اقرأ: خطبة بعنوان: إقامة المؤمن لميزان الاغتنام والانتظام والائتمام في استقبال ليلة النصف من شعبان ورمضان وعموم الليالي والأيام

خطبة جمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع الإيمان، بعيديد، مدينة تريم، 13 شعبان 1442هـ بعنوان:

إقامة المؤمن لميزان الاغتنام والانتظام والائتمام في استقبال ليلة النصف من شعبان ورمضان وعموم الليالي والأيام

الخطبة الأولى:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الحمد لله، مُحيِيِ القلوب بالتَّذكُّر والتَّبصُّر والذِّكر والتَّبتُّل، وأشهدُ أن لَّا إلهَ إلا الله وحدهَ لا شريكَ له، جعل بِطاعتِهِ الإدراكَ لِرِضاه والتوصُّل، وأشهد أنَّ سيِّدنا ونبيَّنا وقُرَّةَ أعيُنِنا ونورَ قلوبِنا محمداً عبدُهُ ورسولُه أكرمُ نبيٍّ وأفضل مُرسَل، اللهم صلِّ وسلِّم على مَن ختمتَ به النبيِّين عبدِك مُحمَّد المُجتبى الأفضل، وعلى آلهِ الطَّاهرين وأصحابهِ الغُرِّ المَيامين ومَن تَبِعهم بإحسانٍ على الصِّدقِ وبِمِنهاجهم إليك توجَّهَ وعليكَ أقبل، وعلى آبائهِ وإخوانهِ مِن الأنبياء والمرسلين مَن رَفَعتَهُم إلى أعلى رُتبةٍ وأسنى مَحَل، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم والملائكةِ المُقرَّبين وجميعِ عبادِكَ الصَّالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

أما بعدُ.. عبادَ الله: فإني أوصيكم وإيّايَ بِتقوى الله،  تقوى الله التي لا يَقبلُ غيرها ولا يرحمُ إلا أهلها ولا يُثيبُ إلا عليها، واعلموا أنَّ من اتَّقى الله عاشَ قويّاً وسارَ في بلاد الله آمناً.

ومَن ضيَّعَ التَّقوى وأهملَ أمرها **  تغشَّتهُ في العُقبى فنونُ النَّدامةِ

أيها المؤمنون بالله: إنَّ ميدان التَّقوى وظرفَه أعمارُكم وأوقاتُكم التي تمرُّ بكم، مِن ساعاتٍ وأيامٍ وأسابيعَ وشهورٍ وسنين، معدود كلٌّ منها ومحدود، لينتهي به الأجلُ المعدود إلى الخروجِ إلى البرازخِ في أجلِها إلى اليومِ الموعود، في ما يجري فيه ويكون مِن قضاءِ الحاكمِ الذي لا مُعقِّبَ لحُكمِه إلى الخلود، إما في الجنات، جعلَنا الله مِن أهلِها، وإمّا في النيرانِ الموقَدَة أجارَنا الله وأهلينا وأحبابَنا منها.

أيّها المؤمنون: في خلال تِلكمُ اللَّيالي والأيَّام والأسابيعِ والأشهرِ والسَّنوات والسَّاعات تقومُ القائمةُ لأهلِ التَّقوى باغتنامٍ وانتظامٍ وائتمام، اغتنامٌ للعمرِ واللَّيالي والأيامِ وما فَضَلَ مِن السَّاعاتِ في اليوم ِوالليلة كساعةِ قبلَ غروب الشمس وما قبلَ طُلوعها، وساعةَ الأسحار وساعاتِ إقامةِ الصَّلوات وخلفَها ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ) ، ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ) ، ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ ) ،

( إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ) 

( فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ).

أيُّها المؤمنون: وفي خلال اﻷسابيع جعل اللهُ الجمعة، ثم جعل الإثنينَ والخميس يومَي عرضٍ للأعمالِ عليه جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

أيُّها المؤمنون: وفي الأشهرِ جعل الأيَّامَ البيضَ مِن كُلِّ شهرٍ، وفضَّلَ الأربعةَ الحُرُم، وخَصَّ في السِّيادة بين الشُّهور شهرَ رمضان الذي أُنزِلَ فيهِ القُرآن، وجعل فضلاً في أول ليلةٍ مِن رجب، ثم فضلاً في ليلة النِّصف مِن شعبان، ثم فضلاً لليلة القدرِ مِن بين ليالي رمضان، وفيها ليلةٌ لا يُحرَمُ خيرَها إلا محروم، هي خيرٌ من ألفِ شهر.

أيَّها المؤمنون بالله: وضمنَ تلك الأوقاتِ تقومُ حقائقُ التُّقى والفوارق بين تقيِّ وأتقى، في تعرُّضٍ لنفحاتِ مَن خلق وأسعدَ وأشقَى وأماتَ وأحيا وقدَّمَ وأخَّر ورفعَ وخفضَ وهدَى وأضل، وبيدِه الأمرُ كلُّه وإليه يرجعُ الأمرُ كلُّه، فارتقِب أيُّها المؤمنُ نصيبَك مِن الصدقِ مع ربِّك في خلالِ الليالي والأيام وصدقِ إقبالِك على عالمِ سرِّكَ ونجواك إلهِك المَلكِ العلَّام.

أيُّها المؤمنُ بالله: إنَّما فازَ مَن فازَ بِاغتنامِ العملِ الصَّالح والدؤوبِ عليه والمُواصلة له، تحت إرشاداتِ الرَّبِّ لحبيبِهِ الأقرب ( فَإِذَا فَرَغْت فَانْصَبْ وَإِلَى رَبّك فَارْغَبْ )، وكان عملُه دِيمَةً لا يُرى إلا رائحاً أو غادياً، يذكرُ اللهَ على كُلِّ أحيانهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم.

وإنَّ مِمّا يتعلَّقُ بِما أنتم فيه مِن هذا الشَّهر والليالي فيه واستقبال رمضان أنَّه كان لِمكانِ رمضان يَستَعِدُّ بِكثرةِ العِبادة والطَّاعة في شعبان، ويقول إنه شهرٌ يغفلُ عنه الناسُ بين رجبَ مُضر ورمضان، بين الشهرين الَّذَين عُرِفَ فضلُهُما، فشهرٌ يغفلُ عنه الناس وهو شعبان، فتفطَّنَ الأكياسُ مِن أمَّتهِ فلم يغفلوا عن شعبان ولا في شعبان، وأقاموا فيه أنواعاً مِن الخيرات والمَبرَّات والقُرُبات وانتبهوا مِن ليلة النصفِ منه التي تعدَّدَت فيها الرِّوايات في حديث خيرِ البَرِيَّات عن فضلِ قيامِها وصيامِ يومِها وعن التَّبتُّل إلى الحقِّ تبارك وتعالى فيها، حتى كان يُفرِّغُ نفسَه للعبادةِ فيها عليُّ بن أبي طالب في أربع ليال، ومِن أين يأخذُ الانتاجُ والمَشيَ في المِنوال إلا مِن خاتمِ الإنباءِ والإرسال صلى الله عليه وسلم، أوَّلُ ليلةٍ مِن رجب، وليلة النصف من شعبان، وليلة الفطر وليلة الأضحى، يُفرِّغُ نفسَه للعبادة اغتناماً لتلك الليالي وما فيها مِن جودِ اللهِ الغالي وفضلِهِ المتوالي، يُفَرِّغُ نفسَهُ للعبادة مُقتدِياً بسيِّدِ السَّادة وقائد القادة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، الذي أكثرَ الصَّومَ في شعبان، وقال إنّهُ شهرٌ تُعرَض فيه الأعمالُ على الله، وقال إنّهُ شهرٌ تُنسَخ فيه الآجال، فَفي ليلة النصفِ مِن شعبان يُسلَّمُ مَلَك المَوت مَن يُؤمَر بِقَبضِ أرواحِهم في خلالِ ذلك العام إلى العام المُقبِل مِن شعبان في العام الذي يليه، فَتُنسَخُ الآجال، وقال ( فأُحِب أن يُنسَخ أجلي وأحِب أن يُعرَض عملي وأنا صائم ) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فهي ليالي مباركة يجب التزوُّدُ فيها ومِنها لِلقُرب مِنَ الحَقِّ الذي خلق، واستعداداً للقائه والوقوف بين يديه جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، فاغنَم زمانَك أيَّها المؤمن واعلم أنَّهُ يُحرَم الخيرَ ليلةَ النِّصف مِن شعبان قاطعُ الرحم، فاحذر أن تكون قاطعاً لأحدٍ مِن الأرحام في البلدة أو خارجِها وتدارَك نفسَك وتواصَل معهم فإنَّ الدنيا مِن طَرفِها إلى طرفِها لا تُساوي قطيعةَ ساعة، فكيف بقطيعةِ يومٍ وليلة فكيف بقطيعة أيام، كيف والقاطِع مُعرَّضٌ لِلَعنةِ ربِّ العرش ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ ) ، فَواصِل رَحِمَك ولا تَرضَ أن يكونَ في بيتِك قاطِعُ رَحِمٍ مِن زَوجة ولا ابنٍ ولا بنتٍ ولا أختٍ ولا غيرهم، فَليكُن بيتُك بيتَ الصِّلَة ليس فيه مَن يُحرَم مغفرةَ الله في تلك الليلة التي ستُقبِل عليك.

أيها المؤمن بالله: ويُحرَمُ المغفرةَ ليلةَ النصف مِن شعبان عاقٌّ لأبٍ أو لأمٍّ بعدَ وصيَّةِ ربِّ العالمين: ( فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيراً ) ، ( وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ ) وصيَّة مِن مَن؟ وحكمٌ وقضاء : ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) فلا تَكن عاقًّا لوالدٍ ولا والدة ولا يكن في بيتِك عاقّ واخشَ الخلَّاق جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

كما أنَّ الذين يتعاملون مع المُسْكِرات والمُخدِّرات يُحرَمون المغفرةَ، فَويلٌ لهم، وويلٌ لمَن أهملَهم مِن آبائِهم وأولياءِ أمورِهم حتى جالسوا وصاحبوا أهلَ المُخدِّرات والمُسكِرات فصاروا يتناولونها والأبُ غافل والأمُّ في منأى عن أن تُحِسَّ أو أن تشعر، ويلٌ لهم ولِمَن أهملَهم مِن الآباءِ والأمهاتِ ثم وَيلٌ لهم ثُمّ ويلٌ لهم، ولا مغفرةَ لهم في ليلةِ النِّصفِ مِن شعبان ولا في ليالي رمضان والعياذ بالله حتى يتوبوا ويُقلِعوا عن تَناوُلِ هذه المُفسِدات المُضِرَّات التي تتبنَّى فِئاتٌ مِن الضَّالِّين الذين أُولِعُوا بِفتنةِ النّاس وإفساد الخلق، أُولِعوا بِنَشرِها وخصوصاً في ديارِ المسلمين وبلادِهم وخصوصاً في المواطن المُحافظة وفي الأسَر الطيِّبة الصَّالحة، لِيقتنصوا عبرَها مِن أولادِهم مَن ينفتِحُ به بابُ الفساد في الأسرةِ كُلِّها والعِياذ بالله تبارك وتعالى. فَليكُنِ المؤمنُ على بصيرةٍ وعلى حذر.

كما يُحرَم المَغفرةَ المُقلِّدُ لأصحابِ العاداتِ السَّيِّئة والألبسَة المُخالفة للشَّريعة، كَمَن يُسِبلُ ثوبَهُ خُيَلاء، ويُنزلُ تحتَ الكعبِ قميصَهُ أو إزارَهُ أو سراويلَهُ أو كلَّ ما يَلبس مُفتخراً مُتَطاولاً مُعتزّاً بثوبٍ، ولا عِزَّةَ في الثِّياب، إنّما العِزَّةُ في الآدابِ والتقوى واتِّباع سيِّدِ الأحباب صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فَمَن أسبلَ ثوبَهُ خُيلاء لَم يُغفرْ له.

كما لا يُغفرُ للعشَّار آخذِ أموالِ الناسِ بغيرِ حق، كما لا يُغفَر للمُشاحِن، وجاء في عدد من الروايات "  إنَّ اللهَ يتجلَّى على عبادهِ فَيغفِر لِكُلِّ مؤمن لا يُشرِك باللهِ شيئاً، يغفر لِعبادهِ إلا لِمُشركٍ أو مُشاحِن"، رَبطَ المُشاحِنَ بالمُشرِك في عددٍ من الروايات، فصارتِ الجريمةُ عند غيرِ المشركين مِن المُوحِّدين المُشاحَنة في قلوبِهم، مُشاحَنة قلوبِهِم لِبعضِهم البعض بدلَ أخوَّة الإيمان، فما أشدَّ ذلك وما أفظعَ ذلك، فَاسلُك أشرفَ المسالِك، واغتنِم وانتظِم في سِلكِ الطّائعين والتوَّابين والمُتطهِّرين مُقتَدِياً بحبيبِ الله الأمين صلى الله عليه وسلم الذي مَن اقتدى به أحبَّهُ الرَّحمن فغفرَ له وأعطاهُ ما لا يتخيَّل هو ولا سِواه مِن جزيلِ عطاياه.

( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )

  والله يقولُ وقوله الحقّ المبين: ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )

 وقال تبارك وتعالى: ( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم )

 أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم : ( تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا * وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا ۚ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا )

 باركَ الله لي ولكم في القُرآنِ العظيم، ونفعَنا بما فيه مِنَ الآياتِ والذكرِ الحكيم، وثبَّتَنا على الصراطِ المستقيم، وأجارَنا من خِزيهِ وعذابِه الأليم.

أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولوالدينا ولجميعِ المسلمين فاستَغفِروه، إنَّه هو الغفورُ الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمدُ للهِ الغفورِ الرَّحيم، وأشهدُ أن لَّا إله إلَّا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له العزيزُ الحكيم، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُه هادينا إلى الصِّراطِ المُستقيم، اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم على عبدِكَ المُصطفى سيِّدِنا محمد وعلى آلِه وصحبهِ ومَن سارَ في دربهِ وآبائهِ وإخوانهِ مِن أنبيائك ورُسلِك وآلهم وأصحابهِم وتابعيهِم وملائكتِكَ المُقرَّبينَ وعِبادك الصَّالحين أجمعين، وعلينا معهم وفيهم بِرحمتكَ يا أرحمَ الرَّاحمين.

أمَّا بعدُ عِبادَ الله: فإنّي أوصيكُم ونفسِيَ بِتقوى الله، اتَّقوا اللهَ في لَياليكم وأيَّامِكم بالاغتِنامِ والانتِظامِ والائتِمام، الاغتنامُ للوقتِ والسَّاعات بِصَرفِها في أنواعِ القُربات والخَيرات، لا تنسَ نفسَك ليلةَ النِّصف مِن شعبان ولا في أيام الشَّهر المُباركِ مِن حُسنِ استقبالِ رمضان، وإعدادِ العُدَّةِ لأجلِ العِبادةِ والتَفرُّغ لها في الشَّهر الكريم المُبارك، وتوجَّه إلى ربِّك مُنتَظماً في سِلكِ أهلِ الطاعة، مُؤتَمّاً مُقتدِياً برسولِ الله محمد.

ولقد فقدتْهُ السَّيِّدةُ عائشةُ ليلةَ النِّصفِ وكانت ليلتَها وخرجت فوجدتهُ صلى الله عليه وسلم عندَ القبورِ يزور، ويُطيلُ المُقامَ بينَ القبور يدعو العزيزَ الغفور، فعادَت إلى البيتِ وسألَها صلى الله عليه وسلم عَن مَخرِجها وأخبرَتهُ، فقال: أخِفتِ أن يحيفَ اللهُ عليكِ ورسولُه؟ أو أن يخيس بكِ رسولُه؟ ولكنَّه أتاني جبريلُ فأخبرني أنَّ الليلةَ ليلة النِّصف مِن شعبان وأمرَني أن آتيَ المقابر، فكانت مِن الأعمال التي تَتَّصِلُ بليلةِ النصف مِن شعبان زيارة المقابر، تَذكُّراً وذِكراً ودعاءً وتضرُّعاً وابتهالاً إلى الرحمن جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

فاقتَدِ بالمصطفى محمدٍ واهتدِ بهديِهِ، وتضرَّع إلى الرَّحمن لِيكشفَ الغُمَّة عنِ الأمَّة؛ ففي ذلك دَواؤها ونجاتُها مِن المصائب والنَّوائب والفيروسات والأمراض والشَّدائد، ومِن الخَسفِ والمَسخِ ومِن الرِّيح ومِن الفيضانات ومِن الزَّلزال، نجاتُها في التضرُّع والابتهال، نجاتُها في الطَّاعات، نجاتُها في اتِّباع خيرِ البريات، سلامتُها مِن هذه الآفات بالعملِ بالسُّنةِ والتَّوبة عن الذنبِ والبِدعة وعنِ الأذى للمؤمنين وسوءِ الظن بعباد الله، وبِصِلَة الرَّحِم وبِرِّ الوالدينِ والإحسانِ إلى الجيران، وطهارةِ القلب عن المؤمنين، بهذا تُستَكفَى وتُستَدفعُ الشُّرور في البطونِ والظُّهور، في الدُّنيا والبرزخ ويومَ النشور ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) ، ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُم ) ، ( وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ )، قال تعالى: ( لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) وأُخِّر العذابُ بوجودِ هذا الصِّنف وهذا النَّوع مِن الصَّادقين المُخلِصين ( رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ ).

حقِّقنا يا ربِّ بحقائقِ الإيمان، وبارك لنا في ليلةِ النِّصفِ مِن شعبان، وفيما بقيَ لنا مِن لياليه وأيامِه، وبَلِّغنا رمضانَ وبارِك لنا في رمضان، وَوَفِّر حَظَّنا مِن نَظرتِكَ أوَّل ليلةٍ مِن رمضان إلى أمَّةِ حبيبِك محمد، ومَن نظرتَ إليه لم تُعذِّبْه أبداً؛ فاجعلنا مِن المنظورين بعَينِ رحمتِك ورأفتكَ ومحبَّتكَ يا حيُّ يا قيُّوم يا أكرمَ الأكرمين، واصرِفنا من الجُمعةِ بقلوبٍ أقبلَت عليكَ وتذلَّلت بين يديك، وعَرفتَ اغتنامَ الَّليالي والأيَّام في انتظامٍ واتِّباعٍ واقتداءٍ وائتمامٍ بخيرِ الأنام، ونِعمَ القُدوةُ حبيبك الذي نشرتَ له الأعلام، في الدنيا ويومَ القِيام، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

فأكثروا الصلاةَ والسلامَ عليه، وإنَّ الأمرَ بالصَّلاة عليه بعد أن بدأَ اللهُ بنفسِه وملائكتِه ووجَّه المؤمنين كان نزول تلكَ الآية، آية الأمر بالصلاة عليهِ في شعبان، نزل قولُهُ تباركَ وتعالى مُعَظِّماً لشأنِ نبيه محمد تعظيماً، مبتدئاً بنفسهِ ومُثنياً بالملائكة ومؤيهاً بالمؤمنين تكريماً: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

اللهم صلِّ وسلِّم على المُختارِ المصطفى سيدِنا محمدٍ نورِ الأنوار وسرِّ الأسرار، وعلى الخليفةِ مِن بعدهِ وصاحبهِ وأنيسهِ في الغار، مؤازرِ رسولِكَ في حالَيِ السَّعةِ والضِّيق، الرحيمِ الشَّفيق، خليفةِ رسول الله سيدِنا أبي بكر الصديق، وعلى الناطِقِ بالصواب، حليفِ المحراب، القانتِ الأوَّاب، الآمرِ بالعدلِ والصَّواب، أميرِ المؤمنين سيدِنا عمر بن الخطاب، وعلى مُحيِي الليالي بتلاوة القرآن، مَن استحيَت منهُ ملائكةُ الرَّحمن، مُنفق الأموالِ رجاءَ الرِّضوان، أمير المؤمنين سيدنا عُثمان بن عفَّان، وعلى أخِ النَّبيِّ المصطفى وابنِ عمِّه، ووليِّهِ وبابِ مدينةِ علمِهِ، إمام أهل المشارقِ والمغارب، أمير ِالمؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب، وعلى الحَسَنِ والحُسين سيّدَي شباب أهل الجنَّة في الجنة، وريحانتَي نبيِّك بِنَصِّ السُّنة، وعلى أمِّهما الحَوراءِ فاطمة البتول الزّهراء، وعلى بناتِ المُصطفى وأزواجهِ أمَّهات المؤمنين، خديجة الكبرى وعائشة الرضا وبقيَّةِ أمهاتِ المؤمنين، وعلى الحمزةَ والعبَّاس عمَّي نبيِّك وعلى أهل بيتِه المُطهَّرين مِن الدَّنسِ والأرجاس، وعلى أهل بيعةِ العقبةِ وأهل بدرٍ وأهلِ أُحدٍ وأهلِ بيعةِ الرِّضوان، وسائرِ الصَّحبِ الأكرمين ومَن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِكَ يا أرحمَ الراحمين.

اللهم انظُر إلى المُسلمين وأصلِح شأنَهم، وادفعِ البلايا عنهم وارفعِ البلاءَ مِن بينهم، اللهم حَوِّل أحوالَهم إلى أحسنِ الأحوال، وبارِك لهم في شعبان أيّامِهِ واللّيال واجعلهُ مِن أبركِ الشُّهور علينا وعليهم، واجعل قدومَ رمضانَ قدومَ فضلٍ ورضوانٍ وإحسان وفرجٍ للأمّة أجمعين.

 اللهم اصرِفنا مِن جمعتِنا مَغفوراً لنا منظوراً بعينِ الرَّحمةِ إلينا، وأقبِل بوجهِكَ الكريمِ علينا، واغفِر لآبائنا وأمَّهاتِنا ومشائخنا وذَوي الحقوقِ علينا، واغفر للمؤمنين والمؤمناتِ والمسلمين والمسلمات، أحياهم وموتاهم ومَن يأتِي إلى يومِ الميقات، يا واسعَ المغفرات، يا غافرَ الذنوبِ والخطيئات، تُب علينا بأصدقِ التَّوبات، واجعلنا مِن أهل الإنابةِ والإخبات، وثَبِّتنا على الحقِّ والهُدى أكملَ الثّبات، وأحسِن لنا الخاتمةَ عند الممات، وارحم موتانا وأحيانا بأوسعِ الرَّحمات يا أرحمَ الرحمين.

عبادَ الله: إنَّ اللهَ أمرَ بثلاث، ونهى عن ثلاث:

( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )

فاذكروا اللهَ العظيمَ يذكُرْكُم، واشكروه على نعمِه يَزِدْكُم، ولذِكرُ الله أكبر.

للاستماع إلى الخطبة

لمشاهدة الخطبة