محاضرة مكتوبة بعنوان: أسرار وكرامة إدراك خطاب رب الأرباب بالوحي على سيد الأحباب وآثاره في الأولى والمآب

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ، ضمن سلسلة إرشادات السلوك، بدار المصطفى، ليلة الجمعة 20 شوال 1441 هـ بعنوان:

أسرار وكرامة إدراك خطاب رب الأرباب بالوحي على سيد الأحباب وآثاره في الأولى والمآب

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم

الحمدُ لله الأولِ الآخِرِ المُقَدِّمِ المؤخِّرِ الباطنِ الظَّاهِرِ، مَن بيدِه أمرُ كُلِّ شيء، وإليه ملكوتُ كلِّ شيء، المُذَكِّر المُنَوِّر المُطَهِّر بعجائبِ ما يُرسِلُ مِن حضرتِه الإلهيَّةِ العَلِيَّةِ على هذه البرية، وخصوصاً على المكلَّفين على ظهرِ الأرض مِن الإنسِ والجنِّ الذين سبقَت العنايةُ منه تبارك وتعالى بالإرسالِ إليهم، وبأنواعٍ من الخطابِ مِن حضرةِ قدسيَّتِه وحضرةِ ألوهيَّته وربوبيَّته لِمَا هَيَّأَ أرواحَهم التي خلقَها مِن استقبالِ أسرارِ ذلك الخطاب الذي تكرَّم به ربُّ الأرباب جلَّ جلاله وتعالى في علاه، وأنزل ذلك على الأنبياء صلواتُ الله وسلامُه عليهم حتى جاء خاتَمُهم عليه الصلاة والسلام، وينادي الحقُّ: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.

{يَا بَنِي آدَمَ} و{يَا أَيُّهَا النَّاسُ} وحَمَل الخطاباتِ سيِّدُ أهلِ الأرضِ والسماوات بخيرِ حَمْلٍ وبلَّغَها بأحسنِ بلاغ، وأدَّاها بخيرِ أداء، فلم تزَل مصدرَ الهدى فيما خَفِيَ وما بَدَا على طولِ المدى {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} صلوات ربي وسلامه عليه.

وكان بسِرِّ الطاعةِ للحقِّ التي لا ترجمةَ لها إلا اتباع حبيبِه المصطفى الأصدَقِ صلى الله عليه وسلم؛ كان وعيُ الوُعَاة، وسر الدُّعَاة، وولاية مَن تولَّاه الله، وبلوغ مراتبِ الصِّدِّيقية ومنازلِ القُربِ العَلِيَّة مِن ربِّ البريَّة مِن كُلِّ مُقَرَّب، مِن عهدِه الشريفِ إلى ساعتِنا هذه. ولن يجد بعد ساعتِنا هذه إنسِيٌّ ولا جِنِّيٌّ سبباً لحقائق القُرْبِ من الرَّبِّ ولا الفهمِ عنه ولا الوعيِ لما أوحاه، ولا حقائق نيلِ رضوانِه جلَّ جلاله وواسعِ أمانِه إلا مِن خلال هذا البلاغ، إلا مِن خلال هذا الأداء، إلا مِن خلالِ القيامِ بحقِّ هذه الأمانةِ مِن زَينِ الوجود محمد صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

لن يغنيَ عن ذلكم فِكرُ المفكرين، لن يغنيَ عن ذلكم اختراعُ المختَرِعين، لن يغنيَ عني ذلكم صناعةُ الصانعين، لن يغنيَ شيءٌ عن ذلك، ولن يوصلَ أيُّ شيءٍ سوى ذلك لحقيقةِ مَعرفةِ مَلِك الممالك جلَّ جلاله. الذي كُلُّ إنسِيٍّ وجِنِّيٍّ لم يُحظَ بنصيبِه مِن هذه المعرفةِ فليس بشيءٍ ولا بعضَ شيء، وهو مُعَرَّضٌ للغضب، وهو معرضٌ للعذابِ وسوءِ المنقلَب، وهو فاقدٌ لحقيقةِ المِيزةِ الإنسانيَّةِ والكرامةِ الإنسانيَّة والكرامة للعقلِ الذي آتاه الله تعالى الجانَّ من الجانِّ الذين أُرسِل إليهم سيدُ الأكوان وصَرَفَ بإرادته وسابقةِ إسعادِه مَن صَرَفَ مِن أولئك الجن {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا} ويُنصِتُونَ إلى مَن؟ وإلى لسان مَن؟ وإلى بلاغِ مَن؟ وإلى أيِّ مصدرٍ يُنصِتُ هؤلاء القَوم؟ {قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ} -تهيَّأوا للمراتبِ العُلَا بهذا الإنصاتِ مِن حضرةِ خاتمِ الرسالاتِ في ساعةٍ كانت عليهم مِن أبركِ الساعات- {فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} وحَمَلوا الأمانات وحَمَلوا الرسالة وأدَّوا البلاغ وعرفوا المهمَّةَ الكبرى في الحياة، ورجعوا إلى قومِهم مُنذِرين {يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ}.

{يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} أمامَ كلِّ هذه الأفكار، أمامَ كلِّ هذه التصوُّرات، أمام كلِّ هذه المساراتِ في الحياة لجميعِ الإنسِ والجن {يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ}.

أتدركون مَن الذي أنصَتنا إليه وعرَفنا عنه وسمِعنا منه؟! {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}.

ولا يَحسبِ المغترُّون عبيدُ الأسباب عبيدُ المظاهر عبيدُ الرخاء والشدَّة عبيدُ المرض والصحة؛ لا يَحسِبُوا أنهم بانتهاجِهم أي نَهْجٍ يَنسَون فيه مالِكَهم وخالقَهم ويُحَكِّمُونَ فيه عقولَهم وما انتهوا إليه مِن معلوماتِهم أنهم يفوزون أو يفوتون جبارَ السماوات والأرض أو يَسْلَمُونَ مِن القَهر {وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

واجتمعَت قلوبُهم على شهودِ القدرةِ للقادِر، والقَهرِ للقاهر، وعظمةِ المصيرِ واليومِ الآخِر بلحظاتٍ كانت مع خيرِ البريَّات تلا فيها الآيات، وعادُوا بهذا الوَعيِ والثقافات، وهذه المَداركِ والأذواقِ الرَّفِيعَات. وقَصَّ اللهُ علينا خبرَهم في الآياتِ المنزَلات، ليُبَيِّنَ لنا سبيلَ النجاة، وكيفيةَ نيلِ الفوزِ والمرتبةِ الكبرى لديه تعالى في عُلَاه، الممنوحة لكُلِ قلبٍ مِنَّا مُنيبٍ، يقول جلَّ جلاله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}. ويقول سبحانه وتعالى: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ}

{مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} مَسَالِك سَلَكَ فيها مَن أراد المَالِك نَجَّاهم من المَهالك، عليهم رضوان الله. فسِواهُم واللهِ هالك، فسِواهم واللهِ هالِك، فسِواهم واللهِ هالِك، نَمرودُهم وفرعونُهم وقومُ عاد وقومُ تُبَّع وأُولَئِكَ الأحْزَابُ والغافلون في زمانِنا، والمَاكِرُونَ في زمانِنا، والمفسدون في زمانِنا، ومُعَظِّمِو غيرِ اللهِ في زمانِنا، والمستَهزئون بآياتِ الله في زمانِنا، والذين نسوا اللهَ فأنساهم أنفسَهم وعملوا على أن يُنسُوا غيرَهم إلهَهَم جلَّ جلاله وتعالى في علاه؛ هم الهالكون، هم الهالكون والله، هم الخاسرون والله.

والقلوب التي اتَّصلت بأسرارِ هذا الوحي {منهم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ} هم الفائزون والله، هم السُّعداء والله، هم أهلُ الحظِّ في حقائقِ النجاةِ وحقائقِ القُربِ مِن المولى وَنيلِ رضاه جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

وهل المحكمةُ الكبرى إلا قادمةٌ على أوَّلِنا وآخرِنا؟! وعلى صغيرِنا وكبيرنا! {قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ}

الإبل العطشَى تشربُ مِن ذلك الشراب؛ هذا هو المآبُ لهم بحقيقةِ كلامِ ربِّ الأرباب. ولا حقيقةَ أعظمُ مِن حقائق الكتاب وحقائقِ الوحيِ المُنزَل على قلبِ سيدِ الأحباب، لا حقيقة أحقُّ من ذلك، ولا حقيقة أصدقُ من ذلك، ولا حقيقة إلا ذلك، لكلِّ مَن عرفَ سِرَّ المملكة وعظمةَ مالكِ الممالك جلَّ جلاله، وأنه لِمَ خُلِق؟ وما أعظم ما خَلَق {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} بكُلِّ تَطاوُلِه، بكُلِّ تكبُّره، بكلِّ إعجابِه بنفسِه أو بما حواليه {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ}

يا هذا المُكَوَّنُ مِن هذا الأمرِ المُستَقْذَر الحقير: إذا أراد أن يُرجِعَكَ الذي كوَّنكَ مِن هذا ما الذي يمنعُه؟ {إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ}.

أنتم في عالم الدنيا ترون قُوَاكُم وتَنَاصُرَكم في ساعةٍ من الساعات تَسيخ، في ساعةٍ من الساعات تَبوخ، في ساعة من الساعات تتغيَّر، في ساعة من الساعات يتنكَّرُ بعضُكم من بعض؛ وفي ساعة وفي موقف لا يقدر أحدُكم أن يُنقِذ أخاه مِن شيء ولا أن يحرِّكَ في وضعِه شيء، وأنتم في عالمِ الدنيا قبلَ انكشافِ الستارة، وقبلَ وضوحِ الأمرِ على حقيقته.

فيَا فوز المُلَبِّين لدعوةِ سيدِ المرسلين، نتحدثُ عنهم في كلِّ ما تركوا لنا من أقوالٍ أو أفعالٍ أو هدى؛ وهم حزبُ الله، وهم حزبُ محمدِ بن عبدِ الله، وهم أربابُ الصدقِ مع الله جل جلاله.

وهل للمؤمن خيارٌ أن يَبْذُلَ وِجهةَ قلبِه ومحبةَ فؤادِه لغيرِ أحبابِ الحق إذا آمنَ بالحق؟! لغَيرِ أهلِ القُربِ مِن الله إذا آمنَ بالله؟! أو يستبدل ذلك باغترارٍ أو إكبارٍ لشيءٍ مِن الأسلحة! لشيءٍ من الصناعات! لشيءٍ من الأجهزة التي إن لم تَدُلَّ على المُكَوِّنِ الأعلى ولم تُستخدَم في طاعتِه فهي وبال، وهي بلاء {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ} لا يُدركون الحقيقة؛ وإلا لَمَا اكتفَوا بلعبٍ من لُعَبِ الحياة الدنيا في جهازٍ من الأجهزة يَسَّرَ نقلاً أو يَسَّرَ نقلَ صوتٍ أو صورةٍ أو يَسَّرَ تحصيلَ غرضٍ من الأغراض في دائرة واحدة: دائرة الزوال والفناء والانتهاء والخراب. ما خرجوا مِن هذه الدائرة {إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ}.

نحن أمام ذاتٍ نفَذَت مِن أقطارِ السماواتِ والأرض؛ "ذاتُ محمد" بسلطانِ الحق، بقدرةِ الحق، وفي اللحظاتِ الخفيفة خَرَقَ السبعَ الطِّبَاق، ووصلَ إلى حضرةِ الإطلاق. فيَا فوزَ أتباعِه، ويا فوزَ وُرَّاثه، ويا فوزَ خلفائه، ويا فوزَ الأمة بخلفائه فيهم، ويا فوزَ الأمة بوُرَّاثِهِ فيهم.. عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

الذين ترون فيهم سرايةَ هذا الأثر الذي لا يمكن أن يَسْرِي مِن غير قلبٍ تنوَّر وتطهَّر حتى صارت الكلمةُ تؤثر، والصورةُ تؤثر، والوجهُ يؤثر، والمَسكُ باليد يؤثر، والالتفاتةُ تؤثر؛ مِن روحِ ومِن قلب تكون عند صاحبِها قال الحقُّ عن أوائلهم: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ}.

وقال فيمن فقدَت سرائرُهم هذا النورَ وهذا الإمدادَ العالي الواسع: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ}  على أقوالِهم يبدو ما في سرائرهم؛ في شعورِ بواطنِهم تُلحَظ على سِيماهُم وعلى اللَّحنِ في أقوالهم.

هكذا أيُّها الأحباب؛ حقائق مِن خالقِ الخلائق تَسْرِي في تقديمٍ تأخيرٍ، ونَفْعٍ وضُرٍّ، وإحياءٍ وإماتةٍ، وصِحَّةٍ وسَقَمٍ، ورخاءٍ وشِدَّةٍ؛ والأمر كلُّه له وبيدِه جلَّ جلاله وتعالى في علاه. المتَّصل به هو الفائزُ وللخير حائز، والمُتَقَوْقِع في مَضيقِ هذه التأثُّراتِ المُنقطع بها هو المُضَيِّع، هو المَغبونُ الذي يَغْبَن خيرَ الحياة، ويفوتُه خيرُ ما وراءَ الحياة مما هو أكبر ومما هو أجلُّ وأعظم وأطهر.

أيها العباد: ويَقُصُّ علينا الحقُّ شؤونَ القلوبِ التي اتَّصلت بأسرارِ هذا الخطاب مِن حضرتِه وآمنَت به ودخلَت في دوائرِ القُربِ منه، وإذا بأحداثِ العالمِ مِن حوالَيهم –وكلُّها حصلت- برخائها وشدَّتِها لكلِّ الأنبياء ولكلِّ أتباعِهم في حياتِهم صلوات الله عليهم وبعد وفاتِهم، وفي مختلفِ الأزمنة، والأكبر منهم الأنور الأطهر الأجل "محمد" صلى الله عليه وسلم ؛ يتلُو الحقُّ علينا أخبارَ ما عاناهُ وما قاساهُ وما نازلَهُ في هذه الحياةِ صلوات ربي وسلامه عليه، ويقول في حقائقَ ترمي بالبَصر إلى ما هو أحَقُّ وأقدر وأجدرُ بالنظر: {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ} ذكرَ موقفاً من المواقف وشدةً من الشدائد وهولاً مِن الأهوالِ حصل {إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ} أمام قُوَى الدولة وأجهزتها وما عندها "ثَانِيَ اثْنَيْنِ"! هو واحد منكم معشر الأمَّة منكم فقط ضمَّهم الغار؛ لكن لا الغار ضمَّهم؛ ولكن أنوار الغفَّار، ولكن عناية القهَّار {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}. ولمَّا أخذ يقول له: يا رسولَ الله، لو نظرَ أحدُهم موضعَ قدمِه لرآنا! قال: (يا أبا بكر ما ظَنُّك باثنين اللهُ ثالثُهما).

(يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين) هم اثنان مِن جهةِ العددِ والمَظهر وشكلِ الجسد (الله ثالثُهما) فماذا يقع الاثنين والثلاثة والأربعة والعشرين والمائة والمليون؟! (الله ثالثهما).

{لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا * فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ}. وكذلك يجعل كلمةَ الذين كفروا "السفلى" في كُلِّ زمان. بالنسبةِ للقلوبِ التي أكرمَها بالوَعيِ لذلك الوحي، بالنسبةِ للقلوبِ التي أرادَ اللهُ إسعادَ أربابِها تكونُ كلمةُ الذين كفروا أمامَهم بكلِّ زَمجراتِها وبكلِّ مظاهرِها: السُّفْلَى السُّفْلَى السُّفْلَى.

فأين العُلا؟ : {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}

مُهمَّتُكم في عبوديَّتِكم لي- في الرخاء والشدة- إذا قمتُم بحقِّها فأنتم عبادي المُكرَمُون الذين عليَّ إسعادكُم، عليَّ إمدادُكم، عليَّ إنعامُكم، عليَّ التفضُّلُ عليكم، عليَّ أن أدفعَ عنكم مالا تعلمون وأوتيكم ما لا تعلمون، وأن أُعِدَّ لكم ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سَمِعَت، ولا خطرَ على قلبِ بشر. فيقول عَقِبَ هذه الآيات: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ}. بعد ما يقول لنا ربنا { ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} نُصَدِّق مَن؟! نفوس أو أهواء أو أفكار مِن هنا أو من هناك تجيء!!!

وعِزَّة خالقِ السماوات والأرضِ تَكْثُر وتَكْبُر حسراتُ قلوبٍ كثيرةٍ ممَّن على ظهرِ الأرض اليوم مُغترِّين بغيرِ الله على فواتِ مثلِ هذا الإقبال، على فواتِ مثل هذه الساعات، على فواتِ اتصالِ القلوبِ بهذه الحقائقِ الرَّبَّانِيَّات {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ* إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} قال الله أنا لأيِّ حضارةٍ جعلتُ إرثَ الأرض؟ لأي دولةٍ جعلتُ إرثَ الأرض؟ لأيِّ إنسيٍّ أو جنيٍّ؟ أفراد أو جماعات جعلتُ إرثَ الأرضِ ليس فيهم مَن يرثُ الأرض {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}. 

مُبتداهم مِنَّا ومُنتهاهم إلينا {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم} مَن هذا الذي يُنَازِعُكم في حقائقِ توحيدي! مَن هذا الذي يُوحي إليكم وحيَ الكذب! هو أحقُّ أن تَستهزِئوا به، لا بالمرسلين، لا بالصادقين {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} كان أولَى أن تستهزىءَ بالذي يُورِدُك مواردَ الهلَكة، كان أولى أن تستهزىءَ بتجَّارِ الحرب، بتجَّارِ أسلحةِ الدمار، كان أولى أن تستهزىءَ بالدعاةِ إلى الفسوقِ والفساد؛ هم أحقُّ أن يُستَهْزَأ بهم؛ لا أنبياء الله، لا وحي الله. ولكن مصيبة هذه البشرية في طغيانِها يستهزئون بالأنبياء ويصفِّقون للأغبياء وللفسَّاقِ ويمشون وراءهم، إلا مَن هدى الله..

اللهم اهدِنا فيمن هديت..

رَبِّ إنَّ الهُدَى هُدَاكَ وآياتُكَ ** نُورٌ تَهْدِي بِهَا مَن تَشَاءُ

ووصلَ صلى الله عليه وسلم إلى دارِ الهجرةِ المشرَّفة، وأشرقَ منها كلُّ شيء، وأضاءَ منها كلُّ شيء، كما أخبر سيدُنا أنسٌ عليه رضوان الله تبارك وتعالى. وبدأت بعد ذلك الغزواتُ والسرايا، وإذا ببعد بدرٍ أُحُد تجيء.. وجاءت أحد وشدائدُها..

وهل أنقَصَت شيئاً في ذلك الرَّكب الذي فَهِمَ قلبُ كُلٍّ منهم سرَّ الخطاب؟ وصارحَهم الوهَّاب جلَّ جلاله في شريفٍ من التَّنَزُّلِ الرَّبَّاني لأخذِ قلوبِ هؤلاء وهم الملتفُّون حولَ صفوتِه العدنانِي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ يقول لهم: {قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ}، {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ}. أي: أيها الطائفة التي آمنَت بي وأدركَت عظمتِي وألوهيتي: مَنهجي الذي حملَه نبيِّي هو ميزانُ نَصرِكم أو خذلانِكم، هو ميزانُ نجاحِكم أو فشَلِكم، لا تغفلوا عنه ولا تلتَفِتوا إلى سواه ولا يغرَّنَّكم عنه غارٌّ.

{حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم..} قال لكم لا تبرحوا هذا الجبلَ إن انتصرنا أو هُزِمنا فذهبتم ولم يبقَ إلا سيدُنا عبدُ الله بن جبير عليهِ رحمةُ الله، ومعه الأفرادُ القليلون {وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ} مخاطباتٌ لإصلاحِ هذه القلوبِ في دقائقِ أحوالِها وشؤونها، كيف وهم المُأَدَّبُونَ بأدبِ "محمد"؛ فالربُّ تنزَّلَ لهم هذا التَّنَزُّل وخاطبَهم هذا الخطاب ورقَّاهم.

ثم أثنى عليهم جلَّ جلاله في أثناء هذا الكلام الذي ظاهرُه العِتاب -وهو رحمةُ الرحمنِ بهم وإنقاذُ ذي العَرش لشُؤونِهم وأحوالِهم ورِفعتِهم إلى المقامِ الأعلى- {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ثم يُثنِي عليهم جلَّ جلاله هؤلاء مِن بعد تلكَ الغزوةِ وبعد تلك الوَقْعَة، يقول جل جلاله: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ}.

هذا مسلكُهم.. فيهم الذي قرَّبت إليه زوجتُه الجَمْرَة وما تُكَمِّدُ به وتُضَمِّد جروحَه من أُحُد.. سمع المناديَ يمشي في الطريق: إنَّ رسولَ الله مشى إلى حمراءِ الأسد ويقول "مَن كان معه في الأمسِ في أحد فليَمشِ" . قال: أبعِدي هذا عني. قالت: انتظر، نُضَمِّد جروحَك ثم تلحق برسولِ الله. قال: لا جلوسَ بعد نداءِ رسول الله، ابعدي، ناوليني سلاحي.

أيها المجروح من أُحُد صاحب هذا التعب الذي فيك تنتظر تضمِّد جروحك قليل! قال: "ناوليني السلاح". أخذ سلاحَه ومشى خلفَ المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

كم سمعتم قصةَ الأخوين مِن أهلِ أُحُد؛ كان أحدُهما أشدَّ جراحةً من الآخر، ولما سمعوا النداءَ خرج مع أخيه، قال: يا أخي لشدَّة ثقلِك عندما أحسُّ بالنشاطِ سأحملُك قليلا ثم تسيرُ أحيانا وأحيانا سأحملُك لأني أخفُّ منك جروحاً.

جروح الرماح! جروح السيوف! ما هذا لَسع بعوضة ولا ذا لَسع نملة! رماح وسهام وسيوف أصابت أبدانَهم {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا..} هذا تعاملُهم مع الأحداث، هذا تعاملُهم مع الوقائع في الوجود {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} والنتائجُ حاصلة {فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ}.

{لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} مَن استُشهِد منهم ومَن بقي منهم ما مسَّ أحداً منهم سوء، ما مسَّهم والله سوء؛ مَسَّهُم قُرْب، مَسَّهُم رِضَا، مَسَّهُم غفران، مَسَّهُم اِمتِنَان، مَسَّتهُم دخولُ الجِنَان، مَسَّتهُم مرافقةُ سيِّدِ الأكوان؛ هذا الذي مسَّ أحياهم وموتاهم {لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}. يا أهل الخيال يا أهل الأوهام والخَبَال: {إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.

ومَرَّت السنةُ الثالثة سنة أُحُد والسنةُ الرابعة.. جاءت السنةُ الخامسة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا}

ولمَّا اُبتُلُوا وزُلزُلُوا زلزالاً شديداً، كيف كانوا؟ قال ربي نجَحوا، أفلَحوا..

كيف؟ قال أمَّا هؤلاء المنقطعة قلوبُهم عن سِرِّ الخطاب وفَهمِ حقائقِ الوحيِ إلى سيدِ الأحباب {يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} {وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا}، يقول تعالى عن الصِّنفِ الثاني: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}.

هذه المَسَّة التي جاءتكم في هذه الأيام مما وعدَ اللهُ ورسولُه. أنتم بالنسبة لِمَسَّةِ هذا المرضِ المُعَيَّنِ الذي انتشرَ في العالم ربما تكونون في أواخرِ أيامِه وتزول؛ ولكن هناك مَسَّاتٌ كثيرة! هناك تذكيراتٌ كثيرة! وتتلاحقُ بكم في هذا العالَم؛ كثرةُ خسوف، كثرةُ كسوف، وتتلاحقُ زلازلُ هنا وهناك، ويتلاحقُ شيءٌ من الفيضانات، وشيءٌ مما يُنزِلُ اللهُ تبارك وتعالى مِن أنواعِ ذلك بمقتضياتٍ مِن هذه القلوبِ الغافلات مِن المُصِرِّين على المعاصي والمخالفات، مِن الذين يَهدِمُونَ سننَ "محمد" ويأتون بِعَوائدِ الغربيِّين والغربيَّات والشرقيِّين والشرقيات مِن الكافرين والكافرات والفاسقين والفاسقات! مِن الذين لا يُبَالون بالبَغي! ولا يبالونَ بقطيعةِ الرحم!

وما مِن عقوبة أجدرُ أن يُعَجَّل عقابُها في الدنيا لصاحبِها قبلَ الآخرة مِن البَغيِ وقطيعةِ الرحم!

مِن البغي: تطاوُل الناسِ على بعضِهم البعضِ وعلى حقوقِ بعضِهم البعض مِن غيرِ حق -ولو بالكلمة- فكيفَ بالأموال! فكيفَ بالأعراض! فكيف بالنفوسِ والدِّماء! (لو أن جبلاً بغَى على جبلٍ لدَكَّ اللهُ الباغيَ منهما) رواه البخاري في الأدب المفرد.

وستجدُ القلوبُ التي اتَّصلت بأسرارِ هذا الخطابِ والوحيِ عجائبَ وزيادةً مِن الألطاف وزيادة، وحسنَ النظر في المجرى والمسير وراءَ الإمام خيرِ الأنام في كُلِّ خاصٍّ وعامٍّ وفعلٍ وكلامٍ على حُسنِ ائتِمام، وسيجدون بكُلِّ ذلك أسرارَ إفاضةِ حقائقِ لذائذِ محبةِ ملكِ الملوك {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}

وأهلُ هذا الحال تضيقُ أمامَهم وتصغُر بل تَتلاشى كلُّ مصيبة، ويقول قائلُهم: "كلُّ مصيبة دونَك جَلَلْ". قد أدركنا قُربَك، وسَعدنا بالحظِّ مِن الشُّرب مِن شُربِك، والاقتداء بِك، فنحن معك في الدنيا والآخرة، فكلُّ مصيبةٍ دونَ ذلك جَلل. صلى الله على سيدِنا محمد وعلى هؤلاءِ الأكرمين عليهم رضوانُ الله تبارك وتعالى. الذين فارقَنا الكثيرَ منهم في هذه الأيام والليالي، واختارَهم اللهُ لِقُربِه. ارفع لهم المراتبَ والدرجاتِ لديك، واجمعنا بهم في صفِّ صاحبِ الوحي، ومَن ائتمنتَه على بلاغِ هذا السرِّ لعبادِك فرحمتَ به مَن رَحِمت، وأكرمتَ به مَن أكرمت، يا حيُّ يا قيُّوم، يا أكرمَ الأكرمين ويا أرحمَ الراحمين، ثبِّتِ الأقدامَ على حُسنِ الائتمام بخيرِ الأنام.

وارفعِ اللهمَّ درجاتِ أحبابِنا هؤلاء الذين فقدناهم في هذه الأيام والليالي مِن بعد الحبيب علي المشهور بن محمد بن سالم بن حفيظ توالَى واحد بعد الثاني، وقبلَه بقليل وبعده بقليل، مِن العلماء، مِن الصُّلَحاء، مِن أربابِ الخير، مِن أرباب الإنابة، مِن أربابِ المحبة، ممَّن قد استقرَّ في قلوبِ كثيرٍ منهم سرُّ هذا الوحي. وهم به الآن يتنعَّمون، وهم به من قِبَلِ الذي فهموا خطابِه في الدنيا يُخَاطَبون {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ}

لكن اقرأ أولَ الآية {يبشرُهم ربهم} ترك ربُّك وسائطَ الملائكة، وترك ربُّك كلَّ الوسائط بينهم وبينَه في البشارةِ قال: { يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ}.

ولما ذكر صلى الله عليه وسلم بعضَ هؤلاء الذين قُتِلُوا مِن أصحابه قال: (ما يسرهم الآن أنَّهم عندنا في الدنيا) قال ما يسرهم أنهم يرجعون لضيقِ الدنيا وتكاليفِها وتعبِها وما فيها. عليهم رحمة ربِّنا..

وداخل مسيئُهم في بركة مُحسِنِهِم ومُقَصِّرِهِم في بركة مُشَمِّرهم.. والكل في خير.

كان الحبيب علوي يقول أيامَ المجاعة وقد كثُر الموت، وفي يوم واحد دخلوا به وهو في مولد الجامع آخرَ أربعاءَ مِن رجب سبع جنائز وحدة بعد الثانية تدخل.. قال: ما ذا أقول لكم؟ شوفوا أمامَكم الاعتبار! إن بتعتبرون وتتذكرون. ثم قال: إني أرى نور زائد على الذين ماتوا وقتَ المجاعة في قبورِهم أُمَيِّزها مِن بين القبور. أعرف الذين ماتوا بهذا التَّعَب، ميَّزهم اللهُ وأعطاهم ما أعطاهم.

والحمد لله على كل حال.. وترتفع البلايا عنا وعن الأمة إن شاء الله. وترتفع أقدارُنا عند ربِّنا بصدقِنا معه ووَعيِنا لخطابِه واقتدائنا بحبيبِه وتأدُّبِنا بآدابه، وإحياءِ هذه السيرة التي لها أحياءُ قلوبٍ يَحيَوْنَ بها ويُحيُونَ بها غيرَهم، وهم من الإنسِ والجنِّ منتشرون هنا وهناك لا يضرُّهم مَن ناوأهم ولا مَن خذلَهم حتى يأتيَهم أمرُ الله، وعلى أيديهم تقوم نصرةُ الإمامِ المهدي إبَّان ظهورِه، ثم على أيديهم وأيدي مَن اتصل بهم تقومُ نصرةُ عيسى بن مريمَ عليه السلام عند نزولِه على الأرض.

وكلُّها نُصرَةٌ للواحد الأحد من سِرِّ معرفتِه مِن بابِ الوحيِ لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ثَبَّتَ الله قلوبَنا وإياكم على هذا الائتمامِ بهذا الإمامِ في كُلِّ خاصٍّ وعامٍّ، وأدخلَنا في سَعْفِ أولئك الكرام

فَيَا رَبِّ وَاجْمَعْنَا وَأَحْبَابَاً لَنَا ** في دَارِكَ الفِرْدَوْسِ أَطْيَبِ مَوْضِعِ

فَضْلَاً وإحْسَانَاً ومَنَّاً مِنْكَ ** يَا ذا الفَضْلِ والجُودِ الأتَمِّ الأَوْسَعِ

واغفر، وجُدْ، واجْبُر، واسْتُر، واكشفِ البلايا، وأصلِح الظواهرَ والخفايا، ولا تجعل فيمن معنا ولا مَن يسمعُنا إلا مَن كتبتَ له الفوزَ بإدراك سِرِّ الخطاب والدخولَ في دائرةِ المقربين الأحباب، وأن تُبَوِّئهُ حسنَ الحياةِ وحسنَ المنقلبِ والمآب.

يا ربَّ الأرباب، يا فاتحَ الأبواب، يا مُسَبِّب الأسباب، يا مَن يُعطِي بغيرِ حساب، يا مَن يجود بغير حساب، يا مَن يرزقُ بغيرِ حساب، يا مَن يَغفِرُ بغير حساب، يا مَن يُكرِمُ بغير حساب، يا رَبَّ الأرباب يا كريمُ يا توَّاب افتح لنا الباب، وأزِح عنَّا الحجاب، واسقِنا مِن أحلى شراب، وألحِقنا بالأحباب، وكن لنا في الدنيا والمآب.

يا ربَّ الأرباب ملجأنا إليك، اعتمادُنا عليك، يا ربَّ العرش جعلتَ قلوباً في الأرضِ باقيةً في أمةِ حبيبِك محمد إذ انصرفَت قلوبُ الغيرِ إلى غيرِك انصرفَت إليك وتذلَّلت بين يديك؛ فلولا السابقةُ مِن فضلِك ما أدركوا ذلك، ولا نالوا ما هنالك.. فيا حيُّ يا قيُّومُ بارِك لنا في هذه القلوب التي إليك توجَّهت، وللحقيقة تنبَّهت، وزِدهم إيماناً ويقينا، وتولَّهم بما أنتَ أهلُه ظاهراً وباطنا. يا الله واجعلنا منهم وفيهم، وكلَّ مَن في ديارنا، وكلَّ مَن في منازلنا، وكلَّ مَن في أقطارنا.

يا حي يا قيوم رُدَّ ظلمةَ الكفرِ والفسوقِ والخيالِ والفساد، واشحَن قلوبَنا بأنوارِ المعرفةِ والإيمانِ واليقينِ والهدى والرشاد، وحبِّك وحبِّ رسولِك حتى تكونَ ورسولُك أحبَّ إلينا مما سِواكما، والتحابُب فيك، وأن نكرهَ الكفرَ والفسوقَ والعصيان كما نكرهَ أن نُقذَفَ في النار، وحَبِّب إلينا الإيمانَ وزيِّنه في قلوبنا، يا مقلِّبَ القلوبِ والأبصارِ ثبِّت قلوبَنا على دينِك.

إلهَنا: حقائقُ الوسائلِ لحقيقةِ الإنقاذِ كامنةٌ في الوجهةِ إليك، وأنت القائل: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} إلهَنا: ألحِقنا كرَمَاً بالقلوب الصادقةِ المُخلِصَةِ الحَاضِرَةِ معك، المُقبِلَة بِكُلِّيَّتِهَا عليك، المُستَنقِذَة الإنقاذ الحقيقي للأُمَّةِ بالوسائلِ الحقيقة.

 يا ربَّ الخليقة أنت عروتُنا الوثيقة، فبحبيبِك محمد صلى الله عليه وسلم وأهلِ حضرتِه تدارَك أمَّتَه، وأغِث أمَّتَه، وأصلِح أمَّتَه، واجبُر أمَّتَه، واكشفِ الغُمَّة عن أمَّتِه.. يا الله.. يا الله.. يا الله.. يا الله

كلُّ حاضرٍ وسامعٍ أدخِله محاضرَ القبول، وأنِلنا الرابطةَ بسيدِنا الرسول، والحَشرَ معه في يومِ الهَوْلِ المَهُول، والدخولَ معه إلى جناتِ عدنٍ خيرَ دخول، يا برُّ يا وصول. يا الله.. يا الله ..

نادُوه، وناجُوه، وادعُوه، وارجُوه، وهو الأقربُ إلى كلٍّ منكم مِن حبلِ الوريد، فتوجَّهوا بحقائقِ التوحيد له، واخضَعوا بينَ يديه، وتذلَّلُوا لِجلالِه، ونادُوه ينظرْ إلى الأمة ويكشفِ الغُمَّة بنبيِّ الرحمة يدفع كلَّ مدلَهمَّة، يحوِّل الأحوالَ إلى أحسنِها.

يا الله اجعل كُلَّ فرد مِنَّا ومنهم سبباً للخير والهدى، والفرجِ عن الأمَّةِ فيما خَفِيَ وما بدا، مِفتَاحَاً للخير مِغْلَاقَاً للشرِّ، بقدرتك يا أقدرَ القادرين ورحمتِك يا أرحمَ الراحمين. يا الله .. يا الله

قُلها تنفَعك، قُلها بها اللهُ يرفَعك.. يا الله . يا الله.. يا الله..

مَن تُنَاجون؟ مَن تسألون؟ مَن تطلبون؟ مَن تدعون؟ مَن ترتجون؟ إلى من تَلتجئون؟

الله .. الله .. الله .. الله

اسقِ هذه القلوبَ يا ربِّ كؤوسَ شُهودِ عظمةِ ألوهيَّتِك وربوبيَّتِك، حتى نقومَ بحقِّ العبودية، عبوديةً تتلاشَى في عظمةِ رحمةِ الربوبيَّة.

يا ربَّنا، يا ربَّنا، يا ربَّنا، يا ربَّنا، يا ربَّنا، يا ربَّ العرشِ العظيم، يا الله .. يا الله

نحن نقول: "يا الله"، وحملةُ العرشِ يقولون: "يا الله"، أهلُ سدرة المنتهى يقولون: "يا الله"، وأهلُ البيت المعمور يقولون: "يا الله" ، وأهلُ البرازخ يقولون: "يا الله" ؛ ونحن معهم ومع سيِّدِهم ننادي هذا الإلهَ ونخاطبُ هذا الإله، ونرجو هذا الإلهَ وندعو هذا الإلهَ، ونقول "يـــــــــا اللـــــــه"

يا الله .. يا الله، يا مَن لا يردُّ مَن دعاه ولا يخيِّبُ مَن رجاه أنت حسبُنا ونعمَ الوكيل و {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} والحمد لله رب العالمين.

 للاستماع إلى المحاضرة: