منزلة التقوى في إصلاح البشر والعالم والمعاش والمعاد

للاستماع إلى الخطبة

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ، في مسجد سيدنا جعفر الطيار، في الكرك، الأردن، 25 محرم 1448هـ بعنوان:

منزلة التقوى في إصلاح البشر والعالم والمعاش والمعاد

لتحميل الخطبة Pdf

خريطة صلاح العالم

تضمنت الخطبة:

  •  التقوى أساس صلاح الفرد والأسرة والمجتمع والأمة.
  •  القلب موضع التقوى ومحل نظر الله
  •  تفقد النيات والصفات التي يحملها القلب
  •  كرامة الإنسان عند الله بقدر تقواه
  •  التقوى وقاية من غضب الله بامتثال أمره واجتناب نهيه
  •  أثر التقوى في حفظ العين والأذن واللسان وسائر الجوارح
  •  تحذير من الغيبة والكذب والنظر المحرم وأكل الشبهات
  •  أهمية الورع وترك الشبهات
  •  ارتباط قبول الأعمال بالتقوى: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾
  •  أثر التقوى في النصر كما ظهر في غزوة مؤتة
  •  دعاء بنصرة المسلمين وإصلاح القلوب

نص الخطبة:

الخطبة الأولى:

    الحمد لله المَلك الحق، الحي القيوم، القوي المتين، خالق السماوات والأرَضين، وجاعل عظيم حِكمته متعلِّقة بهذا الخلق المُكلَّف والمُشرَّف، وهم العقلاء من الإنس والجن على ظهر هذه الأرض، يترتّب عليهم وعلى اختياراتهم وانطلاقهم في الحياة شؤون ما يجري في يوم القضاء ويوم العرض.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يرقُب القلوب وينظر إليها، ويعلم ما في الضمائر وما يخطر من الخواطر، وما يكنُّ في السرائر، فهو أعلم بها من أصحابها وأربابها، جَلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

   ونشهد أن سيدنا وقُرة أعيننا محمداً عبده ورسوله ومصطفاه، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وجعلهُ أتقى الخلائق أجمعين، وأرفعهم رتبة في حقائق التقوى للإله الحق القوي المتين، فهو الأتقى، وهو الأنقى، وهو المصطفى، وهو المُنتقى.

صَلِّ اللهم وسلِّم وبارك وكرِّم على عبدك الأتقى؛ الحبيب محمد، وعلى آله الأطهار، وعلى أصحابه الأخيار، وعلى من والاهم فيك وعلى منهجهم سار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين معادن الأنوار والأسرار، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أهمية التقوى في صلاح الأمة:

   أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم وإياي بتقوى الله، في الغيب والشهادة، في السر والعلانية، فإنها نِعْمَ الزاد، وهي الذخيرة للمَعاد، والسُّلَّم الذي يصعد عليه لنيل المحبة من الإله الحق رب العباد، ونيل حقائق الإسعاد، في الخافي والباد، في الدنيا ويوم التناد ودار المعاد.

    أيها المؤمنون، وإذ نتكلّم على التقوى، نتحدث عن الأساس الذي به صلاح الأمة؛ شرقاً وغرباً، جنوباً وشمالاً، عرباً وعجماً، إنساً وجناً، بلا استثناء. 

ألا، وإن وحي الله وإنزاله الكتب وإرساله الرسل؛ تتعلق بصلاح هذا المُكلف الإنسان والجن الذي إذا آمن واتقى وعمل الصالحات؛ كان هو المنبع لصلاح الحياة، ولاستقرارها، ولأمنها والطمأنينة فيها، ولقيام الخيرات الكثيرة، وأن يحيوا الحياة الطيبة في الدنيا، ثم الانتقال إلى ما هو أطيَب في البرزخ، ثم القيامة، ثم الاستقرار في دار الكرامة التي أُزلفت للمتقين.

 القلب مركز التقوى ومحل نظر الله:

    أيها المؤمنون بالله، وإن للتقوى لموضعاً ومكاناً من حقيقة هذا الإنسان وسرّ تكوينه وخلقه وصنعته، ألا وهي القَلْب. 

ولقد أشار الأتقى إلى قلبه الأتقى الأنقى، وقال مشيراً إلى صدره: "التَّقْوَى هَاهُنَا، التَّقْوَى هَاهُنَا، التَّقْوَى هَاهُنَا" كما رواه الإمام أحمد في مسنده والبزار وأبو يعلى وغيرهم.

"التَّقْوَى هَاهُنَا"، مركز التقوى: القلوب، والتقوى صلاح القلوب بإيمانها بعلّام الغيوب، والإيمان بعلّام الغيوب هو الأساس للتنقّي عن الكدورات والعيوب.

ومهما سعى إنسان ليتنزَّه عن النقائص والآفات والشرور في طبعه وفكره وسلوكه، فلن يجد عاملاً أقوى يحملهُ على الوصول إلى القمة في هذا المسلك؛ مثل الإيمان بعالم الغيب والشهادة، بِمن استوى عنده السريرة والعلانية.

ولذا لن يبلُغ شأن المؤمن التقي في حقائق تقواه أحدٌ لم يؤمن بهذا الإله، ولم يراقبه في سره ونجواه. 

إذًا فشأن التقوى صلاح باطن الإنسان الذي به صلاح ظاهره، "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القَلْب".

وصية الله للأولين والآخرين بالتقوى وإصلاح القلوب:

فإذا تحدَّثنا عن التقوى بسرّ ما بعث الله به الأنبياء والمرسلين، وهي وصيته للأولين والآخرين، واسمع قوله جَلَّ جلاله: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)، فلو عَلِم شيئاً أنفع، أو للخير أجمع، أو أعلى وأرفع، لوصّى به! وإنما وصّى بالتقوى التي لا تقوم في ذاتها وأصلها إلا على باطن الإنسان، على قلبه، على سرّه.

"إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ ولا إلى أجسادكم، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ"، فحَقّ كل مؤمن أن يحسن النظر إلى قلبه، وما يحمله قلبه من صفات، وما يحمله قلبه من وجهات، وما يحمل قلبه من نيات، وما يحمل قلبه من اعتقادات، وما يحمله قلبه من إرادات، فإنهُ محل نظر رب الأرض والسماوات جَلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

معيار الكرامة والصلاح

  • وبصلاح هذا القلب يصلح الجسد، 
  • وبصلاح القلب والجسد يصلح الوالد والولد، 
  • وبصلاح الوالد والولد تصلح الأُسَر، 
  • وبصلاح الأُسَر تصلح العشائر والقبائل، 
  • وبصلاحها تصلح المجتمعات، 
  • وبصلاح المجتمعات تصلح الدول، 
  • وبصلاح الدول يصلح العالم. 

خريطة للصلاح مَن اتخذ سواها لم يعثر على حقيقة الصلاح، وإن اجتهد كل اجتهاد، وإن حاول كل محاولة.

وهذا المسلك الذي اختاره الله لصلاح العالمين، وصلاح الإنس والجن على ظهر الأرض، الذين بصلاحهم تصلح المصانع، تصلح المزارع، تصلح المشاريع، تصلح البنايات، تصلح البنية التحتية، وتصلح المعاملات والتجارات، وتصلح العلاقات، وتصلح الارتباطات بين بني آدم. 

في معنى قال عنه العلي الأعلى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)، لا لتتحاربوا، لا لتتخالفوا، لا لتتأذوا، لا ليحمل الشر بعضكم على بعض، (لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).

فينال المؤمن بالتقوى الكرامة عند الله، والمنزلة لدى مولاه، ومن نال المنزلة لدى المولى، فقُل لي بالله عليك أي مقام ارتفع؟ وأي شيء فات عليه من عز الدنيا والمرجع؟!

من نال المنزلة عند الله والكرامة لدى رب العرش العظيم جَلَّ جلاله؟ 

ولن ينالها حتى يصلُح هذا القلب، وأصل صلاحه إيمانه بعلّام الغيوب، مُكوِّن الأكوان، بارئ السماوات والأرَضين، خالق كل شيء، المُحيط بكل شيء، والذي إليه مرجع كل شيء، هو الواحد القيوم الحي جَلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

 كيف تجعل بينك وبين غضب الله وقاية:

هذا الإيمان الصادق الصحيح بهذا الإله ﷻ، إذا امتلأ به القلب حمل صاحبه على التحقّق بحقائق تقوى الإله. 

ومعنى تقواه: أن يجعل له وقاية من غضبه، من سخطه. 

فإنه لا شيء أشد قط ولا أصعب ولا أتعب عليك في الدنيا ولا في الآخرة من غضب الله، من سخط الله! لا والله، لا شيء أخطر ولا أشد ولا أعظم سوءاً عليك في الحس والمعنى والدنيا والآخرة من غضب الله، من سخط الله.

فتجعل بينك وبين غضبه وقاية، ما الوقاية؟ امتثال أمره واجتناب نهيه، ألا يراك حيث نهاك

نهاك عن الكبر لا يراك في الكبر، نهاك عن الحسد لا يراك في الحسد، نهاك عن الكذب لا يراك كذاباً، نهاك عن الغيبة لا تحضر الجمعة وأنت مغتاب، ولا تخرج من الجمعة وعلى الباب تغتاب المسلمين. 

يا أيها المؤمن، لا يفقدك حيث أمرك، لا يراك حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك.

أمرك بذُلٍّ وخضوع؛ يراك متذللاً له خاضعاً، أمرك بخشوع في الصلاة؛ فلا تؤدّيها بالجسم والصورة بلا خشوع قلب، وتخرج وتقول حضرت الجمعة وصليت الجمعة! أَشرعها الله لجسدك يظهر بالصورة الجسمانية ويَخِرّ للأرض ويخرج؟! لو كان ذلك الشرع لكان عبثاً.

لا والله، ما الشرع بعبث، ولا دعاك إلى الجمعة إلا ليحضر قلبك معه، ولتخضع لجلاله، ولتخرج منوَّراً بتطهير هذا القلب من الأدناس التي تعلَق به من سوء الأعمال وسوء التصرفات والأحوال في خلال الأيام والليالي، من الجمعة إلى الجمعة. 

في خلال الأسبوع موقفٌ تطهُّر وتزكّي وتنوُّر، ترتقي فيه في مراق التقوى، بحضورك إلى الجمعة بالقلب، وسماعك الخطبة بالقلب، وأدائك فريضة الصلاة بالقلب: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ".

سراية نور التقوى إلى العينين والأذنين واللسان:

فإذا صلح هذا القلب وتطهّر، وحلّ فيه نور الإيمان؛ تبعته التقوى، فأشرقت أنوار التقوى، فتنساب من القلب إلى العينين، فلا يستطيع النظر إلى العورات، ولا إلى الصور المحرمات بالشهوات، ولا إلى بيت الغير أو شنطة الغير أو متاع الغير بغير إذنه، ولا أن ينظر بالعينين إلى الدنيا الحقيرة بعين إكبار ولا استحسان، ولا أن ينظر إلى مسلم بعين احتقار.

سرت أنوار التقوى من القلب إلى العينين، فصارت عينان تُغَضّ عن محارم الله، وصارت عينان تسهر في سبيل الله، وصارت عينان تبكيان من خشية الله. 

وهذه الثلاثة الأعين هي السالمة من البكاء يوم القيامة، وبكاء يوم القيامة لا ينفع. 

إنَّ البكاء من معرفة الله ومن خشية الله ومن محبة الله في الدنيا ينفع، أما البكاء في الآخرة؛ فالملحدون يبكون، والمشركون يبكون، واليهود والنصارى يبكون، والمجرمون يبكون، ولا ينفعهم البكاء شيئاً، حتى لو كانت سُفن لجرت في دموع أهل النار فما تغنيهم شيء، ما تغنيهم من شيء، ذاك يوم الحسرة والندامة لمن لم يتقِ الله جَلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

فإذا سَرَت سِراية التقوى إلى العينين؛ سَرَت إلى الأذنين، فلا تهوى استماع غيبة ولا نميمة، ولا كلاماً ماجناً سفيهاً خارجاً عن الأدب وعن الحياء وعن المروءة، وأصبحتَ يحلو لك الاستماع إلى آيات الله، إلى كلام محمد بن عبد الله ﷺ، إلى كلام الصحابة وآل البيت والصالحين من خلق الله وعباد الله، إلى القول الطيب. 

وتسري أنوار التقوى إلى اللسان فلا يكذب، ولا يغتاب، ولا يلعن، ولا يسب، ولا يشتم: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ".

حفظ الجوارح والبعد عن ظاهر الإثم وباطنه:

   أيها المؤمنون بالله ﷻ، وتسري سراية التقوى إلى البطن فلا يقبل الشبهة فضلاً عن الحرام. 

تسري سراية التقوى إلى الفرج فلا يرضى استمناءً ولا يرضى لواطاً ولا زِنا ولا شيئاً مما حرم الله عليه، بل في دائرة المحافظة والحفاظ: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ).

    أيها المؤمنون، وتسري سراية التقوى إلى اليد وإلى الرجل، فلا تبطش بغير حق، ولا تسرق، ولا تأخذ حق الغير، ولا تضرب بغير حق، ولا تقتل نفساً بغير حق، ولا تتناول مالاً بغير حق، ولا طعاماً بغير حلال.

    أيها المؤمنون بالله، ولا تنطلق الأقدام في المشي بأذى المسلم، ولا في الإضرار بالمسلمين، ولا في فعل المحرمات والمعاصي الظاهرة والباطنة، والرب يقول: (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ).

الورع وتجنب الشبهات: حماية للدين والعرض:

   أيها المؤمنون، وبهذه السراية من أنوار التقوى إلى الجوارح، يقوم حاجز الورع عن الشبهات فضلاً عن المحرمات

ويقول سيدنا ﷺ فيما روى البخاري ومسلم: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ". 

حَرَّم علينا أن نقرُب إلى هذا الحِمَى ما حَرَّم علينا من قول وفعل ونية ومقصد وإرادة وعزم.

   أيها المؤمنون بالله ﷻ، وهناك تأتي الثمرات في الدنيا ثم الآخرة: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).

   أيها المؤمنون بالله، ويقوم هذا الورع للبعد عن الشبهات، وقد جعل الله لنا الفرائض محاطة بسياج السنن والآداب، والمُحافِظ عليها يَبعد أن يُضَيِّع الفرض

وجعل لنا منطقة الحِمَى -المُحرمات- محاطة بسياج المكروهات والشبهات، فمن ترك الشبهات والمكروهات لم يقع في الحرام، وإلا "كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ".

لن يبلغ العبد درجة المتقين حتى يترك ما لا بأس به حذراً مما به بأس

يقول سيدنا عمر بن الخطاب عليه رضوان الله: "كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام". 

ذلكم مسلك المتقين أهل خير زاد: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ).

اللهم املأ قلوبنا بالتقوى والإيمان واليقين، واجعلنا في الهداة المهتدين، ورَقِّنَا أعلى مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودك يا أجود الأجودين.

آيات من القرآن الكريم:

والله يقول وقوله الحق المبين: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). 

وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ). 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا). 

(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا). 

(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا). 

(ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا). 

(وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ). 

(تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وثبَّتنا على الصراط المستقيم، وأجارنا من خزيه وعذابه الأليم. 

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولوالدينا، ولجميع المسلمين، فاستغفروهُ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 الخطبة الثانية:

    الحمد لله ولي المتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جامع الأولين والآخرين ليوم الدين، وأشهدُ أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الأمين.

   اللهم صَلِّ وسلِّم على خاتم النبيين وسيد المرسلين عبدك المختار محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه المُنتخَبين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم والتابعين، وعلى ملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين.

إنما يتقبل الله من المتقين:

   عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فلا خلاص إلا بالتقوى، ولا سعادة إلا بالتقوى، ولا فوز إلا بالتقوى، وإنّ من يتّقِ الله يقبل منه العمل: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ).

فمهما صدرت صور صلوات، وقراءات، وصدقات، ممن لم يكن في قلبه نور التقوى، فلا قبول لشيء من ذلك العمل: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ). 

صلواتك وقراءتك وصدقاتك وبِرُّك وأخلاقك تُقْبَل إن كان في قلبك تقوى لعالم السر والنجوى جَلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

انتصارات المسلمين بسر التقوى-غزوة مؤتة:

   يا أيها المؤمنون، بسرِّ التقوى انتصر زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة والمؤمنون في يوم مؤتة، بسر التقوى انتصروا، وبسر تقواهم هُزِم الجيش الذي قابلهم بعتاده وعُدَّته وقُواه الكثيرة، مائتا ألف يقابلهم ثلاثة آلاف، فيُهزم الثلاثة آلاف المائتي ألف ويُقتل الكثير منهم، ثم يوَلّون مدبرين، ويرجع الثلاثة الآلاف، استشهد منهم أربعة عشر، والبقية رجعوا إلى حبيب الله خير البشر صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

الدعاء بالنصر والفرج للمسلمين:

    أيها المؤمنون، ونرجو بسر التقوى إذا تحركت في القلوب، وامتلأت بها أماكننا ومواطننا هذه، أن ينصر أهل غزة، وأهل فلسطين، والمسلمين في لبنان وفي الشام، والمسلمين في شرق الأرض وغربها.

إذا قام حُسْن التقوى فالنصر مُحقَّق بأمر مَن خَلَق، فلنطلب النصر من الله بما ينصر الله به عباده؛ من إقامة هذه التقوى في أنفسنا وأهلينا ونسائنا ورجالنا ومعاملاتنا.

ولابدّ أن ينصر الله أهل الحق، ويرد كيد الظالمين الغاصبين المفتَرين الباغين الطاغين المجرمين، المنتهكين للحرمات والحقوق والحدود، ولابد أن يخذلهم القوي الأعلى.

وإنما يظهر ذلك في عالم الحس إذا كَثُر أهل التقوى في صفوف المسلمين، إذا غَلبت التقوى على جماعات المؤمنين بذلك ينصرهم ﷻ: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ).

أساس الإصلاح في المجتمعات:

    أيها العباد، كل المحاولات في العالم لإصلاح الاقتصاد والمجتمعات والسياسات والعلاقات من دون التقوى فاشلة، فاشلة!

والأنبياء وأتباعهم هم مركز الصلاح في البشر وبني آدم إلى أن تقوم الساعة، بحسب ما يقسم الله لهم من الصدق والتحقق يكون الصلاح فيهم، وصلاح الأحوال لهم، وصلاح المآل لهم، وما عدا ذلك: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)، (قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ)، تعالى في عُلاه.

اللهم لا تصرفنا من جمعتنا إلا وقد ملأت القلوب بأنوار تقواك، من سر المعرفة بك وخشيتك ورجواك. 

اللهم كُن رجاءنا، واقطع رجاءنا عمن سواك، اللهم اجعلنا لا نُحب ولا نخاف ولا نرجو سواك، متحققين بحقائق تقواك في السر والنجوى يا أكرم الأكرمين.

فضل الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ:

أكثروا الصلاة والسلام على أتقى الخلق ﷺ، فإنه بكثرة ارتباطكم به تشتعل أنوار التقوى في قلوبكم.

ألا إنه القائل في حديثه الصحيح الذي أخرجه الإمام الترمذي في سننه: "إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً"، مُشيراً إلى أنّ مُكْثِرِي الصلاة عليه هم أتقى الخلق وأنقاهم عن المعايب وأحسنهم خُلُقاً.

كما قال في حديثه الآخر: "إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا".

وهم هم.. الذين يتعلقون بجناب الأتقى، ويكثرون الصلاة والسلام عليه ليلاً ونهاراً، سِرّاً وإجهاراً، فمن صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشراً.

ولقد سمعتم رب العرش وهو يبتدئ بنفسه ويُثَنِّي بالملائكة ويؤَيّه بالمؤمنين تعظيماً وتكريماً: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

اللهم صَلِّ وسَلِّم وبارك وكَرِّم على حبيبك المُنتقى سيدنا محمد، وعلى خليفته وأنيسه في الغار، من كسَوته بالأنوار، مؤازر رسولك في حالي السَّعَة والضِّيق، خليفة رسول الله سيدنا أبي بكر الصديق.

وعلى الناطق بالصواب حليف المحراب، المنيب الأواب، أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب. 

وعلى مُحْيِي الليالي بتلاوة القرآن، الناصح لله في السر والإعلان، مَن استحيت منه ملائكة الرحمن، أمير المؤمنين ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان. 

وعلى أخ النبي المصطفى وابن عمه، ووليه وباب مدينة علمه، إمام أهل المشارق والمغارب، ليث بني غالب، أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب.

وعلى الحَسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة في الجنة، وريحانتي نبيك بنصّ السنة، وعلى أمهما الحوراء فاطمة البتول الزهراء.

وعلى أشبه الأمة بنبيك خَلْقاً وخُلُقاً جعفر بن أبي طالب الطيار، من خاطبه المختار بقوله: "أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي". 

وعلى زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة، وعلى سيدنا الحمزة والعباس وسائر أهل بيت نبيك الذين طهّرتهم من الدنس والأرجاس، وعلى أمهات المؤمنين، وعلى أهل بيعة العقبة، وأهل بدر، وأهل أحد، وأهل غزوة مؤتة، وأهل بيعة الرضوان، وعلى سائر الصحب الأكرمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

دعاء للأمة الإسلامية ومغفرة الذنوب:

اللهم املأ قلوبنا بالإيمان واليقين، واجعلنا من عبادك المتقين، فإنك وعدتهم أحلى شيء وأعلى شيء.. محبّتك، وقُلت: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)، فاجعلنا من المتقين، واسلك بنا مسالك المتقين، وأهلينا وأولادنا وأسرنا، وأبناءنا وبناتنا يا أكرم الأكرمين. 

سِر بنا في سبيل تقواك، وهب لنا جزيل عطاياك، وامنحنا منك رضاك، وتولنا بما توليت به المتقين في الدنيا والآخرة، اجعلنا من أهل الوجوه الناضرة، التي إليك ناظرة.

وخُذ بيد ملك البلاد الملك عبد الله إلى ما تحبه وترضاه، وما فيه الخير والنفع والهدى والتقوى والبر والصلاح والفلاح، وخُذ بيد ولي عهده ومن معهم من المعاونين، وأهل الخير والهدى والدين. 

وانظر إلى الأمة في الشرق والغرب، واكشف كل كرب، واجمع شملهم، وألِّف ذات بينهم، واجعل كلاً منا مفتاحاً للخير، مغلاقاً للشر، سبباً لنشر الخيرات في الأمة، يا كاشف كل غمة، يا رب العالمين.

لا تصرفنا من الجمعة إلا مغفورة ذنوبنا، مستورة عيوبنا، صالحة مُطَهَّرَة قلوبنا، مقبلين بالكلية عليك، مقبولين بالفضل لديك يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. 

واغفر لوالدينا وذوي الحقوق علينا، ومن تقدم من آبائنا وأمهاتنا من أهل لا إله إلا الله، واغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، أحياهم والأموات، إلى يوم الدين يا رب العالمين.

عباد الله، إن الله أمر بثلاث ونهى عن ثلاث: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). 

فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروهُ على نعمهِ يزِدكم، ولذكر الله أكبر.

 

تاريخ النشر الهجري

08 صفَر 1448

تاريخ النشر الميلادي

22 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة

الاوسمة