خطبة مكتوبة بعنوان: مَن هم المصلحون ومَن هم المفسدون على ظهرِ الأرض

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن حفيظ في جامع الروضة بعيديد، تريم، وادي حضرموت

25 شوال 1440هـ بعنوان: مَن هم المصلحون ومَن هم المفسدون على ظهرِ الأرض.

 الخطبة الأولى

       السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

      الحمدُ للهِ الحميدِ المجيد، المُبدىء المعيد، الفعَّالِ لما يريد، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، جامعُ الأولِين والآخرين ليومِ الوعدِ والوعيد، وأشهد أن سيدَنا ونبيّنا وقرةَ أعيننا ونورَ قلوبِنا محمداً عبدُه ورسوله، ونبيُّه وصفيُّه وحبيبُه وخليلُه، داعي العباد بأمرِ ربِّهم إلى المنهجِ الرشيد والطريق السَّديد . اللهم صلِّ وسلِّم وبارك وكرِّم على مَن جعلتَه خيرَ الخلائقِ والعبيد، وسيدَ أهل حقيقة التوحيد عبدِك الشفيع الأعظم والنبيِّ الأكرم مَن جعلتَه للأنبياء خاتم؛ سيدنا محمد، وعلى آله المطهَّرين بجاهِه عن الأدناس، وعلى أصحابِه المقتبِسين مِن أنوارِه خيرَ اقتباس، وعلى مَن تبعهُم بصدقٍ وإخلاصٍ وقوةِ أساس، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياء والمرسلين القادةِ الأكياس، وعلى آلهِم وصحبِهم والملائكةِ المقرَّبين وجميعِ عبادِك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

      أما بعدُ، عبادَ الله: فإنِّي أوصيكُم وإيَّايَ بِتقوى الله، تَقْوى الله التي لا يَقبلُ غيْرَها، ولا يرحمُ إلا أهْلَها، ولا يُثِيبُ إلا علَيها.

      أيها المؤمنون: كُلُّ الناس يعملُ على ظهرِ الأرض (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلً). وإنَّ أعمالَ المكلفين على ظهرِ الأرض هي السببُ في صلاحِ الأرضِ أو فسادِها، وفي عِمَارتِها أو خَرَابِها، وفي خيرِها أو شرِّها، وفي قيامِ النفعِ أو الضُّرِّ بها ؛ أعمالُ العباد (هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) في الحياة الدنيا ثم يومَ يُبعثون، هل ما يُلاقونَ إلا نتائجَ ما كسبُوا، ونتائجَ ما عملُوا ونتائجَ ما توجَّهوا، ونتائج ما نَووا، ونتائجَ ما عاملُوا ؛ هو الذي يلاقونَه هنا وهو الذي يلاقونَه هناك ( وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ) (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).

      أيها المؤمنون بالله: والناسُ على ظهرِ الأرض فيهم الكثير يدَّعون أنهم يعملونَ لصلاحِ أنفسِهم وصلاحِ الناسِ مِن حوالَيهم وصلاحِ الأحوالِ في واقعِ الناسِ ومعيشتِهم وحياتِهم؛ وهؤلاء الأدعياءُ الذين يقولون ذلك يَرتكزون على شؤونٍ يَرون فيها الصلاحَ أو الاستقامةَ أو كسبَ الرَّفاهيَّة أو كسبَ الطمأنينة أو كسبَ الاستقرارِ أو كسبَ الأمن.. وقُل ما تقول مما به يتبجَّحُون ويتكلمون صباحاً ومساءًا على مستوياتٍ مختلفة. فهل ما قالوا إنَّ فيه الصلاحَ والاستقرارَ قائمٌ على أساسٍ صحيحٍ متينٍ مِن المنطقِ، مِن العقل، مِن الفطرة ؟!  فوق ذلك هل هو متَّفقٌ مع خالقِ الإنسانِ وخالق الأرض له ؟ خالق الإنسان وخالق حياته؟ أمتَّفقٌ مع ذاك الميزانِ أم مخالفٌ له ؟ فإذا خالفَ ميزانَ الخالقِ فكذب المخلوقُ الذي يدَّعي إصلاحَ نفسِه أو غيره بمخالفةِ مُكَوِّنِ نفسِه ومُكَوِّنِ غيرِه ومخالفةِ خالقِه وخالقِ مَن سواه.

       أيها المؤمنون: بل والمُعجَّلُ اليسيرُ مِن شؤونِ الصلاح أو الاستقرار في هذه الحياة الدنيا لأيِّ عملٍ يكون مِن المؤمنين والكافرين لا يُرَى عند التأمُّلِ فيه إلا مطابقتُه لميزانِ الخالق الذي خلق فأنتجَ مقداراً من النتيجة لذلك العملِ الموافقِ لميزانِ الخالقِ سبحانه وتعالى؛ إما استقراراً وإما وجودً مُسَبَّبٍّ لسببٍ تقدَّمَه مطلوبٍ ومحبوبٍ ومرغوبٍ وما إلى ذلك. أمَّا كلُّ ما ادَّعَوا فيه الصلاحَ وخالفَ ميزانَ الذي خلق -وهو أعلم بمن خَلَق- فلا يُنتِج لهم في الحياة الدنيا قبلَ الآخرة إلا أنواعاً مِن السوء والاشكالاتِ والمرضِ والأذى والضُّرِّ كائناً ذلك ما كان، في مجالِ اقتصاد أو في مجالِ اعتقاد أو في مجال اجتماع أو في مجالِ معاملة ؛ كل ما خُولِفَ فيه شرعُ الذي خَلَق لا يُثمِرُ إلا فقراً أو ضُعفا أو تعباً أو همًّا أو نكدًا أو ضرا أو تفريقا أو تَشتِيتاً أو حزَناً وما إلى ذلك، ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ).

       أيها المؤمنون بالله: (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ..) يصدُّونهم عن السبيلِ الأصلحِ الأنجحِ الأرشدِ الأسعد (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) فلا يزالونَ في غيِّهم وغرورِهم حتى إذا جاءنا رجعَ إلى الذي خلقَ. ما مِن آدميٍّ يرجعُ ويكون منتهاه ومرجعُه إلى حزبٍ ولا إلى حكومةٍ ولا إلى مؤسسةٍ ولا إلى شركةٍ ولا إلى قبيلةٍ .. مَن ؟ فيه واحد من بني آدم يكون منتهاه ومرجعُه إلى قبيلتِه أو إلى مؤسسة أو إلى شركة أو إلى دولة ؟ لا وعزة الله الكل يُسْلِمُهُ ، ومَن أحبَّه منهم دفنَه وشيَّعَ دفنَه وذهبَه وتركَه. الكلُّ يرجع إلى واحد هو ربُّ كلِّ أحد، هو خالقُ كلِّ أحد . ( حتى إذا جاءنا) رجعَ إلى الرَّب، ما يرجع إلى الحزب، ما يرجع إلى الدولة، ما يرجع إلى القبيلة ما يرجع إلى المؤسسة والشركة ؛ إلى اللهِ يرجع (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) ، (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم) ، (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) هذه الأعمالُ المحصيَّةُ المكتوبةُ بها يُجازَون.. فمَن الذين يُصلِحون على ظهرِ الأرض ومَن الذين يُفسدون؟ كلُّ مَن خالفوا منهجَ الإلهِ الخالقِ مهما ادَّعَوا الصلاحَ فشأنُهم ما قالَ الجبار جل جلاله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ) ، (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ).

       أيها المؤمنون بالله جل جلاله: حَكَمَ اللهُ الذي خلَق أنَّ صلاحَ العبادِ وقُراهم وأراضيهم وحياتِهم بأمرَين اثنين: تصحيحُ الإيمان وتقويمُ التقوى. واقرأها صريحةً بنصٍّ صريحٍ لا مِن فكرِ مُفَكِّر ولا مِن تجربةِ مجرِّب ولكن مِن علمِ الذي أحاطَ بكلِّ شيء علماً، مِن علمِ الذي خلقَ الوجودَ وكوَّنَ الكَونَ، يقول جل جلاله: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). فو الله، العاملون على تقويةِ الإيمانِ ونشرِ التقوى بينَ الناسِ وتصحيحِها هم المُصلحُون على ظهرِ الرض، هم النافعون للعباد، هم الذين بهم تقومُ السعادةُ في الغيبِ والشهادة. والذين يَنشرون ما يُضعِفُ الإيمانَ وما يُبعِد عن الإيمانِ وما يخالفُ التقوى هم المفسدونَ على ظهرِ الأرض، هم أسبابُ الشقاء، هم أسبابُ البلاء، هم الجالبون السوء لأنفسِهم ولمَن سواهم مِن عبادِ الله.

فيا أيها الحاضرُ في الجمعة: اجتمِع بقلبِك على حقيقةٍ مِن ربِّ الخليقة تعلمُ بها مَن المصلحُ ومَن المفسدُ على ظهرِ الأرض، فإنَّ فرعونَ المُغترَّ بمُلكِه وبجندِه وبما معه يقول: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي) قال قومُه عن سيدنا موسى: (أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) منظارٌ خاطئٌ للإفساد، منظارٌ مُعْوَجٌّ لمعنى الإفساد ومَن المُفسد (أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ..) معالجة خاطئة معالجة قاتلة (.. سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ)، لكن المعالجة الصحيحة القويمة (قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا..) هذا العلاج هذا الدواء (قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، وقال فرعونُ بنفسه: ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ..) استخفافٌ واستهزاءٌ بعظمةِ الألوهية هي مظهرُ الفساد على ظهر الأرض وسبب الشقاء (..إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) أنت تعرفُ الفسادَ يا فرعون؟! وأنت تتوقَّى الفسادَ! هل في مُفسدٍ مثلك على ظهرِ الأرض! هل يوجد مُفسدٌ مثلك ؟! أموسى يُظهِرُ الفساد! دعاكَ إلى العدلِ وإلى العُبوديةِ للربِّ وإلى التقوى وإلى إعطاءِ الخلقِ حقوقَهم .. أهذا هو الفساد !! أم ما أنت عليه مِن الكبر أو الغطرسة والقتل والسَّفكِ ؟! . أين الفساد ؟!

      هكذا المنظاران في واقع الناس قائمان ؛ هذا يَنظر منظار أعوج باطل ما هو الفساد والصلاح، وهذا منظارٌ صحيحٌ قويمٌ مُنزَلٌ مِن الربِّ الذي خلق ينادي به الأنبياءُ وينادِي به المرسَلُون ومَن اتَّبعَهم ومَن صدَّقَهم ومَن دخلَ في دوائرِهم.

       ألا إنَّ صلاحَ العبادِ والبلادِ بالإيمانِ والتقوى، وقال موسَى في منهجٍ قويمٍ صحيحٍ تقومُ به الحمايةُ والحراسةُ والحصانةُ (وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ).

      أيها المؤمنون بالله جل جلاله: إنَّ الذينَ لا يبالونَ بالكذبِ في أقوالِهم، والإخلافِ لِوُعودِهم، والخيانةِ لأماناتِهم، والفُجورِ عند خُصوماتِهم، ونَظرِ الحَرامِ ؛ خمسُ ركائزَ، أصحابُها هم المفسدُون في الأرض، إذ أنَّهم يُناقضونَ الإيمانَ، ويعملون ما يُضعِفُ الإيمانَ ويَخرُج عن التقوى. وهي علائمُ النِّفاق، وهي سببُ غضبِ الخلَّاق ؛ الكذبُ في الأقوال، الكذبُ في الأحاديث، الكذبُ الذي امتلأت به صحفٌ ومجلَّاتٌ وقنواتٌ وشاشاتٌ ومدنٌ وقُرَى ، هذا مظهرُ الفسادِ في الأرض. والذي لا يُبالي بالكذبِ في حديثِه -ولو مع زوجتِه ولو مع ابنتِه ولو مع أصدقائه- واحدٌ مِن المُعاونِين على الإفسادِ في الأرضِ، { إذا حدَّثَ كذَب} . وإنَّ الذين يَعِدُون المواعيدَ الكاذبةَ لأجلِ المصالحِ، وينوُون عند الوعدِ أن يُخلِفوها ولكن ليقضوا أغراضَهم هم المُفسدون على ظهر الأرض، هم المصوِّرون للأشياءِ على غير وجهِها {وإذا وعد أخلف}. إنَّ مُضيِّعِي الأمانات -أماناتِ الأسماعِ والأبصار، أماناتِ الأموالِ والأعراض، أماناتِ الدماء- إنَّ مَن يضيِّع هذه الأمائنَ هو الخائنُ المُفسدُ على ظهرِ الأرض.

      احذر أيُّها الحاضرُ في الجمعة أن تكونَ واحداً مما يعاونُ على الإفساد، لا تكذبْ، لا تُخلِفْ وعدَك، لا تخُن في أمانةٍ اُئتِمنتَ عليها .. هل تسمع؟  هذا نداءُ الحقِّ، وهذا منهجُ الصِّدق، وهذا ميزانُ الصوابِ مِن ربِّ الأربابِ جل جلاله. وإذا خاصمتَ لا تفجُر، اتَّقِ اللهَ عندَ الخصومة، لا تفجرْ في المخاصمَة {إذا خاصمَ فجر}: ادَّعَى ما ليسَ له، وسبَّ الآخرَ وشتمَه، وجاء بالكلام القَذِع البذيء { إذا خاصم فجر } احذر ذلك.

ثم احذر ثم احذر أن تُطلِقَ عينَكَ في النَّظرِ الحرام، فإنَّ الحقَّ ينادِي ( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) وإنَّ رسولَه يحكِي عنه {النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس مَن تركها مِن مخافتِي أبدلتُه إيماناً يجد حلاوتَه في قلبِه} . هذه السهامُ التي شغَّلها إبليسُ كثيراً فأصابَ بها قلوبَ مسلمينَ كثيرِين مِن رجالٍ ونساء فسدُوا حتى إذا قام أحدُهم إلى الصلاةِ فقلبُه مُصَابٌ بأسهُمِ إبليسَ، يفكِّرُ في النَّظرِ الحرامِ وهو في صورةِ الركوعِ والسجودِ، كاذبٌ ليسَ براكعٍ ولا بساجد.

 إنَّ الذينَ ينشرونَ الأفلامَ الخليعةَ والصورَ الفظيعةَ البذيئةَ ويرتضونَها لأنفسِهم أو لأولادِهم في البيوتِ مُساهمُون في نشرِ الفسادِ في الأرض، هم سببُ الخوفِ، هم سببُ الغلاءِ، هم سببُ التقاطُعِ والتدابُر، هم سببُ الحروب ؛ إذ يُضعِفونَ الإيمان . ويذهبُ الإيمانُ مِن قلبِ الإنسانِ والعياذ بالله تعالى بكَثرةِ النظرِ الحرام وما يدعو إليه { ولا يسرقُ السارقُ حين يسرقُ وهو مؤمن، ولا يزنِي الزاني حين يزنِي وهو مؤمن، ولا يشربُ الخمرةَ حين يشربُها وهو مؤمن، لا ينتهبُ نهبةً أبصارُ الناسِ تمتدُّ إليهِ وهو ينهَب وهو مؤمن } هذه مواطنُ يُفقَدُ فيها الإيمان. لا إيمانَ لأربابِها، أربابُها هم المفسدون على ظهرِ الأرض.

      أيها المؤمنون بالله جل جلاله: إنما يُصلِحُ الأرضَ ويُصلِحُ أحوالَ الناس مَن يُعَظِّمُ شعائرَ الله ومَن يُحسِنُ الإصغاءَ لكتابِ اللهِ تبارك وتعالى، ومَن يُقوِّي في القلبِ المحبةَ للهِ ورسولِه، فيوالي مِن أجلِ الله ويبغضُ مِن أجلِ الله، هم المصلحون، هم الذين بِسببِهم تتحوّلُ الأحوال مِن الضرِّ والشدةِ والفسادِ إلى النفعِ والرخاءِ والاستقامةِ والرَّشاد، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) وإذا جاءَ هؤلاءِ القومُ ذهبَ الارتِدَادُ وذهبَ الفسادُ وذهبَ الضُّرُّ، وجاءَ الخيرُ وأقبلَ الرخاءُ والصلاحُ مِن كلِّ جانِب (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) . اللهم نزِّه قلوبَنا عن التَّعلُّقِ بمَن دونَك، واجعلنا مِن قومٍ تحبُّهم ويحبُّونك، ولا تجعَل أحدا مِنَّا ولا مِن أهلينا وأولادِنا ولا أُسَرِنَا داعياً إلى الفساد، ولا سبباً للضُّرِّ بالعبادِ يا حيُّ يا كريمُ يا جواد.

       واللهُ يقولُ وقولُهُ الحقُّ المبينُ: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)

أعوذُ باللَّهِ مِنَ الشيطَانِ الرَّجيم ﴿.. فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ* أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ * وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: 200-208].

      باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العَظيم، ونفَعنا بما فيهِ مِنَ الآياتِ والذِّكرِ الحَكيم، وثبَّتَنا على الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وأجارَنا مِنْ خِزْيهِ وعَذابِه الأليم.

     أقولُ قَوْلِي هذا، وأستغفرُ اللهَ العَظِيمَ لي ولكم، ولوالدِينا ولجميعِ الُمسلِمين، فاستغفرُوهُ إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.

 

الخُطْبَةُ الثانية:

     الحمدُ للهِ القويِّ المتين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله إليه المرجعُ وهو الحاكمُ بين عبادِه فيما فيه يختلفونَ يومَ الدين، وأشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، وحبيبُه المصطفى الأمين، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصحَ الأمة، وكشفَ الغمَّة، وجاهدَ في الله حقَّ جهادِه حتى أتاه اليَقين (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)، (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، اللهم صلِّ وسلِّم على الهادِي إلى الصِّراطِ المستقيم، عبدِك المصطفى سيدِنا محمد وعلى آله وصحبِه ومَن سار في منهجِه القويم، وآبائه وإخوانِه مِن الأنبياءِ والمرسلين، وآلهم وصحبِهم والملائكة المقرَّبين وعبادِك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِك يا رؤوفُ يا رحيمُ يا عليُّ يا عظيمُ.

        أما بعد عبادَ الله: فإني أوصيكُم ونفسيَ بتقوى الله، فاتقوا اللهَ ولا يخرجُ أحدُكم مِن الجمعةِ خاليَ الذِّهنِ عن إدراكِ حقيقةِ ما بهِ الصلاحِ والفساد، ولا يرضَى لنفسِه ولا لأحدٍ مِن أسرتِه أن يكونَ من العوامِلِ الضارةِ على ظهرِ الأرضِ المفسدةِ التي تؤدِّي إلى الشرِّ والضرِّ وغلاءِ الأسعارِ وانقطاعِ الأمطارِ وكثرةِ الحروبِ وغشيَانِ الكُروب. لا ترضَى لنفسِك ولا لأهلِك ولا لولدِك أن تَنشرَ الكلام الماجِنَ والمناظرَ الخليعَة، ولا تجعَلْ ذلك مظهراً في زواجِك ولا زواجِ أحدِ أولادك وأسرتك، ولا ترضَ أن يكونَ ذلك مستمرًّا في الشاشاتِ وسطَ بيتِك ولا محطُّ نظرِ أحدٍ مِن أهلك ولا مِن ولِدك، حاملٌ جهازَه تُعطيه إياه مِن غيرِ وازعٍ مِن تقوى في مُقتَبلِ عمرِه في شبابِه في مراحلِ مراهقتِه يلعبُ بالجهازِ في كلِّ ما يُضيِّعُ الإيمانَ، في كلِّ ما يُفسدُ القلبَ والجَنَان ، أما تسمعُ قولَ الرحمن: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) مَن يعمل بهذه الآية ؟ إن كنت مؤمن فالمؤمنون بها يعملون. (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ).

       ألا إنَّ المجال الذي جعلَ اللهُ إبداءَ الزينةِ فيه قُربَه : المرأة عند زوجِها مِن غير حدٍّ محدود، وعند إقامةِ الصلواتِ تعظيماً لشعائرِ اللهِ جل جلاله (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ). وما عدا ذلك فينبغِي أن يتوسَّطَ الرجلُ والمرأةُ في زينتِهم فيما بينهم البَين، الرجالُ مع الرجالِ والنساءُ مع النساءِ أو مع المحارمِ . فإذا زاد حدُّ التزيُّنِ عندَهم فيما بينَهم بدأ التكشُّفُ والتَّفَسُّخُ بين الرجال بينَهم البين بأزياءَ خبيثةٍ تأتي مِن هناك وهناك تبعثُ على إضعافِ الإيمانِ وعلى الخروجِ مِن التقوى، وجاءت للنساءِ أزياءُ يصوغُها لهم ويعملُها قومٌ لا خلاقَ لهم مِن الذين يريدونَ أن تميلُوا ميلاً عظيماً، مِن الذينَ يتَّبعونَ الشهواتِ، ويريدون أنَّ أهلَ القِيمِ في الدنيا يميلُون ميلاً عظيماً كما ذكرَ اللهُ في القرآن، فتكونُ بعد ذلك مكسباً لهم يُفسدُونَ أديانَ الناسِ ويأخذون أموالَهم؛ يشترونَها موضاتٍ متقدِّماتٍ متطوِّرات يبذلون فيها الأموال وهم يُفسدون إيمانَهم ويُفسدون دينَهم ويصيروا مِن بداية البناتِ الصغار! كِدنا لا نأتي إلى مناسبةٍ مِن المناسباتِ فنرَى الأطفالَ بنينَ وبنات إلا ووجَدنا أنَّ الرذيلةَ في صورةِ لباسِ البناتِ أشدَّ منها مع الأطفال! يندرُ أن نرى طفلاً مِرفقُه ظاهرٌ أو كتفُه ظاهر ، لكن خُذِ البناتِ الصغارِ، عندهنَّ موضاتٌ في الثياب ؛ الأكتاف ظاهرةٌ وما تحتَ الكتف ظاهر!  ورضيَ أن يُلبٍّس بنتَه هذا ! هذا الأهبلُ هذا الغافلُ هذا الذي لا يدري ما يفعل! هذا الذي يُقَادُ بسلاسلِ الظلمةِ والسوءِ والشرِّ وينقادُ مع أهلِها وهو لا يشعر، ولا عذرَ له.

     أيها المؤمنون: الذين يُصلِحونَ في الأرضِ يَنشرونَ الآياتِ التي يقوَى بها الإيمان (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) ويُحسِنُونَ التلاوةَ ويسمعونَها ويعظِّمونها ولهم نصيبٌ مِن التلاوة، لا يهجرون القرآنَ ولا ينقطعُ القرآنُ عن ديارِهم ولا عن أذهانِهم ولا عن عقولِهم ويكثرُون ذكرَ الرحمن ويعظِّمون شعائرَ الله (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) هم المصلحونَ على ظهرِ الأرض. ولكن إنَّما يساعدُهم على ذلك علمٌ صحيحٌ منقولٌ عن أهله بسندِه إلى الأصلِ والمصدرِ وهو محمد صلى الله عليه وسلم ؛ بأخذِ هذا العلمِ على وجهِه، مِن أجلِه شُّيدَت بعضُ المباني، مِن أجله أُقيمَت بعضُ الدورات.  أيها المؤمنون: هذا مدخلُ الناسِ إلى الصلاحِ ونَيلِ الفلاح، وإدراكِ النَّجاح، وإبعادِ الهُمومِ والغُمومِ والأتراح، وإرضاءِ ربِّ السماءِ جل جلاله ومُرافقةِ عبدِه الأسمَى محمدٍ حبيبِه صلى الله عليه وسلم.

       أيها المؤمنون بالله : أحسنِوا النظرَ في معرفتِكم بثقافةِ القرآن ؛ ما الذي يُصلِح وما الذي يُفسِد ؟ ومَن هم المصلحونَ على ظهرِ الأرض ومَن هم المفسدون، واَصدُقوا أن يكونَ كلُّ فردٍ منكم في دائرة المصلحِين، في دائرةِ المُتنَوِّرِين المُنَوِّرين . خذُوا العلمَ واعملُوا به وقومُوا بحقِّه { ومَن علم وعمل وعلَّم فذلك يُدعَى عظيما في ملكوت السماوات}.

        رزقنا اللهُ الإنابةَ والخشيةَ والاستقامة، وأتحَفنا بما هو أهلُه مِن المِنَنِ والكرامةِ، في الدنيا والبرزخ والقيامةِ ودارَ المُقامة. اللهم أعِذنا مِن الندامةِ وموجباتِ الندامة، ولا تجَعلنا مُستعبَدِين لأحدٍ مِن خلقِكَ يَسلُك بنا مسالكَ موجباتِ الحَسرةِ وموجباتِ الندامةِ، في يومِ الوقوفِ بين يدَيك . اللهمَّ واجعلنا في السُّعداءِ بمرافقةِ نبيِّك والنبِيِّين والصدِّيقين والشهداءِ والصالحين، وأصلِح شؤونَنا والمسلمين يا ربَّ العالمين.

         ومِن أعلى الوسائلِ لكَسبِ الفضائلِ واتِّصالِكم بالصلاحِ والإصلاحِ كثرةُ صلاتِكم وسلامِكم على أصلحِ الخَلق، الداعِي إلى الحقِّ سيدِ المصلحين حبيبِ ربِّ العالمين، فإنَّ أولَى الناسِ به يومَ القيامةِ أكثرُهم عليه صلاة، ومَن صلَّى عليه واحدةً صلى اللهُ عليه بها عشرا، فأكْثِروا الصَّلاةَ على نبيِّكم ليلاً ونهاراً سرَّاً وإجهاراً؛ فإنَّ اللهَ أمركُم بأمرٍ بدأ فيه بنفسِه، وثنَّى بملائكتِه، وأيَّهَ بالمؤمنينَ فقال مُخبِراً وآمِراً لهم تكريماً: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)

          اللهُمَّ صلِّ وسلِّم على عبدِك المجتبى المختارِ سيدِنا محمدٍ نورِ الأنوارِ وسِرِّ الأسرار، وعلى الخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدهِ المختار، صاحبِهِ وأنيسِهِ في الغَارِ، مُؤازِرِ رسُولِ الله في حالَيِ السَّعَةِ والضِّيق؛ خَلِيفةِ رسولِ الله سيِّدِنا أبي بكرٍ الصِّديق. وعلى النَّاطقِ بالصَّوابِ، ناشرِ العَدْلِ في الآفاقِ ، حليفِ المِحْرابِ؛ أميرِ المؤمنينَ سيَّدِنا عُمَر بنِ الخطَّاب. وعلى مُحيِي الليالي بِتلاوةِ القُرآنِ، مَنِ اسْتَحْيَت مِنهُ ملائِكةُ الرَّحمنِ، مُنفِقِ الأموالِ في طلبِ الرضوان؛ أميرِ المؤمنينَ ذي النُّورَينِ سيِّدِنا عُثمانَ بن عفَّان، وعلى أخِ النَّبيِّ المُصْطفى وابنِ عمِّه، ووليِّه وبابِ مَدِينَةِ عِلْمِهِ، إمَامِ أهلِ المشارِقِ والمغارِبِ أميرِ المؤمنينَ سيِّدِنا علي بن أبي طالب. وعلى الحَسَنِ والحُسين سيّدَي شبابِ أهْلِ الجنَّةِ في الجنَّة ورَيْحانتَي نَبيِّك بِنَصِّ السُّنَّة، وعلى أمِّهِما الحَوْراءِ فاطِمةَ البَتُولِ الزَّهْراء، وعلى خَدِيجةَ الكُبرى، وعائِشةَ الرِّضى، وعلى أمهاتِ المؤمنين وبناتِ النبيِّ الأمين، وعلى أهلِ بدرٍ وأهلِ أحدٍ وأهلِ بيعةِ الرضوان، وعلى الحَمْزةَ والعبَّاس وسائرِ أهْلِ بيتِ نَبِيِّكَ الذين طهَّرْتَهُم مِن الدَّنَسِ والأرْجَاسِ، وعلى سَائِرِ الصَّحْبِ الأكرَمِينَ، ومَن تَبِعَهُم بإحْسانٍ إلى يومِ الدِّين، وعَليْنا مَعَهُم وفيهِم بِرَحْمتِك يا أرْحمَ الرَّاحمين.

        اللهُمَّ أعِزَّ الإسْلامَ وانصُرِ المسْلمِين، اللهُمَّ أعِزَّ الإسْلامَ وانصُرِ المسْلمِين، واجعلنا ممَّن تُعِزُّ بهم الإسلامَ وتنفعُ بهم الخلائقَ أجمعين، اللهم اجعَلنا سَبَبَاً للصَّلَاحِ والإصلاح ونَشرِ الخيرِ في البلادِ والنَّواح. اللهم ولا تجعَلْ فينا ولا في أُسَرِنا سبباً للإفسادِ ولا للإضلالِ ولا للإغواء ولا للارتِذَال . اللهم حوِّلْ أحوالَنا والمسلمينَ إلى أحسنِ حَال؛ فإليكَ نشكُو يا كبيرُ يا متعال ما لُعِبَ به على عقولِ الأمة صغاراً وكباراً رجالاً ونساءً، وما قادَهم أعداؤك لموجباتِ الندامة، اللهم فتَدارِك هذه الأمةَ بغياثٍ عاجلٍ تكشفُ به الضرَّ عنهم أجمعين، وترزقُهم الإفاقةَ إلى تحكيمِ أمرِكَ واتِّباعه وامتثالِه والاقتداءِ بنبيِّكَ محمدٍ المصطفى صلى الله عليه وسلم وتحكيمِه في كلِّ شؤونِهم وأحوالِهم حتى يَتحقَقَ لهم الإيمانُ الذي يُنزَع عن مَن لا يُحَكِّمهُ بقولك: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) ، وارزُقنا تعظيمَ الشعائرِ التي بها تقوَى القلوبُ على التقوى ويقوَى الإيمانُ فيها، وارزُقنا الاستقامةَ على ما تحبُّ في الباطنِ والظاهرِ يا أكرم الأكرمين .

        اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتِنا وذوي الحقوق علينا ومعلِّمينا والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات يا خيرَ الغافرين ، واصرِفنا مِن الجمعةِ صالحين مُصلحِين وأنت القائل : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ) فاجعَلنا مِن المصلحين، واجعلنا مِن الهُداةِ المُهتدِين، اللهم اجعلنا هادِين مهتَدين غيرَ ضالِّين ولا مضلِّين، حرباً لأعدائك وسِلْماً لأوليائك، نحبُّ بحبِّك الناسَ ونعادِي بعداوتِك مَن خالفكَ مِن خلقِك. هذا الدعاء ومنكَ الإجابة وهذا الجهدُ ومنكَ التكلان ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ العليِّ العظيم.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، ونَسْألُكَ لنا ولِلأمَّةِ مِنْ خَيْرِ ما سألكَ مِنهُ عَبدُكَ ونبيُّك سيِّدُنا محمَّد، ونعوذُ بِكَ مِن شرِّ ما استعاذكَ منه عبدُك ونبيُّك سيِّدُنا محمَّد، وأنتَ المستعانُ وعليكَ البلاغُ ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ العليِّ العظيمِ.

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ)

      عبادَ الله: إنَّ اللهَ أمرَ بثلاثٍ، ونهى عن ثلاث:

{إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ}

فاذكرُوا اللهَ العظيمَ يذكُرْكُم، واشكرُوه على نِعَمِه يَزدْكم، ولذِكرُ اللهِ أكبر.

 

للاستماع إلى الخطبة:

لمشاهدة الخطبة