كلمة شهر ربيع الثاني 1443هـ

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيم

الحمدُ للهِ رَافِعِ درجاتِ مَن يشاء، وأشهدُ أن لَّا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، أَوْجَدَ وكَوَّنَ وأنشأ، ونشهدُ أنَّ سيَّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسوله، جعلَه الرحمنُ المَثَلَ الأعلى منذُ نَشأ، فكانَ القدوةَ في جميع خِصالِهِ وشُؤونه، في كُلِّ حالٍ وشأنٍ وقَولٍ وفِعلٍ ونِيَّةٍ وخَبَرٍ وإنشَاء.

 اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم عليه وعلى آلِه وأصحابِه، ومَن والاهم فيكَ وعلى نهجِهِم ودَربِهم مشَى، وعلى آبائه وإخوانِه مِن الأنبياءِ والمرسلين سُرُجِ دَربِ الحَق، وآلِهم وصَحبِهم ومَن بِاتِّباعِهم تَحَقَّق، وعلى الملائكةِ المقرَّبين وعبادِ اللهِ الصالحين أجمعين، وعلينا معهم وفيهم.. إنكَ أكرمُ الأكرمين وأرحمُ الراحمين.

أما بعد.. فإلى إخواننا وأحبابنا في الله: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..

وبعد توديعِنا لشهرِ ربيعٍ الأول ذكرى ميلادِ نبيِّنا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ وتذَكُّرِنا واجبَ السموِّ بالرَّابِطِةِ به والاتصالِ إلى معالي ورفيعِ درجاتِ الذَّوقِ والوَجدِ والوصُولِ والوِصَالِ؛ فنُوجِّهُ كلمةَ شهرِ ربيعٍ الثاني في واجبِ تحقيقِ التَّحَرُّرِ والسُّموِّ في الفكرِ والتَّصَوُّرِ والمَسَارِ، وذلكم أنَّ شرفَ المؤمن بعبوديَّتِهِ لإلهِه الواحدِ القهَّار، والتَّخَلُّصِ مِن كُلِّ رِقٍّ وعبوديَّةٍ لأيِّ شيءٍ سواه -كائنا ما كان-.

ولا تقومُ حقيقةُ العبوديةُ وتصحُّ إلا بإدراكِ حقائقَ في الوجودِ والمعاني بها الصدرُ ينشرح. وبذلك يتمُّ التَّحَرُّرُ مِن الرِّقِّ والعبوديَّةِ لِكُلِّ ما سِوى الحَقِّ تبارك وتعالى؛ إذ يتبيَّنُ وجهُ الحَقِّ في الفكرِ والتَّصَوُّرِ والمَسَارِ ويتَّضِح.

وفي هذا المضمارِ نَقِفُ عند تأمُّلِ تَحَرُّرِنا مِن استِرقاقٍ في الفكرِ والتصُّورِ.. وتَبِعَهُ المسار، حَصَلَ على الأُمَّةِ في الفترةِ الأخيرة مِن قِبَلِ بعضِ طوائفَ وعناصرَ مِن الكفارِ على ظهرِ الأرض، ادَّعَوا العلمَ بحقائقَ في الكونِ واستقلالَهم بها، وعَمِلوا أعمالاً كثيرةً بوسائلَ كثيرةٍ متعدِّدةٍ متنوِّعةٍ للإيحاءِ للناسِ أنَّ العلمَ عندَهم، وأنَّ الفكرَ الصحيحَ فكرُهم وما يضعونَه، وأنَّ التصوُّرَ الصحيحَ تصوُّرُهم وما يتوَّهمُونَه.. وبذلك صار وحَدَثَ شَلَلٌ كبيرٌ في فكرِ المسلمين وتصوُّراتِهم، وفي مَسارِهم مِن خُلُقٍ وعمَلٍ وقولٍ ومعاملة.

وهيَّأ اللهُ الأسبابَ بعد هذه الفَترةِ المظلمةِ المُلَبَّسُ الأمر فيها والمُستحوَذُ فيها على التَّخيُّلاتِ والتصوُّرَاتِ والأفكارِ مِن قِبَلِ الأدعِياء؛ فصار يتجلَّى ويتبيَّنُ لِذَوِي الحُرِّيَّةِ والإنصافِ أنَّ المُدَّعَياتِ والمنشوراتِ والشعاراتِ والعناوين أنَّ ما يدفَعُ إليها ويُقصَدُ منها تحقيقُ أغراضٍ ومطامعَ ومطامِحَ فيما اصطُلِحَ عليه باسمِ السياسةِ والمصالحِ المادِّيَّةِ وشؤونِ العُلوِّ في الأرضِ والفساد..

فكان مِن واجبِ ترقِّينا في صلتِنا بالجنابِ النبوي أن نخطوَ الخطواتِ اللائقةِ والرَّائعةِ الرَّائقةِ في إكمالِ التخلُّصِ لأنفسِنا وأُسَرِنا وأصحابِنا مِن آثارِ التَّبَعِيَّاتِ على غيرِ بيِّنَةٍ، وأخذِ ما يُطرَحُ مِن فكرٍ وتصوُّر، وما يتعلَّقُ بالسلوك والسَّيرِ والمعاملة؛ لنكونَ في سُمُوٍّ عن أن نُستَتْبَعَ على غيرِ بصيرة، أو أن تُلَبَّسَ علينا الأمورُ وتَخفَى الحقائق، وأن نُحسِنَ النَّظَرَ والإنصافَ بلا تَعَصُّبٍ ولا اعتِسافٍ، ونُقيِمَ الوزنَ بالقِسطِ ولا نُخسِرُ الميزان، ونتشرَّفَ بالتَّبعيَّةِ المطلَقة بأمرِ الخالق لعبدِه سيِّدِ الأكوان، والعبوديةِ الخالصةِ الكاملةِ التامَّةِ لإلهِنا الرحمن وحدَه -جَلَّ جلاله-؛ آخذينَ شأنَ التسليمِ التَّامِّ والانقيادِ الكاملِ إلى مَحَلِّهِ الأصيل وموضعِه الصحيح، وهو أن يكونَ للإلهِ الحقِّ، والنصوصِ الصريحةِ في كتابِه، وبلاغِ رسولِه صلى الله عليه وسلم في سُنَّتِهِ الغرَّاء. ونَعتَصِمَ في الفَهمِ بمفاهيمِ وأسسِ الرَّعيلِ الأول ومَن تبعَهم مِن الصحابةِ وآلِ البيتِ الطاهرِ والتابعين لهم بإحسانٍ، وما عدا ذلك فلا نرضَى فيه أن نَستَخدِمَ ما يحتاجُه الإنسانُ من استسلامٍ وانقيادٍ. وهو واقعٌ لكُلِّ مُدَّعٍ للتحرُّرِ والاستقلال. إنما يَستَقِلُّون عن هُدىً أو عن وضعِ الاستسلامِ والانقيادِ في مَحَلِّهِ ليكونوا مُستَسلِمِينَ ومنقادِينَ لأهواء أو لذوي أهواء. أيّ: إمَّا لأهوائهم وشهواتِ نفوسِهم مباشرةً أو لأهواءِ غيرِهم وشهواتِ غيرِهم.. كما هو الحالُ عند التأمُّل.

فوجبَ إذن: أن نخطوَ خطوتَنا بتبعيَّتِنا الشريفةِ المُشَرِّفَة لنا والتي بها نَعتَزُّ لحبيبِ الرحمن صلى الله عليه وسلم؛ لنُخَلِّصَ جميعَ شؤونِ أفكارِنا وتصوُّراتِنا في ذواتِنا وأهلينا وأولادِنا وأصدقائنا وأصحابنا مِن التبعيَّةِ الخاطئة، ولنَغُصْ على حُسنِ التأمُّلِ والتَّدَبُّرِ، وأخذِ فَهمِ الحقائقِ على الأسسِ التي خُوطِبنَا بها مِن قِبَلِ الإلهِ ومَن أرسلَه إلينا.

فلنتأمَّلْ ولنبدأ الترجمةَ لذلك بـــإقامةِ الفكرِ على أساسِ العبوديَّةِ طَوْعاً لألوهيَّةِ الحَقِّ؛ وتحيَا بذلك فينا السُّنَنُ النَّبَويَّة والآثَارُ المرضيَّة، فتكونُ لنا العاداتُ السَّنِيَّة والاعتيادُ لِما هو في ميزانِ الحقِّ ورسوله رَاجِحٌ ورَابِحٌ.

شرَحَ اللهُ لنا الصدور، وأعانَنا على القيام بحَقِّ تحقيقِ العبوديةِ في البُطُونِ والظُّهورِ، على ما هو أرضَى له تعالى وأحظَى لنا بالمنزلةِ عندَه، ونَيلِ حقائقِ السعادةِ في الدَّارينِ.. إنه أكرمُ الأكرمين، بوجاهةِ حبيبِه الأمين.

 وصلى اللهُ على المصطفى محمدٍ وآلِه وصحبِه وسلَّم. والحمد لله رَبِّ العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..