محاضرة مكتوبة بعنوان: عظمة المبدئ المعيد وأسرار كلمة التوحيد في شئون الحياة والمعاد

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك، في دار المصطفى، ليلة الجمعة 29 صفر الخير 1442هـ بعنوان:

عظمة المبدئ المعيد وأسرار كلمة التوحيد في شئون الحياة والمعاد 

        الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الحي القيوم الذي لا إله إلا هو {قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}، الأولُ الآخرُ الظاهرُ الباطن، المقدِّم المؤخِّر، المعزُّ المذل، المُشقِي المُسعد، لا إله إلا هو به آمنَّا وعليه توكَّلنا وإليهِ أنَبنا وإليهِ المصير، وله رجَونا، ولما عنده أمَّلنا، ومِن ذنوبِنا وجميع عيوبِنا وآفاتِ الدارَين إليه هرَبنا، وبه التجأنا، وإليه لُذنا. وما تعلَّمنا ذلك إلا منه وبه على يد حبيبِه وصفوتِه صلوات ربي وسلامه عليه، الذي ناب عنه النبيُّون قبل بُروزِ هيَكله إلى هذا العالم وعلَّموا الأممَ قبلَنا أن يلجأوا إلى هذا الإله وأن يعتمدوا على هذا الإله، وأن يصدقُوا مع هذا الإله، وأن يستعدُّوا للقاءِ هذا الإله، وأن لا تغرَّهم صِنعتُه وكائناتُه، عن سِرِّ تكوينِه، وعن سرِّ صناعتِه، وعن سِرِّ إيجادِه، وعن سِرِّ خَلقِه وعن سِرِّ تدبيرِه، وأنَّ المرجعَ إليه جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

       وتعلَّم مَن تعلَّم.. منهم الأمم ممَّن اقتضى الكرَم أن يدخلوا في دائرةِ الفَهمِ عن الله وعن رُسلِه صلواتُ الله وسلامُه عليهم حتى بُعِثَ خاتمُ المرسلين وسيِّدُهم أجمعين إلى المكلَّفين أجمعين مِن الإنسِ والجنِّ إلى أن تقومَ الساعةُ بنبأٍ مِن الله وخبرٍ مِن الله ورسالةٍ مِن الله تُصلِح كلَّ فكر وكلَّ عقل، في أيِّ زمانٍ تعيشُه وتحياه، في أي بلدٍ مِن البلدان تسكُنه، تحتَ أي ظرفٍ مِن الظروف؛ فإنَّ الذي أحصَى كلَّ ما سيقعُ بذرَّاتِه مِن صحَّة ومرض، وإقبالٍ وإدبار، وجوعٍ وشبَع، وغِنى وفقر وتقديمٍ وتأخير؛ هو الذي أرسلَ هذا الرسول، وهو الذي وجَّهَه إلينا بما وجَّه؛ وهو يعلم لا يُمكن لشيء مِن ذرَّات الوجود – لا فيروس ولا جرثومة ولا مكروب ولا غيرها من الأشياء- بكل فرد من أفرادها أن تحيا إلا به، ولا أن توجد إلا به، ولا أن تموتَ إلا به، وقد علِمَها قبل أن يُطلِقها ويوجدها؛ وهو الذي أرسل صاحبَ الرسالة هذا {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}

 فمن ذا يتصوَّر عقلُه أنَّ هذا المُرسِل الذي أحاط علماً بكلِّ شيء يُنقص في رسالةِ هذا المرسَل إلى كلِّ هؤلاء ما ينفعهم أو يفيدُهم أو يُشَرِّفهم أو يُنَجِّيهم أو يرفعُهم أو يحرسُهم؟ وهو الذي أحاط بكلِّ شيء علما!

وما خلقك ولا خلق سمعَك وبصرَك هذا ولا خلق لك هذا الهواءَ الذي تستنشقُه ولا ما خلقَ السماوات والأرض وما بينهما ولا يتنزَّل الأمرُ بينهما إلا لتعلم أنه {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وأنه {قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} "الله" {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}

وإذا علمتَ ذلك علمتَ عظمةَ الرسالة، مِن سرِّ إدراكِكَ لعَظمةِ المُرسِل العليمِ بكلِّ شيء، الخبيرِ بكلِّ شيء، القديرِ على كلِّ شيء، المُصَرِّف لكلِّ شيء، والمُدبِّر لكلِّ شيء، ومَن بيدِه ملكوتِ السماوات والأرض جلَّ جلاله.

فنسألُ ربَّنا ربَّ كلِّ شيءٍ بقُدرتِه على كلِّ شيء وإحاطتِه بكلِّ شَيء أن يغفرَ لنا كلَّ شيء وأن يُصلِحَ لنا كل شيء، وأن لا يُسَلِّط علينا مِن القواطعِ والصوارفِ عنه وعن حسنِ الاستقامةِ على ما يحبُّه شيء، وأن يغفرَ لنا كلَّ شيء، وأن لا يسألَنا عن شيء، وأن لا يعذِّبَنا على شَيء، يا ربَّ كلِّ شيء، يا قديرُ يا قيومُ يا حي: بأعظمِ مَن أحيَيتَه حياةً كبرى لا يُبلَغ مداها أحيِي قلوبَنا، وأحيِنا حياةً طيبةً على ظهر الأرض، واجعل حياتَنا أطيبَ منها في عالمِ البرزخ إذا صارت الأجسادُ في بطنِ الأرض؛ فاجعل أرواحنا في عليين، ومع المقربين، وأحيِنا حياةً أطيبَ منها إذا أُعيدتِ الأجسامُ وأُعيدت الأرواحُ إليها يومَ البَعثِ والنشور {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ... فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا}

أين أهلُ الحضارات؟ أين الحكامُ؟ أين الشعوب؟ أين الدول؟ أين المؤسسات؟ أين الهيئات؟ أين الجماعات؟ أين الأفكارُ المختلفات؟ أين الادِّعاءات؟ أين التطاولات؟ أين الكلام المُثرثَر الزائد؟ {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} جَلَّ جلاله..

ويومئذٍ ترى العزَّةَ مع محمدٍ والنبيِّين والصدِّيقين والشهداءِ والصالحين، وتغشى الوجوهَ الذلُّ لكلِّ من كذَّب بهم وكفرَ بهم -كائناً مَن كان- رئيساً ومرؤوسا وزيرا موزورا صغيراً كبيرا؛ كلُّ مَن كذَّبهم تغشَى وجوهَهم الذلُّ، ويُجزَون عذابَ الهُون في ذلك اليوم..

   فاعرف قدرَ الدين، واعرف قدرَ الإسلام، واعرف قدرَ الحصن؛ اعرف قدرَ "لا إله إلا الله". حشَا اللهُ سرَّك وقلبَك بنورِها، وجعلَك مِن أهلِ سرِّها، وتولَّاك بها دنيا وآخرة.. يا الله

قال خيرُ خلقِك: (أفضل ما قلتُ أنا والنبيون مِن قبلي "لا إله إلا الله"  وحدَه لا شريكَ له، لهُ الملكُ وله الحمدُ، يُحيي ويُميت وهو على كلِّ شيء قدير") قال صاحب الرسالة: (أفضل ما قلتُ أنا) –لا أحد يقولُ أحسنَ مِن قوله- قال: (والنبيُّون) المختارون كلُّهم الصفوةُ مِن الخلق .. أحسن ما قالوا هذه الكلمة، فأيُّ قولٍ يأتي يكونُ أحسنَ منها؟ قول مَن؟ شرقي أو غربي؟ قول مَن يأتي أحسن من قول هؤلاء؟ قال هؤلاء المصطفين المقربين كلامُهم أحسنُ كلام؛ وأحسنُ ما قالوا: "لا إله إلا الله" (أفضل ما قلتُ أنا والنبيون) ولا أحد يجيب قولاً أحسنَ مِن قوله، قال وقولنا ينتهي في حُسنِه وفي أفضليَّته وفي مكانتِه إلى : "لا إله إلا الله"، عليها قامت أسرارُ النبوة، والولاية، ومراتبُ الصدِّيقية، ومنازلُ القُرب من الحق؛ لذا كانت مفتاحَ الجنة، وكانت مفتاحَ القُرب، وكانت مفتاحَ المعرفة الخاصة، وكانت مفتاحَ المحبة، وكانت مفتاحَ الاتصال بـ"محمد"، خيرُ مَن قالها من الخلق، خيرُ مَن عَلِمها مِن الخلق، علم.. إذا جاء علمُ الملائكةِ والنبيِّين فمَن دونَهم بمعاني "لا إله إلا الله" صار يسيراً أمام هذا العلمِ الذي أوحاه اللهُ إليه {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ}.

وإذ خصَّصهُ بهذا العلمِ الذي لا يعلمُه غيرُه قال الذين آمنوا ودخلوا تحت هذه الدائرة استغفِر لهم أنت؛ لينالوا نصيباً وافياً مِن سرِّ علمِ "لا إلهَ إلا الله" باستغفارِك لهم {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}..

{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} "أنَّه" يقول أهل العربية أهل علم اللغة أهل النحو: ضمير الشأن. "أنه" يعني الشأن كله والحقيقة كلها والأصل كله {أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ} {فَاعْلَمْ أَنَّهُ} أي ضمير هذا؟ وأيُّ شأنٍ هذا؟ شأنُ الخلقِ والإيجاد والإبراز والبعث والنشور والحياة والموت والسماء والأرض والدنيا والآخرة؛ {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ}

ثبِّتنا عليها يا رب، اجعلنا مِن خواصِّ أهلِها يا رب..

وبسرِّها تقوم النُّصرَةُ للأنبياء والمرسلين، وبسرِّها يُخذَلُ أعداءُ الله والصَّادُّون عن سبيلِ الله، والمعانِدون لأمرِ الله وأمر رسوله. وفي الأرضِ عددٌ منهم عاثوا في الأرض فساداً ووصلوا إلى ما وصلوا إليه، ولكن لابد يُقهرون بسرِّها ولكن لابد يُرد كيدهم بسرِّها المودوع في قلوبِ أهلها؛ إذا اختارَ الحقُّ تبارك وتعالى مِن أهلِ هذه القلوب مَن يُودِعُهم سِرَّ "لا إله إلا الله" جاءت نصرتُه وحقَّت كلمتُه جلَّ جلاله؛ بنُصرةِ المؤمنين وخذلانِ الكافرين الذين تَحِلُّ عليهم تلك الكلمةُ بالخذلان -والعياذُ بالله تبارك وتعالى- وهم مدعوُّون على ألسنِ الأنبياء وأتباعِ الأنبياء لأن يُنقِذُوا أنفسَهم وأن يتداركُوا أنفسَهم فمَن أصرَّ وعاندَ وكابر يُقهَر بسِرِّ "لا إله إلا الله".

يُفلح مَن ماتَ عليها، يا رب اجعَلها آخرَ كلامِنا مِن الدنيا..

بسرِّها يُعبَدُ الحقُّ وتقوم حقائقُ العبادة، في كلِّ وضوء، وكلِّ غُسل، وكلِّ صلاة، وكلِّ قراءة، وكلِّ ذكر، وكلِّ صوم، وكلِّ صَدقة، وكلِّ زكاة، وكلِّ حج، وكلِّ عمرة، وكلِّ زيارة، وكلِّ مجلس خير، وكلِّ دعوةٍ إلى اللهِ بأسرارِ "لا إلهَ إلا الله" تقوم -وقدرها على قدر تحقُّقِ أصحاب هذه الأعمال بسرِّها بنورها بحقيقتها بعظمَتِها بما فيها والذي فيها- عُبِّر عنه بما جاءنا في الخبر: (لو أنَّ السماواتِ السبعَ والأرضينَ السَّبعَ وُضِعَت في كِفَّة ووُضِعَت "لا إلهَ إلا الله" في كفَّة لرجَحَت بهنَّ "لا إله إلا الله").

يا ربَّنا.. أهلُ جمعِنا ومَن يسمعُنا إنما يقولونَها استِرضاءً لك واستهداءً بنورِك وطمعاً فيما عندك؛ ربِّ ومع قولِهم لها على مثلِ هذا الحالِ كلُّ ذلك كان مِنك لهم، وكان بك، وكان مِن فضلِك عليهم، لا إله إلا أنت، فيا الله بِسرِّ "لا إلهَ إلا الله" حَقِّق أهلَ مجمَعِنا ومَن يسمعُنا ومَن والانا فيك بحقيقةِ: "لا إله إلا الله".

يا ربَّ السماواتِ والأرضِ ويا ربَّ العرشِ العظيم: وعمَّن حلَّ نورُها في قلبِه مِن جميعِ الإنسِ والجنِّ خصوصاً منهم المكلفين ممن على ظهر الأرض، ومن تقدَّم، ومَن تأذن أن يصلَ نورُها إلى قلبِه، ومن سيقولُها من بعد إلى أن تقومَ الساعة؛ نتوجَّه إليك نائبين عن الكلِّ ونقول لك عنهم أجمعين: "لا إله إلا الله"، فاقبَلها بحقِّها وحقِّ أهلِها يا الله، وارحم أهلَ الأرضِ بقولِها وبالتحقُّق بحقائقِها يا الله، وافتَح بها أبوابَ الفرجِ للمسلمين، فإنا يا ربِّ جعلناها في ودائعِ هذا الشهرِ شهرِ ظفرِ الخير وفي استقبالِ شهرِ ربيعِ الأول الذي في مثلِه أبرزتَ لنا أعظمَ هيكلٍ وأعظمَ جسدٍ كوَّنتَه في الوجودِ كلِّه؛ هيأتَه لأن تحلَّ فيه الروحُ الأطهرُ الأنورُ الأزهرُ الأكبرُ، وأن يتهيأ هذا الجسدُ لخَرقِ السَّبعِ الطِّباق وتَجاوُزِها إلى حضرةِ الإطلاق؛ وأن يصلَ إلى عرشِك؛ فسبحانك مِن تلك النطفةِ الكريمة عليك كوَّنتَ جسداً كتبتَ له أن يعلوَ الأجسادَ بل وأن يعلوَ الأرواحَ كلَّها، فسبحانَك ما أعجبَ شأنَك، جسدٌ يصلُ إلى مالا تصلُ إليه الأرواح! ويحملُ ما لا تحمله الأرواح! ويعِي مالا تعِيه الأرواح! "جسد محمد" الذي قال له جبريل: تقَدَّم. ويقول له: أفي مثلِ هذا الموطن يتركُ الخليلُ خليلَه!؟. قال: أنا إن تقدمتُ احترقتُ، أنت إن تقدَّمتَ اخترقتَ فقد أُذِنَ لك وما مِنَّا إلا له مقامٌ معلوم. أيُّ جسدٍ هذا! سبحانَ الذي خصَّصَه وميَّزَه، سبحانَ الذي كرَّمَه..

وسراية مما أدركَ أصحابُه مِن سرِّ "لا إله إلا الله" المتعلِّقة بهذا الجسدِ كادوا أن يقتتلوا على وَضُوئه، وما تنخَّم نخامةٌ إلا وقعَت في يدِ أحدِهم وكفِّه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وعَلِمُوا ما علموا مِن قدرِه، وتسابقوا على عَرقِه وسَلتُوا عرقَه وخلطُوا به طيبَهم فطيَّبَ لهم الطيبَ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم..

يا ربَّ أهلِ "لا إلهَ إلا الله" أجمعين: اقبل منَّا قولَها واجعلَه مربوطاً بقلوبٍ تشهدُ بحقيقتِها.

 يا ربِّ: كل قلبٍ معنا أو يسمعنا أودعتَه شيئاً من سرِّها ونصيبِها فبارِك له فيه وضاعِفه له ونمِّه له، والقلوبُ التي حُجِبَت بشيءٍ من أمراضها وعِلَلِها وغلَبت الشهواتُ عليها زَحزِح عنها الظلمات، زَحزِح عنها ظلمةَ الشهوات والهَوى والالتفاتِ إلى السِّوى وأكرِمها بوصولِ إشراقةٍ مِن نورِ حقيقةِ هذه الكلمة، وزِدهم إضاءةً وانجلاءً وانكشافاً لحقيقتِها والتَّحقُّق بها إلى الموت؛ حتى يموتَ كلٌّ مِنَّا ومنهم عليها مُتَحَقِّقَاً بحقيقتِها.. يا الله بسرِّ " لا إله إلا الله"..

كلمةٌ لا تَزِنُها السماواتُ والأرض؛ هي أوزنُ مِن السماوات والأرض، وإنْ في ذهنِكَ شيءٌ آخرُ مِن المخلوقاتِ فهي أوزنُ منه؛ لمكانِها عند الخالق، "لا إله إلا الله" {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ}.

اربُطنا بمَن دعانا إليها يا ربَّنا، اربطنا بمَّن دلَّنا عليها يا ربَّنا، اربُطنا بأكرمِ مَن قالَها مِن خلقِك يا إلهَنا، يا الله .. يا الله .. يا الله..

ولمَّا كان يُحَدِّث بعضُ أهلِ المعرفةِ في معاني "لا إله إلا الله" قال: يا أصحابي تريدون تفسيرَها؟ "محمدٌ رسول الله"؛ هذا الذي تستطيعونَ فقهَه مِن معنى " لا إله إلا الله" أن تعلموا أنَّ "محمد رسول الله" أنه الذي بُعِث بها وجاء به ودعا إليها؛ فشهادَتُكم أنَّ محمداً رسولُ الله هي ترجمةُ "لا إله إلا الله". قال وإذا سألتموني أن أقولَ لكم ما معنى "محمد رسول الله" قال ما أجدُ لها ترجمة إلا أن أقولَ لكم معناها: "لا إله إلا الله"؛ هذه معناها: أن محمد رسول الله. معناها لا اله إلا الله ، وما معنى "لا إله إلا الله"؟ : "محمد رسول الله" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ولذا كتبهَا اللهُ على قوائمِ العرش "لا إلهَ إلا الله محمد رسول الله"، ماهي مكتوبة في النت ولا في دوائرِ المخابرات ولا في دوائر الحكومات .. يا هذا! على قوائمِ العرش؛ هذا أعلى ما يمكنُ أن يُقرأ ويُكتبَ وأجلُّ شأن "لا إله إلا الله محمد رسول الله"..

أبونا آدم فَقِهَ الأمرَ؛ أول ما نُفِخ فيه الروح وفتحَ عينيه وجَّه اللهُ عينَيه إلى هذه الكتاب، ونظرَ على قوائم العرش "لا إله إلا الله محمد رسول الله"  -وحلَّ في ذهنه معنى أراده الله له؟- فلمَّا أكلَ من الشجرة وناداه ربه {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} جاء في السنة أنه قال: "اللهم بحقِّ صاحبِ هذا الاسمِ بحقِّ محمدٍ اغفِر لي". قال: وكيف عرفتَ محمد ولم أخلُقه بعد؟ قال: لما نفختَ فيَّ من روحِك نظرتُ قوائمَ العرش فإذا مكتوب عليها "لا إلهَ إلا الله محمدٌ رسول الله" فقلتُ إنك لم تضِف إلى اسمِك إلا اسم أحبِّ الخلقِ إليك. قال الله: صدقتَ، وإني أبرزُه في عالم الحسِّ مِن ذريَّتِك ومِن أولادِك -في العالم الإنساني أُبرزه في هذا، هذا صاحب الاسم- فهو مِن ولدِك وبحقِّه غفرتُ للوالد بالوالد، ولو تَشَفَّعتَ إليَّ بمحمدٍ في أهل السماوات والأرض لشفَّعتُهم فيه، ولولاه ما خلقتُك ولا خلقتُ سماءً ولا أرضا. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم..

"لا إله إلا الله محمد رسول الله" عليها نحيا وعليها نموت وعليها نُبعَث إن شاء الله. بها تُستدفَع الكروب وتُدفع الخطوب وتُرفع الحروب، وأنواعٌ من البلايا والشغوب؛ بسرِّها ستندفع، وما يُنعمُ الله على العبادِ فيما يقبلُ عليهم إن شاء اللهِ مِن الخير مِن سرِّ "لا إله إلا الله" يُقرأ أثرُه في أحوالهم وشؤونهم، وقمع أهل الشغب وأهل المعاندة للرب، وأهل الطغيان الذين أعجبَهم الفساد على ظهر الأرض، وما علموا أنَّ لكل شيء حد، ولكلِّ شيء مقدار، ولكلِّ شيء أجل {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} ما قال لكم " يتداولونها" ؛ الجبار قالل لكم: {نُداولها} قال لكم {نُدَاوِلُهَا} أنا يقول الربُّ أنا الذي أُطَلِّع أُنَزِّل أرفّع.. ما تقرأون {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} هل تريدون أن تستوعبوا هذه الحقيقةَ واضحة؟ انظروا أمامكم في عالم الحس: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} هل يشاركه أحدٌ في هذا؟ هل يوجد غيره يتصرف في هذا؟ {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} هو بنفسه هو هذا ؛ كما يولج الليل في النهار ويولج الليل في النهار يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء؛ شيء واحد ، كله تحت قبضته، تحتَ حكمه، وتحتَ حكمتِه سبحانه..

ونسأله عظيمَ رحمتِه، وأن يُصلِح أحوال أمة هذا الحبيب وأن يكشفَ الكروبَ والبلايا والشدائدَ عنهم.

 يا حيُّ يا قيومُ يا الله: اجعل كلَّ حاضرٍ معنا وسامعٍ لنا عندك مِن خواصِّ أهلِ " لا إله إلا الله"، ولا تُمِتهُ إلا متحقِّقًا بحقيقة "لا إله إلا الله"، واجعل آخرَ كلامِ كلٍّ منَّا مِن هذه الحياةِ الدنيا: "لا إله إلا الله"..

خيرُ ما أنطقتَ به عبادَك، وخير ما شرَّفتَ به القلوبَ والألسن؛ تهتزُّ له أعمدةُ العرش، قولٌ عظيمٌ عندك {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}، فإن كانَ في الكلمِ طيِّب فإنَّ أطيبَ الكلِم "لا إله إلا الله" {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ..} وأثبتُ القولِ الثابت: "لا إله إلا الله" {..فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}، {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} "لا إله إلا الله" ، ألزِمنا إيَّاها، واجعلنا مِن خواصِّ المطَّلعِين على معناها وعلى أسرارِها، وما احتَوته من عجائبِ العبوديَّة لك وشهودِ الربوبية التي تنطوِي فيها العبوديَّة، يا حيُّ يا قيُّوم يا أرحمَ الراحمين يا الله..

استودعناكَ يا ربِّ سرَّ "لا إلهَ إلا الله" لكلِّ قلبٍ مِن قلوبِنا وقلوب الجميع الحاضرين والسامعين يا خيرَ مستودَعٍ فكن لنا ولهم حافظاً وثبِّتنا عليها، وأحيِنا عليها، وتوفَّنا عليها، واحشُرنا في زمرة كُمَّلِ أهلِها وأنت راضٍ عنَّا يا الله..

ونفحاتُ الله في ربيعٍ منتظرة قلوباً تصقلُها صقلاً وتملأها بسرٍّ مِن أسرار "لا إله إلا الله"، فاجعل قلوبَنا مِن هذه القلوب المنظورةِ منك بنَظرِ الرحمةِ يا أرحمَ الراحمين يا الله، واجعل في شهرِ ربيعِ الأول المقبلِ علينا هذا حظَّاً وافراً مِن صَقلِ القلوب بنُورِها وسرِّها وتصفيتِها وحلولِ أسرارِها في القلوب يا مقلِّبَ القلوب يا الله، يا الله ، يا الله ..

نعم الإلهُ إلهكم والمولى مولاكم والرب ربُّكم "الله" لا إله إلا هو؛ فتوجَّهوا إليه بالصدقِ أجمعين ونادوه يا الله.. يا الله

اقبَلنا وإياهم أجمعين، وأدخِلنا في دائرةِ الحبيبِ الأمين، وارفَعنا أعلى مراتبِ التَّمكين؛ في حقائقِ "لا إله إلا الله" في مقاماتِ علمِ اليقين، وعينِ اليقين، وحقِّ اليقين، يا أكرمَ الأكرمين.

يا أرحمَ الراحمين: حقِّقنا بحقائقِها في أعلى مراتبِ علمِ اليقين، وعينِ اليقين، وحقِّ اليقين.. يا الله، برحمتِك يا أرحم الراحمين. وادفعِ البلايا عنَّا وعن الأمةِ أجمعين.. والحمد للهِ ربِّ العالمين.

للاستماع للمحاضرة:

لمشاهدة المحاضرة: