حول حقيقة التوبة ووجوبها وفوائدها ورتبة أهلها

للاستماع إلى الخطبة

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في مسجد الشريفة فاطمة بنت ناصر، في العاصمة الأردنية عمّان، 18 محرم 1448هـ بعنوان: 

حول حقيقة التوبة ووجوبها وفوائدها ورتبة أهلها

يبين في الخطبة أن بداية العام الهجري ينبغي أن تكون محطة توبة صادقة ومحاسبة للقلب على ما مضى من تقصير وذنوب، ووضّح سعة رحمة الله بعباده، وأنه يدعو حتى المسرفين إلى الرجوع إليه، ويحب التوابين، ويبدّل سيئاتهم حسنات إذا صدقوا في الندم والإقلاع والعزم على عدم العودة، داعياً إلى الإكثار من الاستغفار والاقتداء بالنبي ﷺ في دوام التوبة، لما في ذلك من صلاح الفرد والأمة ودفع البلاء.

لتحميل الخطبة (نسخة PDF)

فوائد مكتوبة (رحمة الله الواسعة بالتائبين) 

نص الخطبة

الخطبة الأولى :

  الحمد لله، الحمد لله مولانا التوَّاب الغفور، البَرُّ الرحيم الشكور، وأشهدُ أن لا إله إلاالله وحده لا شريك له، جامع الأولين والآخرين ليوم الميقات، ولا عُملة يومئذٍ إلا الحسنات والسيئات.

  وأشهدُ أن سيدنا ونبيَّنا وقُرَّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، خير البريَّات، الذي يتوب في اليوم والليلة مائة توبة وهو المُطهَّر عن الأدران والخطيئات والسيئات.

اللهم أَدِمْ صلواتك على عبدك المختار، سيدِ أهل الأرض والسماوات، سيدنا محمد، وعلى آله الأطهار، وأصحابه القادات، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الميقات، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات أهل السعادات في الغيب والشهادات، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، برحمتك يا أرحم الراحمين، يا مجيب الدعوات، يا غافر الخطيئات.

حقيقة التقوى وأثرها في القلوب:

  أما بعد عبادَ الله؛ فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله، عالمِ الظواهر والخفيات، جل جلاله وتعالى في عُلاه.

وإنّ من عُرى هذه التقوى: 

● حُسنَ الإنابة إليه، والأوبَة والرجوع، 

● والخشوع والخضوع، 

● وتذكُّر مراقبته إيَّانا واطلاعه علينا، 

● ومرجعنا إليه، وعظمته وجلاله، وكبريائه وإفضاله وإحسانه، ونواله المتوالي علينا.

وكلّ ذلكم من مقوِّمات حقيقة التقوى، يجب أن لا تَعْزُب ولا تَغْرُب عن قلب المؤمن في ليله ونهاره، وسرِّه وإجهاره، يستقبل بها العام بعد العام.

الندم على التقصير وبداية العام الهجري الجديد:

ولا يطرأ عليه مثلُ هذا العام الهجري الجديد، إلا وهو في حقيقة أدبٍ مع الحميد المجيد، المُبدئ المُعيد، الفعَّال لما يريد، بتفقُّد محلِّ نظره منه، وهو هذا القلب.

ومن أعظم ما يُنظَر في القلب، أن يرى فيه الندامة على ما كان من تقصير في جنب المولى ﷻ، نيةً أو قصدًا أو قولًا أو فعلًا أو نظرًا أو سمعًا أو حركةً أو سكونًا؛ فإن كل شيء مُستطَر ومكتوب.

وقال الله عن الأمم من قبلنا: (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ). 

ويقول ﷻ: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ)،  (وَقَالُوا يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا).

تذكُّرُ هذه الحقائق، رابطةُ الخلق بالخالق، ومَصعدُ المؤمن إلى المقام الرائق، وسببُ توالي العطايا من الرحمن ﷻ على هذا الإنسان، بما يُكِنُّه قلبه من ندم على ما كان منه مِن سيئة وعصيان.

سعة رحمة الله ودعوته للمسرفين بالتوبة:

فإن الرحمن الأعلى بجلاله وعظمته واستغنائه عن العباد، بسط البساط ليتوب التائب، (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ)، جل جلاله وتعالى في عُلاه، فضلًا منه وهو الغني عن الكل.

بل شرع لهم باب التوبة ودعاهم إليها، بل خصَّ بالخطاب الذين أسرَفوا، والذين تجرَّأوا عليه، ثم هو جل جلاله في كبريائه وعظمته يُقرِّب لهم المسافة ويمدُّ يده ليرفعهم من الآفة، ويقول: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ) - وفي قراءة: (لا تَقْنِطوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ) - (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). 

وتأمَّلْ قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، لا يتعاظمه ذنبٌ إذا صدق العبد في التوبة. 

ولكن، بهذه الاستقامة: (وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ).

فإن من لم يندم في العمر القصير، استقبلته ندامةٌ طويلة في اليوم الطويل ولا تنفعه. 

الندمُ في العمر القصير ينفع، الندمُ في أيام الحياة المعدودة أيّامها يفيد صاحبه، ويقلب ذنبه إلى حسنة، أما الندمُ من عند الغرغرة فما بعدها لا ينفع، يدوم ويطول ولا يفيد أصحابه شيئًا، يندمون ويتحسَّرون: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ).

دلالة الندم على العبودية والربوبية:

لكن هذا الندم من هذا الإنسان في هذه الحياة، دلالةٌ واضحة على أنه أدرك عبوديةً له، وأدرك ألوهيةً لمن خلقه وخلق الكائنات ﷻ، وربوبيةً، فهو يغفر لمن يشاء ويؤاخذ على الذنب ويعفو عنه إذا شاء ﷻ، يُعذب من يشاء ويرحم من يشاء.

فإذا علم أن له إلهًا يغفر الذنب فتوجَّه إليه، كان ذلك سببًا لفتح باب المسامحة والعفو والصفح، وأكبرُ من ذلك أن يباسطه ﷻ  ويبادئه بالمحبة: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) ﷻ. 

بعد ما تعصيه وتندم وترجع إليه يبادئك بالمحبة؟! كان يكفي أن يسامحك، وأن يعفو عنك وأن لا يعذبك على هذا، فوق ذلك يحبك؟!

أيُّ إلهٍ هذا؟! أيُّ ملكٍ هذا؟! أيُّ عظيمٍ هذا؟! أيُّ ربٍّ هذا؟! جل جلاله وتعالى في عُلاه، فما عذرُ من أغفل؟! وما عذرُ من أهمل؟! وما عذرُ من والى الذنب واحدًا بعد الثاني ولم يُبالِ هيبةَ الربِّ المنزِّل للمثاني، جل جلاله وتعالى في عُلاه؟!

أثر الذنوب على القلب وحقيقة الرَّان:

ولقد جاءنا في الحديث عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما روى الإمام الترمذي في سننه وغيره، يقول: "إنَّ المؤمنَ إذا أذنب ذنبًا كانت نُكتةٌ سوداءُ في قلبِه، فإن تاب، ونزع، واستغفر صقل منها" نُظّف، رُفِعَت الظلمة عن باطنه بتوبته لله. 

كيف يعامل الحقُّ خلقه؟ كيف يعامل اللهُ الغنيُّ عباده؟ كيف يبسط هذه الرحمة للمؤمنين؟ وصدق وهو القائل: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) جل جلاله وتعالى في عُلاه. 

قال: "فإذا أتبعها بذنبٍ آخر -أي لم يتب ولم يُصقَل القلب- نكتت نكتةٌ أخرى أكبر، فإذا أتبعها ذنبًا آخر نُكتت نكتةٌ سوداء أكبر، حتى يسودَّ القلب كله، فذلك الرَّان: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) كسبُ الذنوب واحدةً بعد الثانية.

غِيبةٌ ونميمة وكذب، وإهمالٌ للأولاد والواجب تربيتهم، ويراهم يؤخِّرون الصلاة ولا يبالي، وينظرون المناظر المحرَّمة ولا يبالي، ويعقُّ أحدَ الوالدين، ويتابع ذلك يومًا بعد يوم ويدخل عليه عامٌ بعد عام. 

أيظنّ أن الله غافل؟ أيظنّ أن لا يُكتب عليه ما يقول؟ أيظن أن لا يقين فيما أوحى الله إلى مصطفاه! ﷻ: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) جل جلاله وتعالى في عُلاه. 

شروط التوبة الصادقة والتحذير من الإصرار:

   أيها المؤمنون بالله ﷻ ، هذه المعاملة الحميدة الجميلة الطيبة من الإله الحق، تقتضي أن لا يهلك المؤمن، ولذا قال ﷺ: "لن يَهلك على الله إلا هالك، ولن يَهلك إلا من شرد على الله شرادَ البعير النادِّ على أهله"، لعظمة رحمة الله، ولسعة جود الله ﷻ .

إنما يهلك المُصِرُّون، الذين يُصرُّون على الذنب وراء الذنب، والإصرارُ على الصغيرة يحوِّلها كبيرة، لا تستصغرْ ذنبًا، أتدري هو معصية من؟ الجليلِ الأعظم، الكبيرِ الأكبر ﷻ، فكيف تقول صغيرة؟! صغيرةٌ تخالف فيها من؟! تعصي فيها من؟! انظر إلى عظمة من تعصيه.

فإذا أصرَّ على الصغيرة تحوَّلت إلى كبيرة، ولا تُغفر الكبائر إلا بالتوبة الصادقة الخلصاء، وتبقى تبعاتُ الناس بعد ذلك.

جمع علماء الشرع المصون شروطَ التوبة وقالوا: 

● الندم، وجاء في الحديث: "الندم توبة"؛ لأن الندم إنما يصدر ممن عرف مغبَّة الذنب وسوء عاقبته والمؤاخذة به، وأن له ربًّا يؤاخذ بالذنب ويعفوعنه، فإذا ندم على ذلك أقلع.

● الإقلاع؛ البُعد عن الذنب، أما صورة التوبة والاستغفار مع الاستمرار في الذنب، فأشبه باستخفافٍ بالجبار الأعلى جل جلاله وتعالى في عُلاه، بلا إقلاع عن الذنب والابتعاد عنه.

● العزم الصادق أن لا يعود، ومن أُعطي هذا العزم الصادق كُتب توَّابًا ولو عاد، ولو عاد وتكرَّر منه العود لكنه في كل مرة يعلم الله صدق قلبه أن لا يعود في عزمه، وفي نيته، وفي إرادته، وفي كل ما يكون تحت اختياره. 

فإذا أوقعته الغفلة، أو النفس الأمَّارة، أو وسوسة إبليس في الذنب، عاد إلى الرب، قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ).

فضل يوم الجمعة والتوبة فيه:

   فيا أيها المؤمن، أنت الآن في ساعة جمعةٍ فُرِضَت عليك، وفُرض عليك الإتيان إليها تنال نصيبك من مغفرة الله ﷻ ، فإذا نظر الرحمن إلى قلبك وهو يمتلئ بالندم على ما كان منه، والعزم الصادق أن لا يعود إلى الذنوب صغيرها وكبيرها، فكيف تنصرف من الجمعة؟

ففوق ما وعد صاحبُ الرسالة ﷺ: "من تطهَّر يوم الجمعة، ومسَّ ما عنده من طِيب، وجاء إلى الجمعة ولم يفرِّق بين اثنين واستمع إلى الخطبة ولم يَلْغُ، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادةُ ثلاثة أيام"، جل  وتعالى في عُلاه.

فكيف إذا صحب ذلك صدقُك في التوبة إلى هذا التوَّاب الرحيم جل جلاله وتعالى في عُلاه؟ 

إنها منَّة الله علينا، يجب أن نعلمها، وأن نزجَّ بأنفسنا وأهلينا وأولادنا إلى طرق أبواب التوبة إلى الكريم التوَّاب ﷻ، الذي يقول سبحانه كما روى الإمام الترمذي: "يا ابنَ آدمَ، إِنَّكَ ما دَعَوْتَنِي ورَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لكَ على ما كان فيكَ ولا أُبالِي يا ابنَ آدمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لكَ ولا أُبالِي، يا ابنَ آدمَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرضِ خطَايا ثُمَّ لَقِيْتَني لاتُشْرِكْ بِيْ شَيْئًَا لأتيْتُكَ بِقِرَابِها مَغْفِرَةً "، جل جلاله وتعالى في عُلاه.

تبديل السيئات حسنات وعِظم منة الله:

وبعد ذلك، مِن عظيم ما يعامل به المولى التوَّابين، أن يأتي إلى ذنب أحدهم فيُحوِّله إلى حسنة، قال تعالى: (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا).

وهذا ما لا تصادفه عند غير هذا الإله، مهما أخطأت في حق أحد وسامحك وأحسن إليك، لا يستطيع أن يحوِّل خطيئتك إلى إحسان، إلا الرحمن، يأتي إلى نفس سيئتك فيحوِّلها إلى حسنة يثيبك عليها، ما أكرمه! ما أرحمه! ما أعظمه! فلا عذر لمن يُغفل التوبة.

اللهم حقِّقنا بحقائق التوبة، وارزقنا الاتباع لسيد التوَّابين في كل ساعة وفي كل يوم وفي كل ليلة، يا خير التوَّابين تُبْ علينا وعلى أهلينا وأولادنا وذرياتنا وذوينا وجيراننا وأصحابنا وقراباتنا توبةً نصوحًا، تُزكِّينا بها قلبًا وجسمًا وروحًا يا رب العالمين.

تلاوة آيات من القرآن الكريم:

والله يقول وقوله الحق المبين: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). 

وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

(رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

وقال ﷻ :

(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وثبَّتنا على الصراط المستقيم، وأجارنا من خزيه وعذابه الأليم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولوالدينا ولجميع المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

   الحمد لله الكريم التوَّاب، وأشهد أن لا إله إلا الله رب الأرباب، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا وقُرَّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله سيد الأحباب.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك وكرِّم على إمام أهل حضرة الاقتراب، حبيبك المصطفى محمد عالي الجناب، وعلى آله خيرِ آل وأصحابه خيرِ أصحاب، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم المآب، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات أولي الألباب، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

  أما بعد عبادَ الله؛ فإني أوصيكم وإيَّاي بتقوى الله، فاتقوا الله عبادَ الله، وتمسَّكوا بالعروة الوثقى، في تأمُّل أحوال قلوبكم في توبتكم إلى ربكم.

تعليم النبي ﷺ لنا بالتوبة

فإن الطاهر المعصوم محمدًا، القدوة لنا، ذكرنا أنه كما روى الإمام أحمد في مسنده وغيره "يتوب إلى الله في اليوم والليلة مائة مرة" مرة مرة!

اذكر لي أيَّ أيام عمرك تبتَ فيه مائة مرة؟ أيَّ أيام عمرك تذكر أنك تبتَ فيه في اليوم الواحد مائة مرة؟ مائة توبة صادقة إلى الجبار جل جلاله وتعالى في عُلاه.

هذا الطاهر الذي لم يعصِ الله طرفة عين، يتوب لِيُعلِّمَكم، أن التوبة لا تختص بأرباب الذنوب، بل ويستغفر الأنبياء ويستغفر الملائكة ويستغفر الصالحين، لعظمة جلال الله تعالى، ولما يوقنون أنه لن يقوم بحقه أحدٌ مهما اجتهد، وأنه إنما ينجون ويفوزون بواسطة عفوه ومسامحته، ومغفرته وإفضاله وجزيل نواله جل جلاله  وتعالى في عُلاه.

شروط تبرئة الذمة والدعاء للأمة:

حقِّق نفسك بحقيقة التوبة في مجمعك هذا؛ بالندم والإقلاع والعزم أن لا تعود، وإن تعلَّقت بحق آدمي فلا بد من تبرئة الذمة وإرجاع الحقوق لأهلها وطلب المسامحة منهم، أو تعلَّقت بترك فرائض ونحوها، فجمهور أهل العلم يقولون عليه القضاء، في ذلك فيقضي ما فاته من صيام أو صلاة أو غير ذلك، وسيجد الحقَّ توَّابًا رحيمًا.

وانظر وهو سبحانه وتعالى يقول: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا). 

ثم يقول: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا).

ونِعم التوَّاب الرحيم ﷻ، تجد ربك بتوبته ورحمته إياك يُصلح شأنك، ويتولى سرك وإعلانك، ويكون لك في دنياك وآخرتك. 

ألا إن الاستغفار سبب نزول الأمطار، ألا إن الاستغفار سبب قهر أعداء الله من الفجار، ألا إن الاستغفار سبب تحويل الأحوال إلى ما هو أحسن وأجمل

"طوبَى لِمَنْ وجدَ في صحيفتِهِ استغفارًا كثيرًا"، من لزم الاستغفار جعل الله له من كلّ هَمٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا.

وإنّ حُسن التوبة من المؤمنين في أنفسهم وأسرهم وما حواليهم في شؤونهم الخاصة، في شؤونهم الاجتماعية، وفي أعمالهم ومعاملاتهم؛ سبب دفع البلاء عن الأمة ونصرة الأمة، وقهر أعداء الملة وأعداء الدين، وأعداء الإنسانية وأعداء الخير وأعداء الهدى، ممن يحب نشر الفساد ويظلم ويبغي ويرتكب الجرائم، دفع الله شرهم عنا وعن أمة الحبيب أجمعين، إنه أكرم الأكرمين. 

فتوبوا إلى الله توبةً نصوحًا، واقتدوا بسيد التائبين ﷺ، وليطَّلع الحقُّ الرحمن من قلوبنا على صدقٍ في التوبة إليه والإنابة إليه ﷻ  وتعالى في عُلاه.

يا خير التوَّابين تُبْ علينا، وارحمنا وانظر إلينا، يا أكرم الأكرمين. 

الصلاة على النبي ودعاء الخطبة:

وأكثروا الصلاة والسلام على عبده المختار، سيدنا محمد؛ فإنها سبب رحمتكم والمغفرة لكم، وتوبة الله عليكم، فإنه "من صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشر صلوات"، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه، وإن "أولى الناس به يوم القيامة أكثرهم عليه صلاة".

وقد أمرنا الحقُّ بأمرٍ بعد أن ابتدأ بنفسه وثنَّى بالملائكة، وأيّه بالمؤمنون، فقال مخبرًا وآمرًا لهم تكريمًا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

اللهم صلِّ وسلِّم على الرحمة المُهداة والنعمة المُسداة، عبدك البشير النذير، السراج المنير سيدنا محمد. 

وعلى المختار من بعده وصاحبه في الغار، مؤنسه في حالي السعة والضيق، خليفةِ رسول الله سيدنا أبي بكر الصديق. 

وعلى الناطق بالصواب حليف المحراب، المنيبِ الأوَّاب سيدنا عمر بن الخطاب. 

وعلى مُحيي الليالي بتلاوة القرآن، ومنفقِ الأموال ابتغاء وجه المنَّان، من استحيَت منه ملائكة الرحمن، أمير المؤمنين ذي النورين عثمان بن عفان. 

وعلى أخ النبي المصطفى وابن عمه، ووليه وباب مدينة علمه، إمام أهل المشارق والمغارب، أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب.

وعلى الحسن والحسين سيدَي شباب أهل الجنة في الجنة، وريحانتَي نبيك بنصّ السنة، وعلى أمهما الحوراء فاطمة البتول الزهراء، وأخواتها بنات سيد المرسلين، وعلى خديجة الكبرى وعائشة الرضا، وأمهات المؤمنين، وعلى الحمزة والعباس وأهل بيت نبيكم الذين طهَّرتهم من الدنس والأرجاس، وعلى أهل بدر وأهل أحد وأهل بيعة الرضوان، وعلى سائر الصحب الأكرمين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم أعزَّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أذلَّ الشرك والمشركين، اللهم أعلِ كلمة المؤمنين، اللهم دمِّر أعداء الدين، اللهم اجمع شمل المسلمين، اللهم ألِّف ذات بين المؤمنين. 

اللهم لا تصرف أحدًا من جمعتنا هذه إلا وهو عندك من التوَّابين، إلا وهو عندك مقبول التوبة صادق الأوبة، مرفوع الرتبة، مكشوفةً عنه كل كربة، يا أكرم الأكرمين، واجعل ذلك مفتاحً الأبواب الفرج للمسلمين، والعزة للإسلام في كل مكان يا رب العالمين.

اللهم تدارك إخواننا في غزة ولبنان، وفي شامنا ويمننا وشرقنا وغربنا وبلاد الإسلام والأرض؛ كلها غياثًا عاجلًا من عندك تدفع به البلايا والزور وكل محذور، يا عزيز ياغفور. 

ما أوجبَته ذنوبنا من البلايا نستغفرك ونتوب إليك فسامِحنا واعفُ عنا ولا تؤاخذنا بمافعل السفهاء منا، وتولَّنا بما أنت أهله في الحسِّ والمعنى يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين.

حقِّقنا بحقائق الإنابة إليك والتوبة إليك والتذلل بين يديك، حتى تُعزَّنا بعزك الأفخر الذي أعززت به نبيك والمؤمنين، وقلت: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَايَعْلَمُونَ) أعزَّنا بالطاعة والتوبة والإنابة، ولا تُذلَّنا بالمعصية ولا بالذنب ولا بالغفلة ولا بالبعد ولا بالطرد عنك يا رب العالمين، يا أكرم الأكرمين، يا أرحم الراحمين.

احفظ الأردن وبلاد الشام والمسلمين من البلايا والآفات والعاهات، وخذ بأيدي ملك البلاد الملك عبد الله إلى ما تحبه وترضاه، وإلى ما هو أحبُّ إليك وأطيَب وأنفع للعباد والبلاد، وأعِنه ومن يقوم معه وادفع عنهم وعنا وعن المؤمنين جميع البلايا والشرور، وكل محذور وسطوة كل كفور. 

وتولَّنا بما تولَّيت به المحبوبين من عبادك أهل ودادك، وأدِمِ الأمن والطمأنينة وأنزل علينا السكينة، وادفع عنا شرَّ المجرمين والمعتدين والظالمين وعن جميع المؤمنين.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، (رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَاتَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).

نسألك لنا وللأمة من خير ما سألك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، وأنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 

(رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)، وصلى الله على المصطفى وآله وصحبه والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

19 مُحرَّم 1448

تاريخ النشر الميلادي

04 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة

الاوسمة