محاضرة مكتوبة بعنوان: غنيمة العمر وحاجة الأمة إلى الثقة بإلههم والاعتماد عليه متحرِّرين من تبعية أعدائه

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ بدار المصطفى ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 16 محرم 1442هـ بعنوان:

غنيمة العمر وحاجة الأمة إلى الثقة بإلههم والاعتماد عليه متحرِّرين من تبعية أعدائه

بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيم

الحمدُ لله الذي أراكُم وأسمعَكُم وجوهَ الوِجهَةِ إليهِ والإرادةِ لنُصرتِه تبارك وتعالى، والإقرارَ بألوهيَّتِه وربوبيَّتِه وعظَمتِه، والاستعدادَ للقائه، والاقتداءَ بمَن أحبَّ مِنَّا الاقتداءَ به عبدَه المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، وأراكم أنَّ كثيراً مما يُذكَرُ في العهدِ النبوي ثم في عهودِ التابعين وتابعي التابعين والصالحين الذين مضَوا قبلكم يُجَدَّد ويُذكَر في وقتِكم لتعلمُوا واحديَّة الخالق وأنَّ الخَلْقَ هم خَلْقُ واحدٍ أحد فردٍ صمدٍ، وأنهم محتاجون لِمَا أوحى ولِمَا أنزَل ولِمَا أرسلَ ولِمَا بيَّنَ على ألسُنِ رُسلِه الكرامِ الذين جعل لهم نبيَّكم محمداً خيرَ ختام صلوات ربي وسلامه عليه وشرَّفَكم به أعظمَ التشريف وأجلَّ الإكرام.

فللَّهِ الحمدُ الذي جعلنا مِن هذه الأمة، حقِّقنا بحقائقِ الارتقاءِ في فَهمِ ما أوحيتَ إلى هذا القلبِ المنوَّرِ الأشرف، ووعيِ ما أنزلتَ عليه حتى بالعملِ به وبالتَّضحيةِ في سبيلِه نتشرَّف، برحمتك يا أرحم الراحمين وجودك يا أجود الأجودين.

وهي دعوة الحقِّ بالفضلِ والإحسان بارزةً في اختياره واصطفائه للأنبياء والمرسلين وقيامهم بالحقِّ والهدى والبيان وخَتمِهم بخيرِ إنسان مَن أنزل عليه القرآن، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ هذه الدعوةُ الإلهيَّة تَسرِي سِرَايَاتُهَا إلى العقول والقلوب فيَهدي اللهُ لنُورِه مَن يشاء، ويا فوزَ المهتدين، ويا فوزَ الهادِين الذين يجعلُهم رَبُّ العرشِ أسباباً لهدايةِ خلقِه وتقريبِ خلقِه وإنقاذِ خلقِه.

وهكذا سمعتُم تواصيكم بشؤونِ الإقبالِ على الله والتعظيمِ لأمرِ الله، والحضورِ في المجالسِ التي الأرواحُ فيها تشعرُ بتخلُّصِها مِن كآبةِ الدنيا وضيقِها وآفاتِها وغُرورها وزورِها وباطلِها وشرورِها وأضرارِها وأكدارِها، ولَعبِ إبليسَ بمَن معه فيها بأنفسِهم ومحاولة اللعبِ على مَن سواهم على ظهرِ الأرض {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا}.

وكل مَن استبدلَ خضوعَه لألوهيَّة الإلهِ الحق الواحد الذي خلق سُلِّطَ عليه هؤلاء الخلق ليقودوه إلى موجبِ القذر والكدرِ والشقاوةِ في الدنيا والآخرة -والعياذ بالله تبارك وتعالى- {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} اللهم حَقِّقنَا بالتقوى، وارزقنا العملَ بوصيَّتك ووصيةِ رسولِك يا أكرمَ الأكرمين ويا أرحمَ الراحمين.

ورأيتم هذه الصورة والنموذج مِن أخيكم.. صبر سنتين، فما تساوي صبره في السنتين!؟ إسلام واحد.. فكيف بجماعة؟ فكيف بأُسَر! والصغار جاء بعدهم الكبار والأُسَر ودخلوا في دين الله تبارك وتعالى، وفيهم مَن سَيَفِدُ إلى مَعهدِكم هذا ومَوطنِكم هذا، وينتشرُ بكثيرٍ منهم الإسلامَ أيضا فيمن عَداهم وفيمَن سواهم {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} وعدٌ مِن الله تبارك وتعالى. ولكن شأنُ الصدق هو الصدق، والسَّبْق هو السَّبْق لا شيء غيره.. في هذا الوقت الذي تطوَّر فيه الناس، ما أثَّرَ في القلوب إلا الثباتُ والصبر.. لو كان مِن أول سنة تَعب وقال كفى ورَوَّح رَوَّح وضاع عليه كثيرٌ مِن الخيرِ الكبير، ولو كان بعد ما بكَت ابنتُه ورمَت نفسَها على حضنِه وقالت لِمَ تُبقِنَا بين هؤلاءِ القومِ رَقَّ للبنت وخرج .. فاتَهُ خيرٌ كبير، ولكن ثبَّتهُ اللهُ وقال خُذِ النتيجة، عمل قليل وأعطيكَ عليه ثواب جزيل وأعطيك خير كثير، و: (والله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدا خير لكم من حُمْرِ النِّعَم).

وهكذا هكذا ولنتذكَّر في سبيل هذه الدعوة.. بعضنا يرى أنه ضحَّى وقام بواجب الدعوة.. متى رُميت؟ متى رُميت بالحجارة؟ هذا يُذَكِّر بمَن؟ ويُذَكِّر بمن مضى.. وبلال تحت السياط ويصيح: أَحَدٌ أَحَدٌ. عليه الرضوان.. إلى أن جاءت النتائجُ والثمراتُ المشيرةُ إلى أبديَّةِ الانتفاعِ بهذا الخيرِ عند خروج روحِه وهو في سكراتِ الموت.. وأحسَّت زوجتُه بالموت قالت: واكرباه واكرباه! فتح عينَيه وهو في السَّكرات قال: لا، بل وا طربـــاه وا طربــــاه غداً ألقى الأحبة محمداً وحزبَه. قال أنا أذهب إلى عند محبوبي وإلى مقابلةِ إلهِي وربي ومرافقةِ حبيبِه وصَفيِّه.. فأين الكربُ في هذا!؟ بل وا طربـــاه وا طربــــاه.. عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

ونال المنزلةَ في الدنيا قبلَ الآخرة؛ كان أميناً عند النبي، وكان مُختَصَّاً بكثيرٍ من شؤونِ نفقاتِه وأحواله، وكان محلَّ نظرِه وعنايتِه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ورفعَ الله له قدرَه وكان سيِّدَ قومِه الحبشة، عليه رضوان الله جَلَّ جلاله وتعالى في علاه.

وهكذا ليُقال لكم أنَّ الخلقَ هم الخلق والخالق واحد؛ ومَن قصدَ وجهَ الخالق وأرادَ نصرتَه فبالسبيلِ الذي مضى عليه السيدُ الهادي الدليل، مركزُ التعظيم والتبجيل، بالفعلِ والقيل، بما جاء به عن الملكِ الجليل جَلَّ جلاله وتعالى في علاه، وهذه هي النفوس، وهذه التركيبةُ لهذه البنيَةِ البشرية وتأثُّرها برؤيةِ الإسلامِ مُطبَّقَاً، برؤيةِ الإسلامِ مفعولاً، برؤيةِ الإسلامِ قائماً بحقيقتِه.. ما تأثروا بأقوالِه، ما تأثروا بمجرَّدِ ظاهرِه، ولكن بصبرِه وبثباته وبخُلُقُه جاء الأثر..

والخُلقُ والثبات هو لسانُ الدعوةِ مِن جامعِ الخُلقِ الكريم صلى الله عليه وسلم وعلى آله {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله ومَن اهتدى بهداه..

وكلُّ ذلك يقيمُكم أمامَ أعوامِكم التي تمرُّ بكم مقامَ المُدَّكِرِ المُعتبِر، إنَّ الأعوامَ تُغَيِّبُ الأجسادَ مِن على ظهرِ الأرض إلى بطنِها ليتهيَّأ خروجُها في يومٍ يُحِشَرُ الناسُ فيه ويُنفَخُ في الصور  {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} جَلَّ جلاله وتعالى في علاه..

وهناك تأتي النتائجُ لهذه الحالة التي مرَّت بكَ وأنتَ على ظهرِ هذه الأرض؛ ما عملتَ في أيامِك وأسابيعِك وأشهرِك وأعوامِك عام مِن بعد عام.. تُغَيِّبُ الأنامَ وتوصلُهم إلى القبور وتهيِّئهم للبعث والنشور، وتُلحِق الأخير بالمتقدِّم، وهكذا إلى أن يأتي ميعادُ النفخِ في الصور؛ فاغنَم أيامَك ولياليك، لا يكون عامُك مثل العام الذي في ماضيك والذي مضى عليك، وانظر كيف تستقبلُ عامَك الجديد بتلقِّي فائقِ فضلِ ذي العرشِ المجيد، الفعَّال لِمَا يريد، الذي يُقَابِلُ مَن آمنَ به ووحَّده وأقبلَ عليه بما هو تعالى أهلُه. وإقبالُ المقبلين وتوحيد الموحِّدين وإيمانُ المؤمنين كرمٌ مِن كَرمِه؛ ولكنه يضيفُ إلى الكَرمِ كرماً، ويزيد بالنِّعَمِ نِعمَاً. ونِعمَ الذي خلَقَنا لنربحَ عليه لا ليربحَ علينا، وهو الغنيُّ عن العالمين جل جلاله وتعالى في علاه..

فافقَهوا حقائقَ مهماتِكم الكبرى في هذه الحياة، لا يهتدي إلى توظيفِكم فيها أفكارُ المفكرين مِن أهل الشرق ولا من أهل الغرب، ولا يهتدي لتوظيفِكم فيها مجردُ عقولكم؛ لكن خالق عقولِكم وخالق كل ما حواليكم بيَّنَها لكم وقال وظيفتكم كذا وخلقتكم لكذا واعملوا كذا. اعلموا قدرَ هذا الإله، وقدرَ ما أوحاه، وقدرَ ما هداكم إليه، ولا تغترُّوا بأنفسِكم ولا بسواكم يصدُّكم عن سبيلِه جل جلاله ويُغريكم بالرغبةِ فيما لا يفيدُ ولا ينفع، بالرغبةِ فيما يَضُر وفيما يُبعِد وفيما يُشقي، وهذه شغلةُ إبليسَ على ظهر هذه الأرض {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ * وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} وأسكَنَ آدمَ الجنةَ وعلَّمَه بعد أن علَّمَه وفهَّمَه بعد أن فهَّمَه وأنزلَه إلى الأرض قائلا: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ} اللهم أَعِنَّا على ذكرك وشكرِك وحُسنِ عبادتِك يا ربَّ العالمين ويا أكرم الأكرمين.

يقول سبحانه وتعالى عن إبليس: {قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا}. وهي مواعيدُ مِن وعدِ إبليس، تفرَّعت كلُّ المواعيد التي يوعد بها مَن يخالف أمرَ الله مَن يؤذي عبادَ الله على ظهرِ هذه الأرض ليُعطَى كذا أو لينالَ كذا من المواعيد {وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا}. وفي القيامة يقول: {إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} ويقول هكذا في الآية الأخرى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} أماني كثيرةٌ هي الملعوبُ بها في الذين قالوا إن عندهم طموح وعندهم أنظار، وهم حاملين آلية الإيذاءِ لعباد الله، الاستبداد على خلقِ الله جل جلاله، الاعتداء على ثرواتِ الناس، الأنانيَّة وما إلى ذلك؛ وما هم إلا جندُ هذا الخبيث -والعياذ بالله تبارك وتعالى- والواقعون في شَبكتِه، والمواعيدُ كلُّها والأمنياتُ التي في أذهانِهم غرورٌ في غرورٍ يدركُه أحدُهم لو عَقَل لو أصابته شِدَّةٌ في الدنيا أو مرضٌ لبدأ يُدرِكُ الأمر، أمَّا إذا بلغتِ الروحُ الحلقومَ فلا تَسَل..

لا إله إلا الله الحيُّ القيوم، وأصدقُ الخلقِ النبيُّ المعصوم.. كُلٌّ يدركُ ذلك { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

والسُّبُل مع رسولكم؛ همَّتكم ووجهتكم في القيامِ بأمرِه وتحكيمِه في أنفسكم وأهليكم وأُسَرِكم ومناسباتكم، لستم أتباعاً لآل المشارق والمغارب ومعكم نعمةُ العبودية لربِّ المشارق والمغارب، ونعمةُ التبعيَّةِ لسيِّدِ أهلِ المشارق والمغارب الذي لم يخلق رَبُّ المشارق والمغارب أطيبَ منه في الأطايب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فأنتم في غِنىً عنهم وعن أفكارِهم وعما عندهم.

 ولا يهولنَّكم شيءٌ مِن أمرهم؛ خَلْقٌ من خَلْقِ الله تبارك وتعالى.. يهولُ الناسَ ما يُحدِثُ الدجَّالُ في ساعاتٍ من الساعات ويتبعونه ويفتتِنون -والعياذ بالله- فيخسرون الدنيا والآخرة!

وكل الأماني الغرور والمواعيد الغرور تذهب وتبور، ويُظهِرُ اللهُ دينَه سبحانه وتعالى على رغمِ أنفِ كلِّ مَن لم يُرِد ذلك ولم يَرتضِ ذلك {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}، فليكرَهوا ذلك، والإرادةُ ليست لهم، والمُلكُ ليس لهم، والخالِقِيَّة ليست لهم، وليس لهم الأمرُ مِن قبلُ ولا مِن بعد، ولكن للهِ الأمرُ مِن قبلُ ومِن بعد.

تهيَّأوا بالعزائم لاغتنامِ شريفِ الغنائم، في خلال الأيام والليالي. وعام أقبل على أمةِ النبيِّ محمد عليه الصلاة والسلام نسأل اللهَ أن يجعله مفتاحاً لصلاحِ القلوب، ومفتاحا لإيثارِ الربِّ على كلِّ مربوب، وإيثارا لمتابعةِ حبيبِه المحبوب في القول والفعل والنية والعمل لنتشرَّف ويتشرَّف مَن ورانا من كُلِّ مَن أصغى واستمع بسننِ النبي محمد وأخلاق النبي محمد، لسنا محتاجين إلى أي أحد في شرق الأرض ولا غربها يأتينا بسنة أو هدي أو خلُق

فَمَا مِن خُلُقٍ في البَرِيَّةِ محمود** إلَّا وهو مُتَلقّىً عن زَيْنِ الوجود

يقول في بيان دعوته: (ما تركتُ بَابَاً مِن أبوابِ الخيرِ إلا دَللتُكم عليه وأمرتُكم به، ولا بَابَاً من أبواب الشَرِّ إلا نهيتُكم عنه وحذَّرتُكم منه). وكل ذلك في سنواتٍ قليلةٍ وفي عُمرٍ قصير، ما أعظمَه وما أنورَه، عمر أقسمَ به ربُّ العرش {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}

وأقسم رَبُّ العالمين بِعُمرِهِ ** وأَعظِم بِهَا مِن مَالِكِ المُلكِ قَادِرِ

أقسمَ بالزمن الذي قضَّتهُ هذه الذَّات المخلوقة ذاتُ عبدِه المحبوب عليه الصلاة والسلام على ظهرِ الأرض مِن حينِ وضعَته آمنةُ إلى أن قُبِضت روحُه في المدينة المنورة؛ عمرٌ تميَّز عن بقيةِ الأعمار أقسمَ الحقُّ به في كتابه. وفي الآية الأخرى قال: {وَالْعَصْرِ} وعصرُه مطابقٌ لهذه الآية في قولِه {لَعَمْرُكَ} {وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}. وإن كان القَسَم بصلاةِ العصر وبوقتِ العصر فمِنه عُرِفَت ومنه أُخِذَت ومنه جاءت، وإن كان بالعصرِ الدهر فأشرفُ الدهورِ دهرُه وخيرُ العصور عصرُه و: (خيرُ القرون قرني) فهو داخل في هذا القسم بكلِّ معاني ما قيل في أقوالِ أهلِ التفسير. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولواءُ الحمدِ بيدِه، وهو أوَّلُ شافعٍ وهو أوَّل مشَّفع.

تهيَّأوا للشرفِ الأفخر، أبعِدُوا عاداتِ التقاليدِ لليهود وللنصارى وللمُلحدين وللمفسدين على ظهرِ الأرض، أنت مسلم في زواجِك هل تحتاج أن تقلد ملحدا!؟ او تقلد يهوديا!؟ أو تقلِّد مجوسيا!؟ يا مسلم!! اعرف قدرَ الإٍسلام! اعرف قدرَ العبوديَّة لربِّ الأنام! مَن هؤلاء وما عاداتُهم؟! خُذ لك سُنَن، خُذ لك آداب، خُذ لك فرحاً بشريعة، خُذ لك فرحاً بتربية، خُذ لك فرحاً بتقوى، خذ لك فرحاً يتَّصلُ به فرحُ الدنيا بفرحِ الآخرة، ونِعَمُ الدنيا بنعيمِ الآخرة، واحذر مِن ضحكٍ قليلٍ يعقبُه بكاءٌ كثير، ومن رعشة وفرح حقيرة يسيرة تعقبها آهات وأنَّات وأتعاب وآلام وأوجاع كبيرة! (ليس يتحسَّر أهل الجنة في الجنة على شيء إلا على ساعة مَرَّت بهم لم يذكروا الله فيها). خيار الأمة من عهد الصحابة ومَن بعدهم زواجاتهم مناسباتهم غمرُوها بذكر الله، غمرُوها بذكر محمد، شعر، نثر، قول فعل، المدير يديرُ الماء ويذكرُ اللهَ ورسولَه، ويُقَرِّبُ الطعام يذكر الله ورسوله، والمُفَرِّش يفرش ويذكر الله ورسوله، والطباخ يطبخ ويذكر اللهَ ورسوله.. هكذا الإيمان، هكذا الصِّبغة {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}. فجاءوا للَّعبِ على الأفكارِ والعقول وشغلُوها بمشغلاتٍ حقيراتٍ فانياتٍ وزائلاتٍ، بل مُكَدِّرات ومُنَغِّصات بل ومُظلِمَات -والعياذ بالله تبارك وتعالى- {واللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}.

الحمد لله على ما وفَّقكم، وعلى ما بسطَ لكم، وعلى ما جمعَ هذه القلوبَ وأبدَى هذه التباشيرَ لنُصرتِه ونصرةِ البشيرِ النذير، والله يبارك لنا وللأمة في ذلك، وفي القلوبِ الصادقةِ معه في شرقِ الأرض وغربِها مِن الإنسِ والجنِّ، اللهم بارِك لنا فيهم، وزِدهم توفيقاً وصدقاً وإخلاصاً، واجمع هذه القلوب على نصرتِك، واكبِت بهم يا مولانا أعاديك ومَن يعادي دينَك ومَن يعادي رسلَك ومَن يُكَذِّب أنبياءَك ومَن يبغونَها عِوَجا، ادفع عنَّا شرَّهم وادفع عنا ضرَّهم، واجعل تبعيَّتَنا لمن فرضتَ علينا اتِّباعَه ووعدتَنا أن تحبَّنا على ذلك الاتباع يا حيُّ يا قيوم {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}

اللهم لا تجعل في الحاضرين معنا والسامعين لنا إلا مَن كتبتَ له في بقيَّة عمره حسن الاتباع لهذا الحبيب، وكتبتَ له ثمرتَه مِن حقيقة: {يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}

"يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ" هل سمعتَها؟ لو سمعتَها لطُرِبتَ، لو سمعتَها لطلَّقتَ كلَّ قاطع وأذهبتَ الموانع وصدَقتَ مع الحقِّ جَلَّ جلاله القريبِ السامع {يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أكرِمنا بذلك يا مَلِكَ الممالك، وانشرِ الخيرَ في بقاعِ الأرض، ولا تُخزِنا في يومِ العَرض، واجعلنا في زمرةِ عبدِك المصطفى، وتولَّنا بما تولَّيتَ به أهلَ الصدقِ والوفاء، يا حيُّ يا قيومُ يا رحمنُ يا رحيمُ يا الله..

{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}

توجَّهُوا إليك والتَجئوا إليكَ وتذلَّلوا بين يديكَ يطلبونَكَ وما عندك، لا إله إلا أنتَ فأكرِمنا وإياهم بما أنتَ أهلُه يا الله، حَقِّق كلَّ قلبٍ مِنَّا بحقائقِ: "لا إلهَ إلا الله"، وثبِّت قلوبَنا وألسنَتَنا في الدنيا والآخرةِ على حقيقةِ: "لا إلهَ إلا الله"، أنت القائل وأنتَ أصدقُ قائل: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} اللهم اجعلنا والحاضرين والسامعين مِن خواصِّ مَن ثبَّتهم بالقولِ الثابتِ في الحياةِ الدنيا وفي الآخرة. وما القولُ الثابتُ إلا: "لا إلهَ إلا الله محمدٌ رسولُ الله" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم

اللهم اقبَلنا وأقبِل بوجهِكَ علينا، وأذِقنا اللهمَّ بردَ عفوِك وحلاوةَ رحمتِك ولذَّةَ مناجاتك،

 يا الله .. يا الله

ندعوكَ يا الله، نرجوكَ يا الله، نسألكَ يا الله، نطلبُك يا الله، نُلِحُّ عليكَ يا الله، ما لنا غيرُك يا الله، أنت ربُّنا يا الله، أنت مولانا يا الله، نقرعُ أبوابَ جودِك فافتَحها يا الله، يا الله .. يا الله

حاليَة، ترفعُ مَن قالَها بالصدقِ إلى المراتبِ العالية.. يا الله .. يا الله .. يا الله

لو التقت أرواحكم بمَن قد قالَها في المجامعِ المباركة ثم انتقلَ إلى البَرزخِ لحدَّثكُم عن آثارِها في البرزخِ وما يكونُ فيها

 يا الله.. يا الله

على ظهرِ الأرض قلوبٌ تُنادي النفوسَ وتنادي الخلقَ وتنادي الأنظمةَ وتنادي الحكومات وتنادي الأحزابَ، وهذه قلوبٌ تنادي الرَّب وتقول "يــــا الله"

حاليَة ترفعُ قائلها بصدقٍ إلى المراتبِ العالية، يا الله، عدَّتُنا أنت للغرغرةِ وحينَ المماتِ يا اللـــــه، عدَّتُنا حينَ الوضعِ في القبورِ أنت يـــا اللــــه، وعدَّتُنا إذا تطايرتِ الصحفُ فمِن آخذٍ كتابَه باليمين ومِن آخذٍ كتابَه بالشمال عُدَّتنا أنت في تلك الساعة وذلك الموقفِ يـــا اللـــــه، ونقولُ لنَصبِ الميزان إذا نُصِبَ لوضعِ الأعمال فيه نعدُّ لذلك نداءكَ ونقول لك: يــــــا الله، وإذا نُصِبَ الصراطُ على متنِ جهنَّمَ وأُمِرنا بالمرورِ عليه فكانَ الناسُ زُمَراً فأنت عدَّتُنا لذلك الموقف وإنَّا نُعِدُّ لذلك الموقفِ أن نناجيَك وأن ندعوَك وأن نناديَك وأن نطلبَك وأن نقولَ لك: يــــــا الله، اجعلنا في الزُّمرِ الأولى مع خاتمِ المرسلين إلى جناتِ النعيم وإلى مواطنِ التكريم بما أنتَ أهلُه يا عليُّ يا عظيمُ يا رحمنُ يا رحيمُ يا حيُّ يا قيومُ يـــــــــــــا اللـــــــه، دعوناكَ كما أمرتَنا فاستجِب لنا كما وعدتَنا إنك لا تخلفُ الميعاد.

نِعمَ الرَّبُّ أنت، نِعمَ الإله أنت، نِعمَ الخالق أنت، نِعمَ الرازقُ أنت، نِعمَ الغافرُ أنت، نِعمَ الرحيمُ أنت، نِعمَ الرحمنُ أنت، نِعمَ المتفضِّلُ أنت، نِعمَ المُحسِنُ أنت، أنت أنت ومَن خيرٌ منكَ يـا اللــه، وأنت الذي وفَّقتَ عبادَكَ أن يناجوكَ وأن يدعوكَ وأن يرجوكَ وأن يطلبوكَ وأن يهتِفُوا باسمِك لكل شدائدِهم ورخائهم ولكلِّ سرِّهم وإعلانِهم ولدنياهم وآخرتِهم، ليَمنِنا وشامِنا وشرقِنا وغربِنا نقول لك: يــــا اللـــــه، للناشئة الذين ينشأون مِن بيننا نقول لك: يـــا اللــــــه، لكفايةِ فتنِ الدجال وما يسبقُ الدجالَ مِن فتنِ أهلِ الضلال نقول لك مُحَصِّنين ديارَنا وأنفسَنا وأهلينا وأولادَنا وطلابَنا وأحبابَنا نقول لك: يـــــــا اللــــــــــــــه..

أتدرونَ مَن دعوتم؟ ومَن رجوتُم؟ ومَن سألتُم؟ ومَن طلبتُم؟ اللـــه اللـــه .. اللـــه اللــــه تعالى في علاه.

يا رب اجعلنا في خيارِ عبادِك أهلِ محبَّتِكَ وأهلِ ودادِك وأهلِ الصدقِ في الوفاءِ بعهودِكَ يا أكرمَ الأكرمين. واشفِ مرضانا، وعافِ مبتلانا، وردَّ عنَّا كيدَ أعدائك أعداءِ الدين، ولا تبلِّغهم مراداً في يمنِنا، لا تبلِّغهم مراداً في شامِنا، لا تبلِّغهم مراداً في شرقِنا، لا تبلِّغهم مراداً في غَربِنا يا ربَّ المشارقِ والمغارب،

يــا اللـــه .. يا اللـــــه

عجِّل بالفرجِ للمسلمين، وارفع الحرجَ عن المؤمنين، واجمع شملَ أهلِ "لا إلهَ إلا الله" أجمعين على ما تحبُّه وترضاه يا أرحمَ الراحمين ويا أكرمَ الأكرمين.. والحمدُ لله رب العالمين.

 

للاستماع إلى المحاضرة: