خطبة مكتوبة بعنوان: نظام الخالق في ترتيب علائق الخلائق

نظام الخالق في ترتيب علائق الخلائق

خطبة جمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع الروضة بعيديد، تريم، 29 صفر الخير 1442هـ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الحمدُ للهِ القويِّ العزيزِ القادرِ الفاطرِ الخالق، وأشهدُ أن لَّا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، أقامَ وبَيَّنَ ورتَّب ما يجبُ أن تكونَ عليه العلائقُ بينَ جميعِ الخلائق، بينَهم البَين، وبينَهم وبينَ مولاهم الذي خلقَهم مِن لا شيء.

وأشهد أنَّ سيَّدَنا ونبيَّنا وقرةَ أعيُننا ونورَ قلوبِنا محمداً عبدُه ورسولُه، ونبيُّه وصفيُّه وحبيبُه وخليلُه، أكرمُ الخلائقِ على الإله، وأعظمُهم منزلةً وأوسعُهم لديهِ جاه.

اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرِّم على عبدِك المجتبى المختار سيدِنا محمدٍ وعلى آلِه وأصحابه ومَن والاه فيك واتَّبعَ سبيلَه، وعلى آبائه واخوانه مِن أنبيائك ورُسلِك وآلِهم وصحبِهم وأتباعِهم، وعلى ملائكتِك المقرَّبين وعلى جميعِ عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِك يا أرحم الراحمين.

 أما بعد، عبادَ الله: فإني أوصيكم وإيَّايَ بتقوى الله..

تقوى الله التي لا يقبلُ غيرَها، ولا يرحمُ إلا أهلَها، ولا يُثيبُ إلا عليها..

(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)، فاتَّقوه فيما شرعَ لكم مِن العلائق؛ بينَكم وبينَه وبينَكم وبين بقيَّةِ الخلائق، واستَمسكوا بالعُروةِ الوثقى فيما بيَّن لكم وشرَع، وفيما أوضحَ لكم المصطفى المختارُ أكرمُ مُتَّبَع، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ عليه وعلى آلهِ وأصحابِه وأهلِ اتِّباعِه.

 وإن مِن العبوديةِ لله، وإنَّ مِن تقوى الإلهِ أن تُقَوَّم هذه العلائقُ كما شرعَ وأحبَّ جلَّ جلاله وتعالى في علاه، فعلائقُ جميعِ الخلائقِ بالإلهِ الخالقِ أنهم عبيدٌ مخلوقون مصنوعون، لم يكونوا شيئاً فسوَّاهم وخلقَهم في الوقتِ الذي أرادَه على الكيفيَّةِ التي أرادها، لا اختيارَ لأحدٍ منهم إنساً ولا جنّاً ولا ملائكةً ولا حيوانات ولا نباتات ولا جمادات ولا سِواها.

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور)، (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)، (إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّآ ءَاتِى ٱلرَّحْمَٰنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا).

 

أيها المؤمنون: هكذا يجبُ أن يكونَ حالُ الكَونِ مع مُكوِّنه، وإنَّ الكونَ وما فيه مِن أصنافِ المخلوقاتِ كُلُّها على الخضوعِ للإلهِ الحقِّ والتَّقديسِ له والتَّسبيح، الا مَن شَذَّ مِن مُختاري الإنسِ والجن، مِن عُصاتِهم وكفَّارهِم وفَسَقَتِهم، وما سواهم فهو للهِ ساجد، مُسبِّحٌ بحمدِه جلَّ الإلهُ الواحد.

يقول جلَّ جلاله: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنّ)، ويقول جلَّ جلاله: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)

فوجبَ على المكلَّفِ من الإنسِ والجنِّ أن يحذرَ الشذوذَ والإنحرافَ في علاقتِه بالخالقِ الذي خلقَه مِن العدَم وتأبِّيه وتكبُّرِه ومعاندتِه أن يخضعَ وأن يخشَع، وأن يعترفَ بالعبودية طَوعاً ويسجدَ للرحمنِ طوعاً، ويمتثلَ أمرَه ويجتنبَ زجرَه، فذلك هو الواجبُ المحتَّمُ على كلِّ إنسيٍّ وجنيٍّ مِن كلِّ سَميعٍ بصيرٍ عاقل.

أيها المؤمنون بالله: كلُّ مَن شذَّ مِن الإنسِ والجنِّ عن هذه العلاقةِ وإقامتِها بالله عِناداً واستكباراً ووَهماً وخيالاً، فلا يقدِّمُ ولا يؤخِّرُ شيئاً في الحقيقة، في حقيقةِ أنه عبدٌ لهذا الإلهِ وإن أنكَر وإنِ استكبَر، وإن عاندَ وإن كابَر، فإنَّ مرجعَه الى الواحدِ الأحد، وهو الذي قدَّر خلقَه وإيجادَه، وفصَّلَ جميعَ ما يتعلَّقُ بتَكوينِ روحِه وجسدِه، ووقتِه الذي أوجدَه فيه، وأمَّه وأباه اللذان اختارَهما له جل جلاله وتعالى في علاه، والمكانَ الذي اختارَ أن يخلقَه فيه سبحانَه وتعالى. وهو بعدَ ذلك محكومٌ بحُكمِ هذا الإلهِ تحت سَمائه وفوقَ أرضِه، محتاجٌ مضطرٌّ الى الهواءِ الذي خلقَه وكوَّنه وإلى تنفُّسه واستِنشاقِه، محتاجٌ إلى الطعامِ الذي خلقَه، والشراب الذي خلقَه جل جلاله وتعالى في علاه، ينشأ على الأطوارِ التي قدَّرها الحقُّ لا قدَّرها هو، فَلَم يتحوَّلْ باختيارِه ولا باختيارِ أبيه وأمِّه؛ من نُطفةٍ الى عَلَقةٍ ومِن عَلَقةٍ إلى مُضغة، ومن مُضغَة الى عِظام، وإلى كَسوِ العظامِ لحماً ثم إنشاءِ الخَلق الآخَر بِنَفخِ الروح، ولا الوقت الذي برز فيه إلى هذا العالم، ثم بعد ذلك مُرورُه بمرحلةِ الطفولة ثم مرحلة التمييز ثم مرحلة البلوغ، شؤونٌ مقضيَّةٌ عليه فهو مقهورٌ لها، عبدٌ لواضعِها وإن تكبَّر، وإن عاندَ وإن أبَى، ثم يصرفُ ما آتاه الحقُّ تعالى مِن اختيارٍ وإرادةٍ في شذوذٍ وانحرافٍ عن واجبِه مُستكبراً ومُعانِداً، فجزاؤه إن ماتَ على ذلك وقد بلغَتهُ الرسالةُ جهنَّمُ خالداً فيها على رَغمِ أنفِه كما خُلِق بغيرِ اختياره، وهو داخلُها على رغمِ أنفِه بِحُكمِ الذي خلقَه وصوَّره جلَّ جلاله، ثم جاءَ مُستكبِراً مُنكِراً مُكابِراً مُعانِداً، (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم) ما الذي يُعجِزُ خالقَ السماواتِ والأرض أمامَ عينِك بهذه القدرةِ أن يَخلقَ مثلَك وأمثالَ أمثالِك وملء الأرضِ أمثال أمثالك، ما الذي يُعجِزه؟! (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ).

أيُّها المؤمنون بالله جل جلاله: والإلهُ الخالقُ رَتَّبَ حُسنَ العلائقِ بين كلِّ مخلوقٍ وبقيَّةِ الكائنات، وخصَّ المكلَّفين بتكاليفَ تتعلَّقَ بعد توحيدِه والإيمانِ به بطاعتِه وامتثالِ أمرِه واجتنابِ نهيِه، ثم الإيمانِ بملائكتِه والإيمانِ بِرُسلِه والإيمانِ بالبَعثِ واليومِ الآخِر، والإيمانِ بالجنَّة والنَّارِ والإيمانِ بالقضاءِ والقدرِ خيرِه وشرِّه مِن الله تعالى، فجعلَ علائقَنا مع الملائكةِ إيماناً بهم وتصديقاً بما أخبَرنا هو ورسولُه عنهم؛ (عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) يُحبُّون مَن أحبَّ اللهُ تعالى مِن العِباد، ويبغَضون مَن أبغضَ اللهُ تعالى مِن العِبادِ المكلَّفين مِن الإنسِ والجِن، ويضعون أجنحتَهم لطالبِ العلمِ الذي يُعظِّم الشريعةَ ويُحِبُّ التَّفقَّهَ فيها للعَملِ بها ولنَشرِها، وإنَّ الملائكةَ لتَضعُ أجنحتَها لطالبِ العلمِ رِضاً بما يَصنَع (ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍۢ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ)

علائقُ أقامَها سبحانه وشرَعها الخالقُ بينَ الخلائق، فالملائكةُ يُحبُّون المؤمنَ المُقبِلَ الصادقَ المُخلصَ الذي يخشَى اللهَ في الغَيبِ والشهادة، "وإن للمساجدِ أوتاداً الملائكةُ جلساؤهم، إن غابوا افتقدُوهم، وإن مَرِضوا عادُوهم، وان ماتوا شيَّعوهم" كما جاءنا في الحديث عن نبيِّنا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.

فهذا حالُ الملائكةِ مع الذين يُحبُّون المساجد، ليس كذلك حالهم مع مَن يحبُّ الجلوسَ خارجَ المسجد، ويضيقُ أن يجلسَ بين المغربِ والعشاءِ في المسجد، وأن تمرَّ له ساعاتٌ قبلَ الفجر أو بعدَه في المسجد، ويُحبُّ أن يجلسَ في الدِّكَكِ والأسواقِ دونَ المسجد، ويخرج مِن المسجدِ، ليس أخلَّاؤهُم الملائكة ولا أحبَّاؤهم الملائكة، العلائقُ بينهم وبينهم تفسُدُ بفسادِ علاقتِهم بالله، وفَسادِ علاقتِهم ببيوتِ الله ومساجدِ الله تعالى في علاه.

ثم جعل لنا صِلاتٍ ببَني جِنسِنا من الآدميين فجعل أعلاهم وأفضلَهم النبيين والمرسلين وأوجبَ علينا الايمانَ بهم أجمعين، تفصيلاً فيمن فصَّلَ لنا مِن أسمائهم في القرآن الخمسة والعشرين رسولاً، وإجمالا في كلِّ مَنِ ابتعثَهم، وكلِّ مَن نبّأهم وأرسلَهم وإن لم نعلَم أسماءَهم، فيجب علينا الايمانُ بكلِّ نبيِّ ابتعثَه الله وبكلِّ رسولٍ أرسلَه الله، آمنا بهم أجمعين صلوات الله وسلامه عليهم، وهم أفضلُ خلقِه وأجلُّهم منزلةً لديه، فصارت العلاقةُ مع الايمان بهم علاقةَ تعظيمٍ وتمجيدٍ وتصديقٍ باختيارِ اللهِ الحميدِ المجيد واصطفائه لهم، فهم أفضلُ الخلائقِ عندَ الله وهم في قلبِ كلِّ مؤمنٍ أفضلُ الخلائق وخيرُ الخلائق، لا يُفضِّل عليهم مُفكراً ولا مُصوِّراً ولا مُطوِّراً ولا مُتطوّرِاً ولا مُدرِّباً ولا مُخترِعاً ولا إنسيّاً ولا جِنيّاً غيرَهم، فهم الأفضلُ هم الأفضل، هم الأمجدُ هم الأمجد، هم الأعلى هم الأعلى عند العليِّ الاعلى، وعند كلِّ مؤمنٍ كذلك، لا يساويهم أحدٌ مِن الأولين والآخرين، (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)، (ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ ٱلنَّاسِ) فصارتِ العلاقةُ تعظيماً وتمجيداً واقتداءً واهتداء، (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) ونَسَبَ الصراطَ المستقيمَ إليهم، وسمَّاه صراطَهم في الكتابِ العزيز، في أعظمِ سورة، في سورة الفاتحة، فيدعُوه العباد: (ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ*صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) وأوَّلُهم النبيّون صلوات الله وسلامه عليهم، (صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) وسيِّدُهم محمدٌ خاتمُهم وأفضلُهم.

وشرع لنا العلائقَ فيما بيننا البَين فجعل العلائقَ مع الوالدين؛ (أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ). وجعل العلائق مع ذوي الارحام؛ (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرْحَامَكُم* أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰٓ أَبْصَٰرَهُمْ). وجعل العلائقَ مع الجِوار؛ (وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ) وجعل العلائقَ بين الأُسرِ والمجتمعاتِ وبينَ أهلِ الإسلامِ والمِلَّةِ الواحدة، مِلَّة الحق أنّه؛ " لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يهجُرَ أخاه المسلمَ فوقَ ثلاث، يلتقيان فيُعرِضُ هذا ويُعرِض هذا، فمن فعلَ ذلك فماتَ فهو في النار" بهَجرِ المسلمِ ثلاثةَ أيام فأكثر، راعَى سبحانَه ضعفَ البَشرِ ونقصَهم فتسامحَ معهم في الثلاثِ لأجلِ هذه الطبائعِ التي لم تتزكَّ ولم يتربَّ أصحابُها، ولم يسمح بعد ذلك أن يستمرَّ الإنسانُ في عنادِه ولا كبريائه ولا في هواه، فيقاطع أخاه المسلم ويهجر أخاه المسلم بعد هذه الثلاث قطعاً!

هكذا أقام العلائقَ وأقامَها بين الشعوبِ ودُولِهم وحُكَّامِهم وأولياءِ أمورهم، في طاعتِهم في كلِّ ما لا مخالفةَ فيه لله، وفي غيرِ معصيةِ اللهِ جلَّ جلاله، وأن لا يُنابَذون إلا أن يَكفروا كُفراً بَواحاً جليّاً، وجعل العلائقَ بين المسلمين وبين أئمَّتِهم مِن العلماءِ والصالحين علائقَ التَّكريم والإجلالِ والرجوعِ إليهم في بيانِ حُكمِ اللهِ وحُكمِ رسولِه (فَسْـَٔلُوٓاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، (قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، (يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَٰتٍۢ)

نظَّمَ العلائقَ بينَ الشعوب بينَها البين، وبينَ الدول ولم يُبِح أن يُوادَّ مُحادٌّ لله ورسوله، ولا أن يوالَى من دون الله جل جلاله (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍۢ مِّنْهُ)، ( يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ)

وأباحَ وشرعَ في العلائقِ العامةِ البِرَّ والقسطَ مع كلِّ مَن لم يحارب وكلِّ مَن لم يقاتل، وكلِّ مَن لم يُؤذِ مِن أصنافِ الكفار فقال: ( لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓاْ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ)

أيها المؤمنونَ بالله: هذا ترتيبُ الحقِّ وشرعُه، فاسمعوا وأطيعوا وأقيموا في عبوديَّتِكم لله وتقواكم له العلائقَ كما شرعَ، لا كما تهوى الأنفُس، ولا كما يُملِي عليكم فئاتُ الكفرِ والزَّيغ والضَّلال والظُّلم، من المُتفَلسِفين والمُتطاولين على البشريَّة بتفكيرِهم القاصرِ الذي يريدونَ به تعدِّيَ الحدود، ويريدون اللَّعبَ والفسادَ في الأرض بحكمِ ما تهواه أنفسُهم، فإذا اقتضَت مصالحُهم حرباً حاربواً، واذا اقتضت مصالحُهم ظلماً ظلموا، وإذا اقتضت مصالحُهم عُدواناً اعتدوا، وهكذا يتعاملون في الأرض ويسمُّون فسادَهم ذلك نظاماً وحرية، ويسمونه تقدُّماً ويسمونه تسامحاً، وليسمُّوه ما سَمّوه! ما خرجَ عن شرعِ الله فباطل! لا يقبلُه من يؤمن بالله واليوم الآخر، جاء من أيِّ أحدٍ كان!

اللهم ثَبِّتنا على الحقِّ فيما نقول، وثَبِّتنا على الحقِّ فيما نفعل، وثَبِّتنا على الحقِّ فيما نعتقد يا ربّ العالمين.

 والله يقول وقوله الحق المبين: (وَإِذَا قُرِئَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).

 وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ)

 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

(يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَٰلِبُونَ *ٰٓ يا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ ۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ * قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَٰسِقُونَ * قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَ ۚ أُوْلَٰٓئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ * وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ).

بارك الله لي ولكم في القُرآنِ العظيم، ونفعَنا بما فيه منَ الآياتِ والذكرِ الحكيم، وثبَّتنا على الصراطِ المستقيم، وأجارَنا من خِزيهِ وعذابِه الأليم.

 أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولوالدينا ولجميعِ المسلمين، فاستغفروه إنَّه هو الغفورُ الرحيم..

الخطبة الثانية:

الحمدُ لله حمداً يوقِظُ به قلوبَ المؤمنين به، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، فازَ وسَعِدَ مَن ظَفرَ بِقُربِه وحُبِّه، وأشهدُ أن سيّدنا ونبيّنا وقُرَّة أعيُننا ونورَ قلوبنا محمداً عبدُه ورسوله، خير مُبيِّن وهادٍ لسبيلِ ربِّه وأعظمِ مَن ظفرَ بِقُربِه وحُبِّه، اللهم صلّ وسلِّم على عبدِك المصطفى محمدٍ وآلهِ وصحبه ومَن سار في سبيلِه ودربه، وعلى آبائه وأخوانِه مِن أنبيائك ورسلِك وآلهِم وصحبهِم وملائكتِك المقرَّبين وعبادِكَ الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

 أما بعد، عبادَ الله: فإني أوصيكم ونفسيَ بتقوى الله..

فاتَّقوا اللهَ وأقيموا العلائقَ كما شرع، واتَّبعوا المصطفى المجتبى المختارَ أكرمَ مُشفَّع، واحذروا مِن الابتداعِ والزَّيغِ والتكبُّرِ والتجبُّرِ في تغييرِ مسارِ منهجِ الله جل جلاله في العلائقِ بالكبيرِ والصغير، وما أوجبَ سبحانهَ وتعالى مِن إكرامٍ أو احترامٍ أو تنفيذِ أمرٍ لأبٍ أو أُمٍّ، او أميرٍ أو والي أمرٍأ أو حاكمٍ أو صغيرٍ أو كبيرٍ، فذلك كلُّه مَنُوطٌ ومربوطٌ بشرطِ أن لا يكونَ في معصيةِ الله، فلا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق، وإذا أدركتم وجوبَ تقوى الله في إقامةِ العلائقِ فإنَّ الحقَّ جلَّ جلاله الذي يجبُ أن نُحبَّه محبَّةً لذاتِه العليَّة مع إحسانِه وإفضالِه وكمالِه وجمالِه وجلالِه جلَّ جلاله، فإنَّه الذي يجبُ محبَّتُه على كلِّ مخلوقٍ خلقَه لذاتِه سبحانه وتعالى لأنَّه الإلهُ الحقُّ الواحد، ويجبُ أن لا يُحبُّ مَن آمنَ به بقيةَ الكائنات إلا كما شرعَ وحيث شرعَ وكما بيَّن وفصَّل وحكم جلَّ جلاله.

 ثم لا نجدُ في جميع الكائنات مَن أحبَّ المُكوِّنُ مَحبَّتَه وتعظيمَه وطاعتَه كمُحمد، لا نجدُ في جميعِ الكائنات أحبَّ إليه مِن مُحمد! ولا أكرمَ عليه مِن محمد! ولا يُحِبُّ مِن جميعِ خلقِه أن يُحبُّوا أحداً مِن خلقِه لأجلِه قبلَ محمد، كما يُحبُّون مُحمّداً (قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍۢ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ) فسَقَ من قدَّمَ شيئاً مِن الكائناتِ في المَحبَّة على اللهِ ورسولِه، وليَتَربَّص بتهديدٍ مِن الجبارِ الأعلى، فلا يكُن في قلبِك أحبَّ مِن الله ومِن رسولِه محمد.

 وبذلك المعنى تستقبلُ الأمةُ شهرَ ميلاد محمد، وكلما يُعبِّرون عنه مِن محبَّة وفرح يسير، وليس فيهم والله مَن يعتقدُ أن محمداً ولا غيرَه مِن الأنبياء ولا مِن الملائكة إلهاً شريكاً مع الله ولا خالقاً فعَّالاً لما يُريد، ولكنهم يوقنون أنه أكرمُ الأوَّلين والآخرين، وهذا حقُّه وهذا مُستحقُّه، ويوقنون أنه أولُ شافعٍ وأول مشفَّع، ويوقنون أنّه الأحبُّ إلى الرب، ويوقنون أنه صاحبُ الرُتبةِ العُليا، آدمُ فمَن دونَه تحتَ لوائهِ يومَ القيامة، ويوقنون أنَّ الملائكةَ والمقرَّبين مِن عباد الله لا يستَوون مع مَن عصى ولا مع مَن كفَر ولا مع مَن تجبَّر (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ) لا !  هم الأكرم هم الأعظم، وإذا اشتدَّ الخطبُ في القيامة لاذَ الناسُ بآدم، لجأوا الى الأنبياء، وفي صحيح البخاري "استغاثوا بآدم" لأنهم يعلمون أنَّ الأنبياءَ أقربُ الخلقِ الى اللهِ فيلوذونَ بهم، قال صلى الله عليه وسلم: "فيعتذر، فيلوذون بنوحٍ فيعتذر، فيلوذون بإبراهيمَ فيعتذر، ويلوذون بموسَى فيعتذر، ويلوذون بعيسى فيَعتذر، فيلوذون بِي فأقول: أنا لها.."

فما أعظمَ قدرَه والله، وكلُّ ما يفعلُ المؤمنون في محبَّتِه يسيرٌ قليلٌ عندَ ما فعلَ الصحابة، أما مع ما يستحقُّه فلا يعلمُ قدرَه إلا اللهُ الذي اصطفاه صلوات ربي وسلامه عليه فهو أكرمُ عبد، فاستقبلوا شهرَ ميلادِه بحُسنِ اتِّباعِه وتعظيمِه وإكرامِه وبَعثِ محبَّتِه في الصدورِ والنفوس، لقد نازعَ قلوبَكم محبَّةُ الماديَّات والسلطات والأهواء والشهوات ومَن دونَ الله مِن الفسَّاق والفجار؛  نازعُوكُم على قلوبِكم، ونازعوا قلوبَ أبنائكم وأهليكم ونسائكم وبناتِكم وأبنائكم، نازعُوهم على محبَّة اللهِ ورسولِه لتَتحوَّلَ إلى محبَّتِهم، فهِبُّوا هبَّةَ الصادقين وأحيُوا محبةَ اللهِ ورسوله، ليعزَّكم اللهُ جل جلاله بعز رسوله (وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، (فَلَا تَهِنُواْ وَتَدْعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَٰلَكُمْ)، (وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)

ارفضُوا ما نازعُوكم فيه مِن محبةِ أنظمتِهم وبرامجهِم وأفكارِهم على اللهِ وعلى رسولِه وقولوا: اللهُ ورسولُه أحبُّ الينا، ونحن الذين آمنَّا بإلهٍ إليهِ المرجعُ والمصير، ونحن وإياكم بينَ يديه سنقفُ ولن ينجوَ ويتشرَّفَ إلا مَن خضعَ وآمَنَ واستقامَ على شرعِه في هذه الحياةِ، ويندمُ كلُّ مَن خالفَه تعالى في علاه، ( يَوْمَئِذٍۢ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًا)، (وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلًا).

اللهم بارك لنا في خاتمةِ شهرِ صفر، وأقبِل علينا ربيعاً الأول بخيرٍ للأمة في ما بطن وما ظهر، ودفعٍ لشرِّ مَنِ اعتدَى وعاندَ واستكبرَ وكفر.

اللهم حوِّل أحوالَ المسلمين إلى أحسنِ حال وارزقنا الاستقامةَ على ما تحبُّه يا ذا الجلال، وتولَّنا في الدنيا والمآل بما أنتَ أهلُه.

وأكثِروا الصلاةَ والسلامَ على خيرِ الأنام، فإنَّ ربَّ العرشِ يصلي على مَن صلى على حبيبِه محمد، بكلِّ صلاةٍ عشرَ صلوات، وإنَّ أولى الناسِ به يومَ الميقات أكثرُهم عليه صلاة، ولقد أمرنا اللهُ بأمرٍ بدأ فيه بنفسِه وثَنَّ بملائكته وأَيَّهَ بالمؤمنين فقال مُخبراً وآمراً تكريماً (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

اللهمَّ صلِّ وسلِّم على الهادي إلى سبيلِ الرشاد، خيرِ العبادِ، عبدِك المصطفى محمد، وعلى الخليفةِ مِن بعدِه المختار وصاحبِه وأنيسِه في الغار، مُؤازرِ رسولِك في حالَيِ السَّعة والضِّيق، خليفةِ رسولِ الله سيدنا أبي بكر الصديق، وعلى الناطقِ بالصواب ناشرِ العدل في الآفاق، حليفِ المحراب أميرِ المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب، وعلى محيِي الليالي بتلاوةِ القرآن، مُنفقِ المال في سبيلِك في السرِّ والإعلان، مَن استحيَت منه ملائكةُ الرحمن؛ أمير المؤمنين ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان، وعلى أخِ النبيِّ المصطفى وابن عمِّه ووليِّه وبابِ مدينةِ العلم، إمامِ أهلِ المشارقِ والمغاربِ، أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب.

 وعلى الحسنِ والحسينِ سيِّدَي شبابِ أهلِ الجنَّة في الجنة، وريحانتَي نبيِّك بنصِّ السُّنَّة، وعلى أُمِّهما الحَوراء فاطمةَ البتولِ الزهراء، وعلى خديجةَ الكبرى وعائشةَ الرِّضا وأمهات المؤمنين، وعلى الحمزةَ والعباس، وسائرِ أهلِ بيتِ نبيِّك الذين طهَّرتَهم مِن الدَّنَس والأرجاس، وعلى أهلِ بيعةِ العقبةِ وأهلِ بدرٍ وأهلِ أُحُدٍ وأهل بيعةِ الرضوان وسائرِ الصحبِ الأكرمين، ومَن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

اللهم أعزَّ الإسلامَ وانصُرِ المسلمين، اللهم أذِلَّ الشركَ والمشركين، اللهم أعلِ كلمةَ المؤمنين، اللهم دمِّر أعداءَ الدين، اللهم اجمع شملَ أهلِ لا إلهَ إلا الله أجمعين، اللهم نَوِّر قلوبَهم بنورِ الإيمانِ واليقين، اللهم ادفع عنهم سلطةَ الكافرين والفاسقين والفاجرين والضالِّين، اللهم حوِّل أحوالَهم إلى أحسنِ الأحوال، صُن دماءهم واحرس أموالَهم واحفظ أعراضَهم، وتولَّهم في سرِّهم ونجواهم يا أرحمَ الراحمين.

اللهم أنهِض قلوبَهم لاتِّباعِ حبيبِك المصطفى، والاقتفاءِ والاقتداءِ به في الظاهرِ والخَفاء، اللهم وجنِّبنا واياهم كلَّ الزيغِ والجفا، وأنظِمنا في سلكِ أهل النقاءِ والصفا، وتولَّنا بما أنت أهلُه يا عالمَ السرَّ وأخفى.

اللهم حَوِّل حالَهم إلى أحسنِ الأحوال، وادفع عنا وعنهم شرَّ الأهوال، وشرَّ ما تأتي بهِ الأيامُ والليال، ياربَّ الليالي والأيام يا ذا الجلال والاكرام يا ذا الطولِ والإنعام، املأ قلوبَنا بمحبَّتك ومحبةِ حبيبِك حتى تحشرَنا في زمرتِه، وتُظلَّنا بظلِّ رايتِه، وتَسقيَنا مِن حوضِه المورود شربةً لا نظمأ بعدها أبداً، وتجعلنا بلقائه ومرافقتِه مِن أسعدِ السعداء يا حيُّ يا قيوم.

واغفر لنا ووالدينا ومشائخنا ومعلَّمينا وذوي الحقوقِ علينا والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات أحياهم وموتاهم إلى يومِ الدين يا أرحمَ الراحمين.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

 (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)

 (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ).

نسألكَ لنا وللأمَّة مِن خيرِ ما سألكَ منه عبدُك ونبيُّك سيدُنا محمد، ونعوذُ بك مما استعاذَكَ منه عبدُك ونبيُّك سيدُنا محمد، وأنت المستعانُ وعليك البلاغُ ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ العليِّ العظيم.

عبادَ الله:

 إنَّ اللهَ أمرَ بثلاث، ونهَى عن ثلاث:

 (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

 فاذكروا اللهَ العظيمَ يذكُركم واشكروه على نعمِه يَزدْكُم ولذكرُ الله أكبر.

للاستماع إلى الخطبة

لمشاهدة الخطبة