإيمان وأهل الإيمان، وأن تكره بقلبك الكفر والفسوق والعصيان.

هذا مسلك أهل الرشاد بشهادة ربّ العباد في كتابه العظيم القرآن الكريم، قال لمن أُنعم عليهم بوجود المصطفى محمد ﷺ: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ﷻ. 

 

التحذير من السخرية والغيبة والتحريش بين المسلمين:

ثم بيَّن في الشرع ما يجب على عموم المؤمنين إذا دخل الشيطان بين فئتين من المسلمين فاقتتلا: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

 فليس من الدين ولا من الإسلام في شيء: السخريةُ، ولا الغيبةُ، ولا اللمزُ بالألقاب، بل أولئك هم أهل الضلال، وهم أهل الخروج عن أمر الله ذي الجلال.

(وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ).

   أيّها المؤمنون، فكلّ من تصوَّرَ أنه يمكن أن يكون على دينٍ صحيح مع الله واتّخذ من دينه سخريةً أو غيبةً أو لمزًا بالألقاب فقد كذب على نفسه وأغواه عدوّه. 

وهو بهذه الأعمال خارجٌ عن منهج الله، وهو في هذه الأعمال خارجٌ عن سنّة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهو بهذه الأعمال جنديٌّ من جنود إبليس، الذي لمّا أيِس أن يعبده مُصلٍّ غير الله، جعل جهده بين المصلّين، وطمعه التحريش بينهم، والتحامل على بعضهم البعض، والبغضاء والحقد والحسد والشتم والسبّ.

ذلكم الفسوق الذي قال عنه حبيب الخلّاق: "سِبابُ المسلم فسوقٌ وقتاله كفر". 

لا يجوز استحلال قتال المسلم، ولا سبّ مسلمٍ كائنًا من كان.

    أيّها المؤمنون بالله، كيف يُغيَّر وجه الدين مع المخالفة الواضحة الصريحة لأكمل وأتمّ وأوضح التبيين بنصّ القرآن المبين ونصوص سيّد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟!

 

ذكرى عاشوراء واستشهاد الإمام الحسين:

   وممّا ابتلى الله به الأمّة في يوم عاشوراء أن امتدّت أيدي بغيٍ وضلالٍ وفسقٍ إلى دماء محرّمة مصونة مُعظّمة من خيار أمّة محمد، بل وفيهم الرأس من أهل كسائه الخاصّ ﷺ؛ سيّدنا الحسين بن عليّ بن أبي طالب، الحسين بن فاطمة بنت محمد، ابن سيّدة نساء أهل الجنّة، ابن بَضعة خير الخلائق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، صاحب السيادة في الجنّة.

فكان وأخوه الحسن سيّدَيْ شباب أهل الجنّة، كما قال سيّد أهل الجنّة، وإمام أهل النفوس المطمئنّة، وأعظم أهل العقول المُرجَحِنّة، محمد الصادق الأمين ﷺ. 

واختار الله له الشهادة ليحوز ما كتبه له من السعادة، وكان أمرًا قد قُضي، فتمَّ كما قضاه الله.

   أيّها المؤمنون، ولقي سيّد شباب أهل الجنّة ريحانةُ خير الأنام ربَّه، وجَدَّه نبيَّه ﷺ، ومن معه من الشهداء، ومنهم قرابته وجميع أبنائه، لم يسلم منهم إلا واحد هو عليّ زين العابدين، كان مريضًا في ذلك اليوم ولم يستطع الانتهاض للقتال وأداء الواجب مع أبيه سيّد شباب أهل الجنّة، فسلّمه الله تعالى لما خبأ في صلبه من أكثر ذرّيّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 

   أيّها المؤمنون، وإنّ ممّا جاء في البيان النبويّ أنّ من رضي قتل نفسٍ بغير حقّ كان شريكًا للقاتل في إثمه، وبُعده، وطرده، محشورًا معه يوم القيامة. 

"ولو أنّ نفسًا قُتلت ظلمًا بالمشرق فرضِيَها رجلٌ بالمغرب كان شريكًا للقاتل"، والعياذ بالله. 

"مَن أعانَ على قتلِ مسلمٍ بشَطرِ كلمةٍ لقيَ اللَّهَ يومَ القيامةِ مَكْتوبًا على جبهتِهِ آيسٌ من رحمةِ اللَّهِ"، نعوذ بالله من غضب الله.

   أيّها المؤمنون بالله، نبرأ إلى الله من كلّ نفسٍ قُتلت ظلمًا، من الرضا بذلك أو محبّته أو الميل إليه ولو بخطرةٍ ظاهرًا أو باطنًا، من أوّل نفسٍ قُتلت ظلمًا وهي نفس هابيل بن آدم، إلى من قُتل في هذه اللحظة ظلمًا من النفوس التي تُزهَق بغير حقّ.

برِئنا إلى الله من الرضا بشيء من ذلك، أو الفرح بشيء من ذلك، أو الإقرار لشيء من ذلك، أو الميل لشيء من ذلك، نبرأ إلى الله الرحمن الرحيم جلّ جلاله وتعالى في عُلاه.

 

منهج الأمّة السويّ: محبّة آل البيت والصحابة ونبذ السبّ والشحناء:

    أيّها المؤمنون بالله، كذلكم جاءتنا السنّة بهذا البيان البديع الذي مضى عليه خيار الأمّة قرنًا بعد قرن؛ لا يَبغضون ولا يسبّون صحابيًّا خصوصًا، ولا مؤمنًا ومسلمًا عمومًا، ولا يُقرّون ولا يفرحون ولا يميلون إلى ضربٍ  -فضلًا عن قتلٍ- لمن لا يستحقّ كائنًا من كان، ولا يجهلون مكانة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وواجب موَدَّتهم بنصّ القرآن.

ولا يجهلون قدر السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار، ولا يساوون مَن تأخّر إسلامه ومَن أسلم بعد الفتح بأحدٍ من السابقين قطّ. 

كما بَيَّن الحقّ بالصريح في القرآن: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ).

فأيّ منهجٍ أعدل؟! وأيّ منهجٍ أقوم؟! 

منهج السباب والشتم، أو منهج البغضاء والشحناء؟! 

إنّها طبخة إبليس؛ يلعب بها على عقول المصلّين ليُخرجهم عن واضح التأسيس، وحُسن ما بيَّن خيرُ الناس لأمّته، ممّا يقيهُم به التلبيس.

اللهمّ املأ قلوبنا بالإيمان، واجعلنا في استقبال العام الجديد في تجديدٍ لحقائق الإيقان، وأدبٍ معك في السرّ والإعلان. 

حَبِّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكَرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، برحمتك يا أرحم الراحمين وجودك يا أجود الأجودين.

 

 آيات من الذكر الحكيم:

والله يقول وقوله الحقّ المبين: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وثَبَّتنا على الصراط المستقيم، وأجارنا من خزيهِ وعذابه الأليم. 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولوالدينا ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

   الحمد لله مُبيِّن الطريق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وليّ التوفيق. 

  وأشهد أن سيّدنا ونبيّنا وقُرّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، أكرم الخلائق على الخالق في كُلّ مقام في الدنيا والآخرة على التحقيق.

اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك وكرِّم على عظيم الأخلاق حبيبك المصطفى محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وآبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقرّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

    أمّا بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله. 

فاتّقوا الله أن تخوضوا في سبّ مسلمٍ عامّة، وفي سبّ أحدٍ من أهل الرعيل الأوّل والقرن الأوّل خاصّة؛ من المهاجرين والأنصار، وآل البيت الأطهار، ومن الملتصقين بهم، ومن لهم إلى ذات النبوّة أقرب بأخصّ الخاصّة.

 أيّها المؤمنون: "سِبابُ المسلم فسوقٌ وقتاله كفر".

الحب في الله والبغض في الله:

   أيّها المؤمنون، محبّة المؤمنين علامة الإيمان وأوثَق عُراه، إنّ الحبّ في الله والبغض في الله من أوثق عُرى الإيمان. 

   أيّها المؤمنون بالله، كراهة الكفر والفسوق والعصيان قربة، في الإيمان رُتبة، ترفع درجة أصحابها إلى القرب من الحقّ ونيل المحبّة.

    أيّها المؤمنون، لا مجال لجعل الدين سبًّا ولا شتمًا ولا بغضاء ولا شحناء ولا عداوة بين أهل لا إله إلا الله، وكلّ من انتهج ذلك فقد حاد عن سواء السبيل وخير المسالك، وقد تعرّضَ للهلكة والوقوع في المهالك.

 

 كيف نستقبل العام الهجريّ الجديد؟

    أيّها المؤمنون، حقّ العام الجديد أن يتجدّدَ صدقنا مع المبدئ المعيد، الفعّال لما يريد، وأن ننتهض لنصرته ونصرة رسوله وآل بيته وصحابته وصالحي الأمّة على مدى القرون، بكلّ ما نقدر عليه روحًا ونفسًا ومالًا، وعلمًا وعقلًا وبذلًا وتضحيةً وجهادًا.

   أيّها المؤمنون، لا مجال أن نسمح لصدورنا بالبغضاء ولا بالشحناء لأحد، وذلك هو ما يحرق الحسنات، ويوقع في أسوأ السيّئات. 

  وأيّها المؤمنون، يجب أن نستفيد من مرور الأيّام والليال، واستقبال الأعوام استقبالًا بعد استقبال.

اللهمّ جُودك على أمّةٍ مزّقتها دواعي الكفر والفسوق والعصيان، والطمع في الفان، وغلب على أكثرهم أعداؤهم من أهل الكفر، من الذين أوتوا الكتاب ومن الذين كفروا، وهم بنصِّ كلامك شرّ البريّة.

 

اللهمّ فخلِّص أمّة محمد من تبعيّة الكفّار، اللهم واملأ قلوبهم بالإيمان والأنوار، واجعل تبعيّتهم مُحقّقة لنبيّك المختار، في السرّ والإجهار يا كريم يا غفّار.

كثرة الصلاة والسلام على النبيّ ﷺ:

استمسكوا بعروة وثقى، كثرة صلاتكم وسلامكم على سيّد أهل التقى، حبيب الله المُنتقى، محبّةً وولاءً وتعظيمًا وامتثالًا لأمر الله، فإنَّ أولاكم به يوم القيامة أكثرُكم عليه صلاةً، ومن صلّى عليه واحدةً صلّى الله عليه بها عشرًا. 

ولقد قال الحقّ مبتدئًا بنفسه، ومُثنِّيًا بالملائكة، ومثلِّثًا بالمؤمنين، معلّمًا لهم تكريمًا وتعظيمًا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

   اللهمّ صلِّ وسلِّم على الرحمة المُهداة والنعمة المُسداة سيّدنا محمد، وعلى الخليفة من بعده صاحبِه وأنيسه في الغار، من أشرقت عليه الأنوار، مؤازرِ رسول الله في حالَي السعة والضيق، خليفة رسول الله سيّدنا أبي بكر الصدّيق.

وعلى الناطق بالصواب، حليف المحراب، واسع الأخلاق والآداب، أمير المؤمنين سيّدنا عمر بن الخطّاب.

وعلى مُحيي الليالي بتلاوة القرآن، والمنفق ابتغاء وجه الكريم المنّان، من استحيت منه ملائكة الرحمن، أمير المؤمنين ذي النورين سيّدنا عثمان بن عفّان.

وعلى أخ النبيّ المصطفى، وابن عمّه ووليّه، وباب مدينة علمه، إمام أهل المشارق والمغارب، أمير المؤمنين سيّدنا عليّ بن أبي طالب.

وعلى الحسن والحسين سيّدَيْ شباب أهل الجنّة في الجنّة، وريحانتَيْ نبيّك بنصِّ السنّة.

وعلى أمّهما الحوراء فاطمة البتول الزهراء، وعلى أخواتها الكريمات وأمّها خديجة الكبرى، وأمّهات المؤمنين.

والحمزة والعبّاس، وسائر أهل بيت نبيّك الذين طهّرتهم من الدنس والأرجاس.

وعلى أهل بيعة العقبة وأهل بدر وأهل أُحد وأهل بيعة الرضوان، وسائر الصحب الأكرمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

 دعاء للأمّة الإسلاميّة:

اللهمّ أعزّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهمّ أعزّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهمّ أعزّ الإسلام وانصر المسلمين. 

اللهمّ أذلّ الشرك والمشركين، اللهمّ أعلِ كلمة المؤمنين، اللهمّ دمّر أعداء الدين، اللهمّ اجمع شمل المسلمين، اللهمّ ألِّف ذات بين المسلمين، اللهمّ ارفع درجات أهل الحقّ واليقين.

اللهمّ رُدّ عنّا كيد الكفرة والفاجرين، اللهمّ حوِّل أحوالنا وأحوال المسلمين إلى خير حال، وعافِنا من أحوال أهل الضلال وفعل الجهّال.

وارزقنا التبعيّة لنبيّك في النيّة والقصد والأقوال والأفعال، والحركات والسكنات في جميع الأحوال.

اللهمّ تدارك الأمّة، واكشف الغُمّة، واجعل هذا العام من أبرك الأعوام على أمّة حبيبك محمد ظاهرًا وباطنًا يا ذا الجلال والإكرام.

اغفر لنا ولآبائنا وأمّهاتنا وذوي الحقوق علينا والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، أحياهم وموتاهم ومن يأتي إلى يوم الميقات، يا مجيب الدعوات، يا قاضي الحاجات.

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).

عباد الله، إنّ الله أمر بثلاث ونهى عن ثلاث: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). 

فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروهُ على نعمه يزدكم، ولَذِكرُ الله أكبر.

 

تاريخ النشر الهجري

17 مُحرَّم 1448

تاريخ النشر الميلادي

02 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة