خطبة مكتوبة بعنوان: وجوب أن يتخذ المؤمن قراره مع مَن يُحب أن يُحشَر وسبيله إلى ذلك

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع الروضة، بعيديد، تريم، 29 جمادى الأولى 1441هـ بعنوان:

وجوب أن يتخذ المؤمن قراره مع مَن يحب أن يُحشَر وسبيله إلى ذلك.

الخطبة الأولى:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الحمدُ للهِ جامعِ الناسِ ليومٍ لا ريبَ فيه، وأشهدُ أن لَّا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، لا يَعِزُّ مِن خَلقِه إلا مَن تذلَّلَ لعَظمتِه وخضعَ بين يديه، يفوزُ كلُّ مَن يقصدُه ويتوجَّهُ إليه ويرتجيه، ويَخِيبُ كلُّ مَن أعرضَ عنه تباركَ وتعالى وتوجَّه إلى سِواه يَبتَغِيه. وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا وقرَّةَ أعيُنِنا ونورَ قلوبنا محمداً عبدُه ورسولُه، أَحَبُّ خلقِهِ إليه وأكرمُ عبادِهِ إليه. اللهم صَلِّ وسلِّم على القلبِ المُتَذَلِّلِ لكَ بأعلى ذِلَّةٍ لم يعرفْها سواه، والخاضع لكَ بالخضوعِ الذي ميَّزته به عن مَن عَداه، فرفعتَه على الكل وقدَّمتَه على جميعِ البرايا هنا وهناك، لا إلهَ إلا أنتَ سبحانكَ يا معطيه. صَلِّ وسلِّم وبارِك وكَرِّم عليه وعلى آله وصحبه ومَن يُواليه، وعلى مَن تَخَلَّقَ بأخلاقِه واهتدى بهُداه، وعلى آبائه وإخوانِه مِن أنبيائك ورُسلِك المستظلِّين بظلِّ لواه، وعلى آلِهم وأصحابِهم وأتباعِهم مِن أهلِ "لا إلهَ إلا الله"، وعلى ملائكتِك المقرَّبين الذين هم مِن خشيتِك مُشفقون، لا يعصونَكَ ما أمرتَهم ويفعلونَ ما يُؤمَرون، وعلى جميعِ عبادِك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

        أما بعد، عبادَ الله: فإني أوصيكم وإيايَّ بتقوى الله، تقوى الله التي لا يقبلُ غيرَها، ولا يرحمُ إلا أهلَها، ولا يُثيبُ إلا عليها.

       أيها المؤمنون بالله: إنَّ ميزةَ مَن آمنَ بيومِ الحسابِ وأدركَ عظمةَ المآب أن يُحسِنَ لنَفسِه النَّظَر، وأن يتخذَ القرارَ الأطيبَ الأهَمَّ الأجسَر، وأن يختارَ ما بِه في الغَدِ يُسَر، وما يسمُو به في المحشَر، وينجُو به مِن عذابِ السَّعير، ويدخلُ به إلى الخُلدِ في الجنَّةِ ونِعْمَ المصير.

        أيها المؤمنون بالله: اتَّقوا اللهَ في قَراراتِكم، وليتَّخِذْ كُلٌّ منكم قراراً في مَن يحبُّ أن يُحشَرَ معه، مع مَن يحبُّ أن يُحشَر؟ إنَّ ميزةَ مَن آمنَ بالدارِ الآخرةِ ويومِ الجَمعِ والمحشرِ أن يترفَّعَ عن أنواعِ الاغترارِ بذكرِ المستقبلِ الأكبر، وأن يتَّخذَ القرارَ الأصوبَ والأحسنَ والأطيبَ على وجهِ الحقيقة كما هو في ميزانِ الرب. إنه مُتَّخِذُ القرار، مُستضيئاً بأنوارِ الإلهِ الخالق الغفَّار، وما شعَّ مِن أنوارِ مصطفاه المختار، في البلاغِ عن اللهِ، والبيانِ لأمرِ الله، وخَبَرِ الله، وحُكمِ اللهِ في بَراياه، فهل مِن قرارٍ يكونُ أصوبَ مِن ذلك ؟!

        وإنَّ للمؤمنِ باليوم الآخرِ لقراراتٍ يُقَرِّرُها ويتَّخذُها في مَسيرِه لمَصيرِه، وفي مَمشاه ليومِ لُقيَاه، وفي أقوالِه وأفعالِه لأجلِ مآلِه. إنه ثاقبُ النَّظَر، إنه صحيحُ الفِكَر، إنه المهديُّ المُنوَّر بنُورِ اللهِ تبارك وتعالى، فخيرُ القراراتِ قراراتُه.

       ونتحدَّثُ اليومَ عن تَقريرِك وإصدارِ قرارِكَ.. مع مَن تُحبُّ أن تُحشَر؟ مع مَن يكونُ لك المحشَر؟ في أيِّ الزُّمَر؟ في أيِّ الدوائر؟ مع أيِّ الأصناف؟ مع أيِّ فريقٍ في ذاك اليوم؟ وإن انقسموا إلى فريقين (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) فإنَّ فريقَ الجنة زُمَرٌ ودرجاتٌ، وإنَّ فريقَ السَّعيرِ والنار زُمَرٌ ودركات؛ فاتَّخِذ قرارَك تتهيَّأ للحشرِ مع مَن؟

وإن طلبتَ فريقَ الجنَّة فمع أيِّ الزُّمَر وفي أيِّ الدرجات؟ وإن لم تُبَالِ فما أسرعَ تسفُّلَك إلى الدَّرَكَاتِ مع فريقِ السعير ( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا) (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا).

 أيُّهَا المؤمن بالله: هذا الحديثُ حديثٌ عن عظيمِ المستقبل.

يا أيُّتها العقليَّاتُ مِن المؤمنين المأخوذةُ المُعجَبَةُ بمَن يتحدَّثُ عنهم عنِ المستقبلِ القَصيرِ والإعدادِ له والتفكير فيه والتهيئةِ له، هذا حديثٌ عن مستقبلٍ أكبر، عن المستقبلِ الأعظمِ، الذي إن فازَ فيه صاحبُه فهو الفائزُ على الدوامِ، ولا يضرُّه ما نازلَه قبلَ ذلك، وإن خسرَ فيه صاحبُه فهو الشَّقيُّ الخاسرُ على الدوامِ، ولا ينفعُه ما نالَه قبلَ ذلك. إنه المستقبلُ الذي أمرَ الخالقُ أن نصرفَ إليه الفِكْرَ وأن نُحسِنَ فيه النظر، إنه المستقبلُ الذي أَهَمَّ قلوبَ وعقولَ أنبياءِ الله وأصفياءئه وملائكتَه والصالحين مِن عباده، إنه الجِدُّ في تحقيقِ الإيمانِ والاستعدادِ للقاءِ الرحمن. هل قرَّرتَ؟ هل اتَّخذتَ قراراً ؟

إنما يُقرَأُ قرارُك في مَسمُوعِك ومَنظورِك، وانطلاقِ لسانِك في مَقولِك، وحركاتِ يَديك ورجلَيك، ورغَباتِك وحالِك مع شَهواتك، وتَشَبُّهاتِك، بِمَن تَتشبَّه؟ بمَن تَقتدي؟

والركيزةُ التي يرتكزُ عليها القرار: حقيقةُ المحبة، مَن تحبُّ يا مؤمناً بالمحشر؟ مَن تُحِبُّ؟ وما الذي يَغلُبُ حبُّهُ على قلبِك؟ وما الذي تتمكَّنُ محبَّتُه مِن فؤادك؟ مَن تُحِب؟ وماذا تُحِب؟ هل عرفتَ اللهَ فتُحبَّه؟ وعزَّتِهِ ما تحِلُّ ذرَّةٌ مِن معرفتِه في قلبٍ إلا تولَّعَ به، وإلا أحبَّه حُبّاً يَنسَى في جنبِه كلَّ مَحبوبٍ سواه، بل لا يستطيعُ أن يُحِبَّ شيئاً إلا مِن أجلِه، وإلا لِحُبِّه، وإلا للظَّفَرِ بقُربِه. فإن لم تُدركْ هذه المعرفةَ فسَعيُك لأن تُحَصِّلَ المعرفةَ قبلَ الفَوات أهمُّ سعيٍ تُدركُ به فوزَ المستقبلِ الأكبر وتنجُو بهِ مِن الخَطرِ الأخطر.

أيها المؤمنُ بالمحشر: أنت مُصَدِّقٌ متميِّزٌ عن مَن كَذَّبَ بيومِ الحساب ( إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ). فإن كنتَ فاقداً لهذه المعرفةِ المُوجِبَةِ للمحبَّة فابحَث عنها وحصِّلها ما دامَت الفرصةُ مُتاحةً، وما دُمْتَ قادراً بسَمعِ وبصَرِ وعقلٍ وعافيةٍ أمامَك قرآنٌ وخطابٌ مِن الرحمنِ ورسالةٌ خُتِمَت بها الرسالاتُ مِن سَيدِ الأكوان صلى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم. ومعك فرصةُ أن تُحسِن التفكيرَ، وأن تصلَ إلى معرفةِ العليِّ الكبير بالتَّنقيةِ والتَّطهيرِ للضَّمير، وبصدقِ الإقبالِ على الحقِّ، وبِكَثرةِ ذِكرِه، وباتباعِ حبيبِه صلى الله عليه وسلَّم.

أدواتُك لنَيلِ المعرفةِ بالله أن يصفوَ الباطنُ عن الضغائنِ وكلِّ ما لا يرضاهُ الله، ثم تُحسِنُ الوقوفَ على بابِه، وتُطِيل وتُدِيمُ الفِكرَ في عَظمتِه وجَلاله، وكبريائه وقدرتِه وإرادتِه، وإحاطتِه وسَمعِه وبَصرِه، وعِلمِه واطِّلاعِه، وجَبروتِه وقَهرِه، والمَصيرِ إليه، ورحمتِه ورأفتِه، ونقمتِه ونعيمِه وعذابِه، أطِل وأَدِمِ الفكرَ في ذلك، هذه أدواتك للمعرفة.

      أيها المؤمن: وإذا عرفتَه أحببتَه لا مَحالة، وكلُّ ما زادَت معرفتُك زادَت محبَّتُك. وعزَّتِه إنَّ ذرَّةً مِن محبتِه تُنسِيكَ ما سواه، وتطهِّرك ممَّا عَداه، وتُقِيمُك على سبيلِ تقواه، وتربُطك بمُصطفاه، وتُقرَأُ في رغباتِك، وفي كيفيةِ تعامُلِك مع شهواتك.

      مع مَن تريد أن تُحشر أيُّها المؤمن باليوم المحشر؟!

      ألَا إن أحبَبتَ أن تُحشَر مع صِدِّيقٍ أو مُقَرَّبٍ أو عارِفٍ له مكانةٌ عند الرَّبِّ أو نبيٍّ مِن الأنبياء أو سيِّد الأنبياء فوالله ما مِن طريقٍ لذلك إلا محبتُهم مِن أجل هذا الإلهِ، ومتابعتُهم والتشبُّهُ بهم، والاقتداءُ بهم.

إنَّ الذين اختطفوا قلوبَ العددِ الكبيرِ مِن رجالِ ونساءِ المسلمين للتشبُّه بالفجَّار والتشبُّه بالكفَّار، غَرُّوهم وضَرُّوهم، والله ما نصَحوهم ولا نَفعُوهم، ولكن ما غرُّوهم حتى غَرُّوا أنفسَهم ورضُوا بأن يُغَرّوا، ولا قادُوهم إلى السوءِ حتى رضُوا لأنفسِهم بأن يُقَادوا، وسلَّموا أزمَّتَهم لأفلامِ ولبَعضِ وسائلِ إعلامِ ولوسائلِ التواصل الاجتماعي، ولأفكارِ سَقَطَةٍ! ولأفكارِ فَسَقَةٍ! سلَّمُوا أزمَّتَهم لهم، فأبعَدوهم عن إلهِهم، غرُّوهم وضرُّوهم والله! وأصبحوا يحبُّون التشبَّهَ بفاسقٍ بفاجرٍ لأنَّه لاعب! لأنه مغنِّي! لأنه متظاهرٌ بأزياءَ خليعةٍ ساقطةٍ بعيدةٍ عن الفطرةِ وعن الحِشمةِ وعن الحياء! لأنه تُصَفِّق له جماهير! ولأنه ولأنه مِن كل الأشياء الساقطة التي لا مجالَ لها عند مَن يَعقِل، ولا عند مُحرَّر الفكر، ولا عند ثاقبِ النظر والبصيرة! ولكن يُغَرُّ بها مطموسٌ على قلبِه وفؤادِه، يُغَرُّ بها مُنقادٌ لعدوِّه (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ).

إنَّ الذين رضُوا أن يُسَلِّموا زمامَهم لأيدي متَّبعِي الشهوات وناشري تحريشِ غرائزِ الناسِ الجنسيَّة بِكُلِّ مختلفِ وسائلِها منظورةً ومسموعةً، ومنوَّعٌ فيها أساليبُ الإثارةِ مِن هناك وهناك، وضعُوا أيديَهم في أيدِي مَن يريدُوا ضُرَّهم، والله لم ينصحْ لهم ولم يُرِد لهم خيراً، والله إنها فئاتٌ تُحِبُّ أن يدخلُوا معها النار، وتُحِبُّ أن يسقطوا وأن ينزَلِقُوا في مَهاوي وبراثنِ السوءِ، الذي ربما تَرَفَّع عنه البهائمُ والحيوانات! قادُوهم لأنَّهم سلَّموا لهم أزمَّتَهم! غَفلوا عن يومِ الحساب! غَفلوا عنِ المآب! غَفلوا عن المحشَر! وما اتَّخذوا القرارَ الصائبَ مع مَن يريدونَ أن يُحشَروا!

إنَّ المتشبِّهَ بقومٍ هو المُتهيئ لأن يُحشَر معهم، إنَّ المحبَّ لقومٍ هو المستعدُّ لأن يُحشَر معهم. فوالله لن يُحشرَ أحدٌ إلا مع مَن أحبَّه قلبَه، و{مَن تشبَّهَ بقومٍ فهُو منهم}.

أيها المؤمنون بالله: انظُر، هذه الأخبارُ عنوانُ المَسارِ في زيِّك وزيِّ زوجتِك وبناتِك وفي ما يحصلُ من العادات في مناسباتِ الزواجات وغيرها؛ قرارات .. هي عناوينُ قرارٍ قلبيٍّ ينطوِي على اتِّخاذِ القرارِ مع مَن يريدونَ أن يُحشَروا. وإن كانت الغفلةُ أوصلَتهم إلى أن يتَّخذوا هذا القرارَ ويسيرُوا هذا المسار الذي لا يُحشَرُ أصحابُه إلا مع فجَّارٍ أو كفَّار، فليسوا بمَعذورين في هذه الغَفلةِ، والنداءُ يناديهم، والحقُّ يُبَصِّرُهم بكتابهِ وبلاغِ رسولِه، ويذكِّرُهم بآياتِ الوجودِ وما يجري فيها.

إنَّ الذين سلَّموا أزمَّتهم لمَن يستغلُّون فيهم محبَّةَ الثَّروةِ أو محبةَ السلطةِ حتى يُقاتِلَ بعضُهم بعضاً، وحتى يضرَّ بعضُهم بعضاً، ويكونون أدواتٍ بأيدِي أولئك المُزيِّنين لهم ذلك التَّضاربَ وذلك التَّقاتُل، وهو مجرَى مِن مجاري البُعدِ عنِ الله ورسولِه، ومِن أقوى أسبابِ الحشرِ مع الكفار، يقول عنه المختار { ألا فلا تَرجِعُوا بعدِي كفاراً يضربُ بعضُكم رقابَ بعض }. إنَّ الذينَ اسْتُغِلَّ فيهم شهوةُ الثروةِ وتحصيلُ المالِ وشهوةُ السُّلطةِ حتى ضربَ بعضُهم بعضاً سَلَّموا أزِمَّتَهم لِعَدوِّهم، وأخرجُوا أيديَهم مِن يَدِ هاديهم ومُرشدِهم، مَن اختارهُ الله لهم مُبَيِّناً مُبلِّغا نذيراً بشيراً سِرَاجاً مُنِيراً يهدِي صراطاً مستقيما، قال عنه: (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا). أخرجُوا أيديَهم مِن يدِه ووضعُوها في أيدِي مَن زيَّنُوا لهم هذا التقاتلَ والتَّسابَّ والتشاتُم، وهذا المَشيُ مِن الملايين مِن المسلمين وراءَ إثارةِ الغرائزِ الجنسيَّة أو وراءَ إراداتِ السلطةِ على حسابِ كلِّ شيء!.

      أيها المؤمنون بالله: إنَّ الذين ينسونَ يومَ الحسابِ لهم سوءُ المآب، وسوءُ الحساب وأشدُّ العذاب.

     ألا (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ).

 اللهمَّ أيقِظ قلوبَنا وقلوبَ مَن أسعدتَهم بـ "لا إلهَ إلا الله" فكما أسعدتَهم بقَولِها واعتقادِها فحقِّقهم بذلك الاعتقاد، واجعلها اللهمَّ تسلكُ بهم سبيلَ الهُدى والرشاد، وتُخرِجُهم من تبعيةِ أهلِ الفسقِ والزَّيغِ والعِنادِ.

اللهم تَوَلَّ المسلمين وأيقِظ قلوبَهم، وأحيِها بعد موتِها، أحيِ المَيِّتَ مِن قلوبهم، ونوِّر المُظلمَ مِن قلوبِهم، وأصلِحِ الفاسدَ مِن قلوبِهم، وخُذْ بأيديهم إلى حقيقةِ " لا إله إلا الله" بحقِّ "لا إله إلا الله" وخيرِ مَن قالَها، يا الله، واجعلنا اللهمَّ في خيارِ أهلِها المُتحقِّقين بحقائقِها المُتمسِّكين بها؛ المُصدِرين القرار الرَّغبة الصادقة أن يُحشَروا مع صفوتِك وعبدك المختار. حَقِّقنا بحقائقِ ذلك، واسلك بنا في مسالكِه خيرِ المسالك، وأعِذنا مِن موجباتِ الهَلاكِ والشرِّ والمهالك، يا حيُّ يا قيومُ يا مَلِكَ المَمَالِك، يا أرحمَ الراحمين.

والله يقولُ وقولُه الحقُّ المبين: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } وقال تباركَ وتعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ)

(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).

باركَ الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعَنا بما فيه مِن الآياتِ والذِّكرِ الحكِيم، وثبَّتَنا على الصِّراطِ المستقيم، وأجارَنا مِن خِزيِهِ وعذابهِ الأليم، أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولوالدينا ولِجميعِ المسلمين، فاستغفرُوه إنَّه هو الغفورُ الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

       الحمد للهِ المَلكِ الغفَّار، الإلهِ الجبارِ الكريمِ الستَّار، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، يحكمُ بين عبادِه فريقٌ في الجنةِ وفريقٌ في النار، وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمداً عبدُه ورسولُه ونبيُّه وصفيُّه المختار. اللهمَّ أدِم صلواتِك على عبدِك المصطفى محمدٍ وعلى آلِه الأطهار وأصحابِه الأخيار، ومَن على منهاجِهم سار، وعلى آبائه وإخوانِه مِن الأنبياءِ والمرسلين سادَةِ الأطهار الأخيار الأبرار، وعلى آلهِم وصحبِهم وتابعيهم والملائكةِ المقرَّبين والعبادِ الصالحين أجمعين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

      أما بعد، عبادَ الله: فإني أوصيكُم وإيَّايَ بتقوى الله.

 اتَّقُوا اللهَ في إقامةِ القرارِ في مَن تحبُّون أن تُحشَروا معه، تقَوى، إن قمتُم بحقِّها كانَ مآلُها الحشرَ مع زينِ الوجودِ في اليومِ المَوعود، والورود على حوضِه المورود. إنه المستقبلُ الكبير.

يا أهلَ الجمودِ في الفِكر، يا أهلَ الاستِتباعِ لصغارِ الخلقِ ولِشرارِ الخلق، اُخرجُوا مِن جُمودِ فِكرِكم ومِن تبعيَّتِكم لمَن سقط مِن عينِ ربِّكم، واعرفوا قدرَكم الذي وضعَكم اللهُ فيه، وقد خلقَكم فكرَّمكم وصوَّركم وآتاكمُ الأسماعَ والأبصارَ، ثم هداكُم إلى كلمةِ الحقِّ التي لا أعلى منها في الدنيا ولا في الآخرة "لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله". فاعلمُوا قدرَ ما آتاكم اللهُ، ولا ترجِعوا أتباعاً لفُسَّاقٍ وكفارٍ سقطُوا مِن عينِ الخلاق، ومصيرُهم والعياذُ بالله تبارك وتعالى في دركاتِ السَّعيرِ وتلك الطِّبَاق.

أيها المؤمنون بالله جل جلاله: اتخاذُ هذا القرارِ مؤذِنٌ بِحُسْنِ المَسار، واختيار ما يحبُّه الحقُّ ورسولُه، والتشبُّه بالمصطفى والاقتداء به، وإحياءُ سنَّتِه في عباداتِنا وعاداتِنا لِنُعلنَ لإبليسَ وجندِه والجنِّ والإنسِ في الشرقِ والغربِ أننا مُحَرَّرونَ عن تبعيَّةِ أحدٍ منهم بتعبيَّةِ مَنِ اختاره اللهُ لنا مَتبوعاً، وجعل قدرَ مَن اتَّبعَه مرفوعا، وقال له مخاطباً إيانا، أمرَه بخطابِه بقوله : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه).

ألا قولوا لهذه المنشورات المختلفة في مختلفِ الأجهزة والعادات السيئة في الأغاني الماجِنة، وما يُعقَدُ في حفلاتِ الزواج وغيرها من اختلاط نساءٍ برجالٍ أو اتِّخاذِ كلامٍ ماجنٍ أو الرَّغباتِ الهابطةِ الساقطةِ التي يُعدَم فيها في الأسر رغبةُ العبادة ورغبةُ التفرُّغ لعلمِ الشريعة والنُّصرة للحق ولرسوله؛ قولوا لكلِّ تلك الدعوات : (لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا) وما انزلقَ فيه كثيرٌ مِنَّا في ما دعوتَهم إليهم مِن ذلك الغُرور: (وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ).  واتَّخِذُوا القرارَ في تعظيمِ ما عظَّمَ ربُّكم، وفي الرغباتِ ما يكون مِن أبنائكم وبناتِكم خلفاءُ عن محمدٍ زينِ الوجود، وعن الزهراء والكبرى وأمهات المؤمنين، والمهاجريَّات والأنصاريَّات المرفوعاتِ القَدرِ الرَّفيعاتِ الذِّكر العليَّاتِ المكانة على وجهِ الحقيقة، لا السافلات الساقطات ولا الكاسِيات العاريات الملعونات مِن قِبَلِ الجَبَّار جل جلاله وقِبَل رسولِه المختار.

أفيقُوا، واتَّخِذوا القرار: مع مَن تريدون أن تُحشروا؟! وعليه يقومُ مسارُك وعاداتُك ولباسُك وكلامُك واختيارُك وجلساتُك ومجالساتُك؛ مع مَن تريدُ أن تُحشَر؟!

لقد قالَ خيرُ البشر: {إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكم منِّي مجلساً يومَ القيامةِ أحاسنُكم أخلاقا} حَسِّن أخلاقَك، وأكثِر صَلاةً عليه.

ولقد روى الإمام البيهقي والحاكم وابنُ ماجة بسندٍ صحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال : {أكثِروا عليَّ مِن الصلاةِ يومَ الجمعةِ، فإنَّ أقربَكم إليَّ مَن كان أكثرُكم عليَّ صلاةً فيه} أكثرُّكم عليَّ صلاة أقربُكم إليَّ .. فهل تعشقُ الصلاةَ عليه؟ وهل تُكثِر منها؟ أو حتى وقت اجتماع الناس في الصلاة عليه لمولد أو غيره تجعل لنفسك شغلاً آخر! .. وحظُّك قليلٌ من الصلاة ثم تريدُ أن تُحشَر معه! أرخيصٌ هو؟! أيسيرٌ هو؟! هو أغلى خلقِ الله، كيف تُحشَر معه؟! بغفلة؟! بتقليدِ نصارى ويهود في مناسباتك!

 أفِق واستيقظ وأحسنِ القرار مع مَن تريدُ أن تحشر ؟! في يوم المحشر ( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) ، (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ * ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ * ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ * وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)

     اِتَّخِذ قرارَك مع مَن تريدُ أن تُحشَر؟!

    واَتَّخِذ الوسيلةَ لمن تُحِبُّ أن تُحشَر معه، أحبَّه وشابِهه واتَّبِعه واصطَبِغ بصبغتِه في حياتِك كلِّها، فما فَرِحَ الصحابةُ بعد الإسلام بحديثِ {أنتَ مع مَن أحببتَ} لقوَّة محبةِ محمدٍ في قلوبِهم. وإذا ذكر الحديثَ أنسُ بن مالك قال: "وأنا أحبُّ رسولَ الله وأبا بكرٍ وعمر، وأرجو بحبِّي لهم أن يحشرَني اللهُ معهم".

       اتخذ قرارك مع مَن تحب أن تُحشَر؟!.

يا جامعَنا في الجمعة اجمَعنا في زمرةِ مَن دعانا إليها في ذلك اليوم، ونَجِّنا مِن كُلِّ حسرةٍ ونَدامةٍ ولَوْم، وأدخِلنا في خيارِ وأشرف القومِ، يا حيُّ يا قيّوم.

أكثروا الصلاةَ والسلامَ على رسولِ الله المصطفى محمد، فإنَّ أولاكم به يوم القيامة أكثرُكم عليه صلاة، ولقد أمركَم اللهُ بأمرٍ بدأَ فيه بنفسِه، وثنَّى بملائكتِه، وأيَّهَ بالمؤمنين فقال مُخبِراً وآمِرَاً لهم تكريماً: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً).

اللهمَّ صلِّ وسلِّم على الرحمةِ المهداةِ والنِّعمةِ المُسْدَاةِ سيدِنا محمدٍ، وعلى الخليفةِ مِن بعدِه المختار وصاحبِه وأنِيسِهِ في الغار، مُؤازِرِ رسولِ الله في حالَيِ السِّعَةِ والضِّيق؛ خليفةِ رسول الله سيدِنا أبي بكرٍ الصِّدِّيق، وعلى النَّاطقِ بالصوابِ، ناشرِ العدلِ حليفِ المحراب؛ أميرِ المؤمنين سيدِنا عمرَ بن الخطاب، وعلى مَن اسْتَحْيَت منه ملائكةُ الرحمن، مُحيِي الليالي بتلاوةِ القرآن، باذِلِ الأموالِ في طَلبِ رِضَى الرحمن أمير المؤمنين سيدنا عثمان بن عفَّان، وعلى أخِ النبيِّ المصطفى وابنِ عمِّه ووليِّه وبابِ مدينةِ علمِه، لَيْثِ اللهِ الغالِب، إمامِ أهلِ المشارقِ والمغاربِ؛ أمير المؤمنين سيدِنا عليِّ بن أبي طالب، وعلى الحسنِ والحسَينِ سيدَي شبابِ أهلِ الجنَّةِ في الجنة، وريحانَتَيْ نبيِّكَ بِنَصِّ السُّنة، وعلى أمِّهما الحَوْراءِ فاطمةَ البَتولِ الزَّهراء، وعلى خديجةَ الكبرى وعائشةَ الرضا، وأمهاتِ المؤمنين وبناتِ المصطفى الأمين، وعلى الحمزة والعباس وسائرِ أهل بيتِ نبيِّك الذين طهَّرتَهم مِن الدَّنَسِ والأرجاس، وعلى أهل بيعةِ العَقبة وأهلِ بدرٍ وأهل أُحُدٍ وأهل بيعة الرضوان، وعلى سائر الصَّحب الأكرمين ومَن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعلينا معَهم وفيهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلامَ وانصُرِ المسلمين، اللهم أذِلَّ الشركَ والمشركين، نشكُو إليك غرورَ القلوب وانصياعَها مع أهلِ الفسقِ والفساد اللهمَّ أيقِظ قلوبَ المسلمين مِن سُباتها، اللهم ائذَن بعد موتِها بحياتها، اللهم نوِّرها مِن ظلماتها، اللهم ارزقها وعي الخطاب والاستعداد ليوم المآب، اللهم إنه ونتائج ذلك حلَّت بهم كُرَبٌ وحروبٌ وآفاتٌ وشرورٌ وتسلُّط أعدائك عليهم، اللهم فحوِّل أحوالَ أهلِ المِلَّةِ إلى أحسن الأحوال، وادفع اللهم عَنَّا شر النفس والهوى وإبليسَ وجُندِه في كل حال، اللهم ارزقنا حُسنَ الاستعدادِ لدار المآل، وسَدِّد لنا الأقوالَ وأصلِح لنا الأفعال، وطيِّب لنا الصِّفاتِ والخِلَالِ، يا جزيلَ النَّوال يا عظيمَ الإفضال، يا حيُّ يا قيُّوم يا كريمُ هادي يا وال.

يا الله، أكرمِنا بغُفرانِ الذنوب، وصلاحِ القلوب، وكَشفِ الكروب، وأصلِح أحوالَ الأمَّة، واغفر لوالدينا ومشائخِنا وذوي الحقوق علينا، وأربابِ الصلاحِ والفلاحِ مِن أصفياءِ القلوبِ وأطبائها واجزِهم عنَّا خير الجزاء، واغفِر لجميع ذَوي الحقوقِ علينا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات أحياهم وموتاهم إلى يوم الميقات يا غافرَ الذنوب والخطيئات، يا مجيبَ الدعوات يا رب العالمين.

اللهم أعِزَّ الإسلامَ وانصُرِ المسلمين وأذِلَّ الشركَ والمشركين، وأعلِ كلمةَ المؤمنين ودمِّر أعداءَ الدين، وارزقنا المتابعةَ لحبيبِك الأمين، واختم لنا بأكملِ الحُسنى واليقين.

واجعلِ اللهمَّ صادقَ عَزمِنا في قلوبِنا قرارَنا الصارمَ أن نتهيأ للحشرِ مع خيرِ الخلائق، وأزِل عنَّا كل ما يحولُ بيننا وبين ذلك مِن جميعِ العوائقِ والعلائقِ يا حيُّ يا قيومٌ يا كريمٌ يا خالق. يا حيُّ يا قيُّوم ندعوك دعاءَ مَن هو بِكَرمِك واثق وإليك فَرَّ مِن نفسِه ومِن جميعِ الخلائق، لا إلهَ إلا أنت فأجِب دعاءَنا ولَبِّ نداءَنا وتوَلَّ ظواهرَنا وخفايانا في دنيانا وأخرانا برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

نسألكَ لنا وللأمة مِن خيرِ ما سألكَ منه عبدُك ونبيُّك سيدُنا محمد، ونعوذُ بكَ مما استَعاذكَ منه عبدُك ونبيُّك محمد، وأنتَ المستعان، وعليكَ البلاغُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ العليِّ العظيم.

عباد الله: إنَّ اللهَ أمرَ بثلاثٍ، ونهَى عن ثلاث: (إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

فاذكرُوا اللهَ العظيمَ يذكُرْكُم، واشكرُوه على نِعَمِه يَزِدْكم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر.

للاستماع إلى الخطبة: