محاضرة مكتوبة بعنوان: نعمة سمو المؤمن عن العبودية لغير الإله الحق ومسارات الناس وشؤون رمضان

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ، ضمن سلسلة إرشادات السلوك، بمصلى أهل الكساء بدار المصطفى بتريم ، ليلة الجمعة 28 شعبان 1440هـ ، بعنوان : 

نعمة سمو المؤمن عن العبودية لغير الإله الحق ومسارات الناس وشؤون رمضان

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، هُوَ ربُّ الأوَّلينَ، هو ربُّ الآخرينَ، هو غَفَّار الخطايا، هو خيرُ الراحمين، لا إله إلا هو وحدَهُ لا شريك له، اللهمَّ مَنِ اتَّخذَ غيركَ إلهاً كفرنا بهِ، مَنِ اتَّخذَ إلهاً نَفْساً وهوىً كفَرْنا بِتِلْك الآلهة، ومَنِ اتَّخذَ إلهاً بَشَراً مِثْلَه مَخلُوقاً كفَرنا به وبآلهتِه، ومَنِ اتَّخذَ إلهاً ما سُمِّيَ: عِلماً أو اكتِشافاً كفَرنا به وبآلهتِه، اللهم لا إله إلا أنتَ، آمنَّا بالله العظيم، وكفرنا بالجِبْتِ والطَّاغُوت، واسْتَمْسَكْنا بالعُرْوَةِ الوُثْقَى لا انْفِصَامَ لها، والله سميعٌ عليم.

وآمنَّا بعَبْدِك ونَبِيِّك ورسولِك محمَّد، أنه مُخْتارُك، وأنه مُصْطَفاك، وأنه خِيرَتُك مِن بَرِيَّتِك، وأنَّهُ خاتِم أنبيائِك، وأنه سيِّد رُسُلِك، وأنه الأمينُ الذي ائتَمَنْتَه، فحمَل الأمانة، وحفِظَ الأمانة، وأدَّى الأمانة، وقام بحقِّ الأمانة، ونصحَ الأمة، وكشَفَ الغُمَّة، وجَلَا الظُّلْمَة، ودفعَ النِّقْمَة، وجاهدَ في اللهِ حقَّ جهادهِ حتى أتاهُ اليقين، وما ماتَ حتى تَرَكنا على مَحَجَّةٍ بيضاء، ليْلُها كنهارِها، لا يَزِيغُ عنها إلا هالِك.

وما مضى حتى أقام الدِّينا ** وصار سهلاً واضِحاً مُبينا

فلم تَخَفْ أُمَّتُهُ فُتونا ** بل عُصِمُوا في الجَمْعِ عن ضلالِ

والخُلفاءُ بعدَهُ والعِترة ** بهم مع القرآن مُستمرة

مِلَّتُهُ محفوظةٌ مِن فترة ** على الهدى دَأْباً بلا انْفِصال

وصحبه فيهم لهم نجوم ** منه عليهم فاضت العلوم

كلٌّ له مُقَدَّرٌ مقسومُ ** مِن ظاهرٍ أوْ باطنٍ أو حالِ

ويَتَلَقَّى كلٌّ قسمَهُ بأي وسيلةٍ مِن الوسائل وسبَبٍ مِنَ الأسْباب، يجْمَعُه على الوِجهةِ إلى الله، وتعظيمِ أمرِ الله، والإيمانِ بالذي خلَقَهُ وخلقَ كُلَّ شَيْء؛ وبذلك يَتحرَّرُ مِن الرِّقِّ والعُبوديَّة لغيرِ الله تعالى، التي وقع فيها الملحدُون، ووقع فيها الـمُحَرِّفونَ المبدِّلُون مِن النصارى واليهود، كُلُّ مَنْ خالفَ الأنبياءَ السابقين فيما دَلُّوهُم عليه، ووقع فيها البُوذِيُّون، ووقعَ فيها الصَّلِيبيُّون، ووقع فيها الصُّهُيونِيُّون، ووقع فيه الهُنْدوس، ووقع فيها كلُّ أرباب الكُفر بمُختلَفِ أصنافهم؛ فكلُّهم يجمعهم أنهم انْقَطَعُوا عمَّن خلَق، أنهم انفصلوا عمَّن أوْجَد وأنْشَأ وبنى واخْتَرعَ وأبْدَعَ الْكَوْنَ وما فيه جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه؛ انْقَطَعُوا عنه بشيءٍ مِن القَواطِع والشُّبَه.

وأشَدُّهم قَطِيعَة هؤلاء الذين أنكرُوا وُجُودَ إلهِهم وخالِقِهم، فكيفَ وُجِدوا هُم؟!، وصاروا يتكلمون بذلك الكلام السَّاقِط الهابِط، الذي يَتَسامى عنه عقلُ الطِّفلِ مِن المميِّزِين مِن بني آدم على ظَهْرِ الأرض!، وهُم عقولُهم الآن لا تَقْبَل أنْ يُقَالَ لهم: إنَّ قلماً تكوَّنَ مِن نَفْسِه وتَرَتَّب، ولا أنَّ خاتماً تكوَّن مِن نَفْسِه، ولا أنَّ شَنْطةً تكوَّنَتْ مِن نَفْسِها، ما يَقْبَلُون هذا، ويَقْبَل أنَّ الكونَ الأعلى مِن نفسِه!، الجنون مِثل إيش هو؟!!، هذا التَّناقُض الكامل، لا عقلَ لهم.

وكما قال بعضُ الأطفال في بعضِ المدارس، جاء بعضُ الملاحِدَة يقول لهم بجهلهِ: لا تُصدِّقون إلا بما ترون بأعينكم؛ لا يكون موجوداً إلا ما تراه أعينكم؛ هل ترون هذه السبورة؟، قالوا: نعم، قال: السبورة موجودة، هل ترون هذا الطبشور الذي أكتبُ به؟، قالوا: نعم، قال: إذاً فالطبشور موجود، قال واحد من الطَّلَبَة: هل ترون عقلَ الأستاذ؟، قالوا: لا، قال: إذاً عقل الأستاذ غير موجود!، وكان كذلك، وهو لو فيه عقل ما يجيب هذا الكلام الفارغ.

وهل ترى الأعينُ المعاني؟!، وهل ترى الأعينُ الغُيُوب، وهل ترى الأعْيُنُ ألمَ الْمـُتَألِّم يقول: عندي ألَمْ في يدي، فيجي بميزان هذا الذي يرى أنه مُتَطَوِّر وعاقل يقول: هل ترى الوَجَع؟، يقول: ما أراه، يقول: ما فيه وجَعْ خلاص!، هذا كلام فارغ، كلام ما يَقْبَلُه عَقْل الطفل مِن بني آدم، ويُقَوِّمون عليه أحزاب، ويقومون عليه هيئات، ومِن وقت إلى وقت يؤذون أنفسهم ويؤذون خَلْقَ الله، وقد جاؤوا قبل مُدَّة وراحوا، وكل ساعة حرَّكَهُم مُحَرِّك على ضلال، على وَبَال، على خَبَال، على بُعْد عن المنْطِق، على بُعْد عن الواقع، لا عقلَ ولا فهمَ ومع ذلك تَبَجُّحَات والعياذ تبارك وتعالى، وفَقَدوا أنفسَهم، وفَقَدوا صِلَتَهُم بربِّهم، وخَسِروا الدنيا والآخرة، ذلك هو الخُسْرانُ المبين، اللهم أيْقِظ قلوبَ المسلمين، اللهم أصْلِح أحوالَ المسلمين.

وإذا تَعَجَّبْنا في هؤلاء مَن كان أصْلُهُ على ذلك، فالأعْجَب أنْ يكونَ قد أُكْرِم بشهادة: أن لا إلهَ إلا الله وأن محمداً رسول الله، ودخل دينَ الحق ثم يتحوَّل: يهودي، نصراني، هندوسي، مجوسي، مُلْحِد!، هذا الحَسْرَة عليهِ أكْبَر، والعذاب عليه أشَد؛ لأنَّ أشَدَّ أصْنَافِ الْكُفْر: الرِّدَّة بَعد الإسلام، هذا أشَد وأقْبَح أنواع الكفر والعياذ بالله تبارك وتعالى.

ألا يا حافظ احفظ علينا دينَ الإسلام، وعند الموت يا رب عسى غُفران وأمان، تغفر لنا ذنوبنا وتُنَجِّينا مِن النار، وتُدْخِلنا جنَّاتِك مع الأبرار، يا كريمُ يا غفَّار يا الله، ويهدي اللهُ لنورهِ مَن يشاء، مَن يَقْدِر أداءَ شُكر هذهِ النِّعْمَة: جمعكُم عليه، في وِجْهَتكم إليه، مؤمنين به وبما جاء عنه، وبرسوله وبما بلَّغَهُ عن الله.

واستبدلوا بُمحمدٍ مَن؟!، كُل هؤلاء الطوائف والأصناف في الوجود!، والأشَد لمن كان منهم مُسْلِم ثم انْطَوَت عليهِ الحِيلَة والخَدِيعَة والظَّلام، اسْتَبْدَلْتَ بِمُحَمَّد مَن؟!، هاتِ لي واحِد مُقابِله، قُلْ لي: استبدلتَ بِمَن؟!؛ لاعِب؟، ساقِط.. هابِط.. فاسِق.. ماجِن..؟، مَن استبدلتَ؟!؛ واحد يُشْبِع رَغْبَتَك في اللذائذِ الخبيثةِ القصيرةِ الزَّائِلَة هو بَدَل محمَّد!، ما حالُه وما حال محمد؟!!، ما خُلُقه ما خُلُقه محمد؟!، ما وَصْفُه وما وَصْفُ محمد؟!، بماذا أخْبَرَ ذاك أو بماذا بَهَرَك؟، ماذا عِنْدُه، مَن حدَّثَكَ عن أمورٍ كانت في الغيبِ الذي لا يَعلمُهُ الناس فشُوهِدَت بالعيون كما أخبر.

أرنا الهدى بَعْد العمى فقلوبنا ** به مُوقِنَات أنَّ ما قال واقِعُ

تَتْبَع مَن؟، وتقتَدِي بِمَن؟، وقُدْوتك مَن؟، ولكن الحق جلَّ جلاله يهدي مَن يشاء ويُضِلُّ مَن يشاء، اللهم اهدنا فيمن هديت، وأتْمِم علينا النِّعْمة، وعلى المُنْعَم عليهم اليوم كثير مِن قلوب بعيدين في الكفر وفي بلاد الكفر، تُقْبِل على الله وتَصْدُق، وتنقطع لها المسافة وتَبْعُد عنها الآفة، وواحد يعيش بين بلاد المسلمين وينْخَدِع وينْقَلِب، وإذا به يُعْلِن إلْحادَه ويُعْلِن فسادَه!، لا إله إلا الله، أمور حارَت فيها الأفكار، يُقَرِّب مَن يشاء ويُبْعِد مَن يشاء، ويُشْقِي مَن يشاء ويُسْعِد مَن يشاء، ويا مُحَوِّل الأحوال حوِّل حالَنا والمسلمين إلى أحْسَنِ حال، وكُلَّما ظَهَرَت أمثالُ تلك الدَّعوات هنا أو هناك، بأيِّ صورة مِن صورها، تأخذ لها مدى ثم يُبِيدُها الله إبادة، وهذه الكلمة تبقى عالية، وكلِمةُ الله هي العليا، جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ}، اصْطَفى اللهُ هذا الثاني معه وسط الغار، واصطفى قلوبناً مؤمنةً صادقة؛ إما في مكة مُسْتَضْعفَة أو مُهاجِرة، أكثرهم إمَّا في الحبشة أو في المدينة، أكثرهم في هذه المناطِق، وبعض قلوب أخرى قد سبق إليها النور مُفَرَّقين آحاد هنا وهناك.

وظلَّ الثلاث الليالي في الغارِ هذ المختار، مَنْ أعْلى اللهُ لَه المنَار، فهل ضرَّهُ تَرَبُّص هؤلاء الكفار؟، وما كان لهم مِن خططٍ وأفكار؟، وما تابعوه به وقاموا وضجُّوا هنا وهناك؟، وكونه اضْطَرَّ إلى أنْ يَبِيت وسط هذا الغار ثلاثةَ أيام؛ فراشُه الحَجَر، ووسِادتُه رِجْل الصِّديق، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، يُرَاح عليه في الليل ببعضِ اللبن أو ببعض الطعام يكتفِي به، ويظلُّ طولَ نهاره في غار ما فيه طعام، ما فيه شراب، ما فيه شيء مِن هذا المتاع، وأقام فيه ثلاثَ ليال صلى الله عليه وسلم، وأُبْعِد عنه دُوَل الكُفْر بِقُواها بآثار وأسباب مِن عنكبوت أو حمام.

ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على ** خير البرية لم تَنْسُج ولم تَحُمِ

وقايةُ الله أغْنَت عن مُضاعفة ** مِن الدُّروع وعن عالٍ مِن الأُطُمِ

مَن مِن هؤلاء الكفَّار الذين تابعوه، أو أصحاب القوى المادية في الشرق أو في الغرب مِن دُوَل فارس أو الروم أو الدّويْلات الأخرى في ذلك العالم بعد تلك الليالي يُذْكَرُ اليومَ بِتَمْجيدٍ أو محبةٍ كصاحب الغار؟!، مَن؟ مَن؟، مَن منهم؟ أين قُواهم؟، أين اختراعاتُهم؟، أين قوَّتُهم؟، أين عسكرُهم؟، مَن منهم يُمَجَّد؟، مَن منهم يُعظَّم، مَن منهم تُوَاليهِ القلوب كَوَلاء محمدٍ؟!، ونحنُ في الدنيا.

ألا إنه المخاطَب مِن قِبَل خالِق الْكُل: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}، صلى الله عليه وعلى آله وصحبِه وسلم، ولما تَقَوَّلت الألْسُن منهم: إنَّ محمَّداً وَدَّعَهُ ربُّه وقَلاه، فأنزل الحق: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}.

وكان مما أعطاه في هذه الدنيا بقاءَ هذا النور وهذا الخير في قلوبٍ في الشرقِ والغرب، يجمعُها الله على سِرِّ جمعية عليه؛ لا في اتحادات دنيوية مُشَكَّلَة بأشكال للمقاصِد الدَّنِيئَة، ويَقُوم عليها ما يَقُوم مِن كَثْرة الكلام في الأرض، لا؛ لكن قلوب تحتَ وحْدَانِيَّة: لا إله إلا الله، وحقيقة: لا إلهَ إلا الله محمد رسول الله، تَتَساقَى وتتلاقى، وقد تتلاقَى منها الأشباح في الشرق والغرب، هم محلُّ نَظَرِ خالقِ السموات والأرض، ربِّ العرش العظيم جل جلاله، هُم مِن العطاء الذي أعطاهُ اللهُ حبيبَه محمداً، {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ومنها هذهِ الغُرر في مجالِس الخير والنور وما يَتَنَزَّل فيها، ولقينا بَعْض إخواننا بالمغرب؛ قالوا: وفي كل جُمُعة نُتابِعكم عَبْر القناة في مَوْلدكم في دار المصطفى، وكم تُشارِك مِن قلوب هنا وهناك، وقرأنا هذا المولد في ليلةِ الجُمُعة الماضية، في بيت مِن بيوت القرآن وسط مدينة فاس، كان مِن عائلة  اشْتَهَر فيها آباؤهم الكثير بالقِراءات في القُرآن، وعِلم القراءات في القرآن.

وجِئْنا إلى بيت كان يَنْزِل فيه مِن الأخيار والصالحين؛ أمثال السيد محمد بن علوي المالكي، أو السادة الغُمارِيَّة أو غيرهم مِن أهلِ العِلم؛ بيت آل بن كِيران لا زال إلى الآن تُخْتَم فيه القرآن الكريم؛ في كُل أسبوع خَتْمَة بِوَاحِد مِن الْقُرَّاء، إلى أنْ تَمُرَّ العَشَرة، فإذا أكملوا العشرة رجعوا مِن أول، ويقرأون في كل أسبوع بقراءة واحد مِن العشرة، ويُختم فيه القرآن وسط هذا البيت.

في ليلة الجمعة الماضية مثل الليلة نحن نذكركم هناك ونذكر اجتماعكم، وقرأنا هذا المولد، وحضَر معنا مَن حضَر مِن آل البلد ومِن غيرها مِن الذين وفدوا بهذه الروابط القَلْبِيَّة، وَفَدُوا وجاءوا إلى المغْرِب وإلى مدينة فاس، لا لِـمُجَرَّد السِّياحات ولا رؤية شيء مِن المظاهر الفانِيَات، وجاءوا واجتمعوا في تلك المجامع، وفي بعض الدِّيار وبعض الزوايا، ومجلس في الصباح ومجلس في العَشِي، ويقرأون فيه، ويتذاكرون فيه، ويتَدَبَّرُون أمْرَ علاقتهم بالرحمن جلَّ جلاله؛ مَن وفَدَ مِن فرنسا، ومَن وفد مِن أمريكا، ومَن وفد مِن بريطانيا، ومَن وفد مِن كندا، ومَن وفد مِن السويد، وَمن وفد مِن باقي بلدان أفريقيا ومِن غيرها مِن الأماكن، ما الذي جمعهم؟!، وما الرَّوابط بينهم؟، لا حَبْلَ في الوجودِ أقوى مِن حبل: لا إله إلا الله،  {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}.

وهذا الحَبْل الذي يَسُوقُ قلوباً كثيرة لأنْ تَنْظُرَ بِمِنْظار لمثلِ هذا البلد، والْبُلدان التي سَبَق فيها الخير والأخْيَار؛ في شامِنا، أو مِصرنا، أو عِراقنا، أو مَغْربنا، أو غيرِها مِن بِقَاع العالَم، ينظرون إليها بِمِنْظار الصِّلَةِ بالله، والمكانة مِن حيثُ الاعْتِبارِ الإلهي، والميزان الدَّائِم الباقي الأبَدِي؛ لأنَّ الاعتبارات الأخرى كلُّها كثير وكلها تزعزع، وكلها تزول، وكل زمان وكل عَصْر ادَّعوا فيه التَّقَدُّمَ وادَّعوا فيه الاكتشافات والاختراعات أقاموا اعتبارات ثم لا تَلْبَث أنْ تَتَزَلْزَل وتتلاشى.

 لكن الاعتبار عند الله، هو الباقي، هو الدَّائِم، ومَن كان رفيعاً عند الله فهو الرَّفيع إلى الأبَد، ومَن كان سعيداً عند الله فهو السَّعيد إلى الأبد، ومَن كان كريماً عند الله فهو الكريمُ إلى الأبد، وكل مَن اعتُبِر كريماً أو سعيد أو رفيع بغير ميزان الله فَكَذِب وزور، ومَظْهَر مؤقَّت بيقين، لا يبقى منه شيء؛ لتعلمَ أنَّ مالك الملك واحد، وربُّ المملكة واحد، {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }.

وشرَّفَكُم بهذه الوجهات وتشارككم فيها قلوب؛ أنتم مِن حيث الظاهر تعلمون هذه وسائل الاتصالات، واجتمعت عليها قلوبُ كثير مِن إخوانكم في كثير مِن الجهات، ولو حُدِّثْتُم عن الملأ الأعلى، أو عَن أصنافٍ وطوائفَ مِن أهل البرازِخ كذلك، بالاتصالات الموجودة لديهم يتَّصِلُون بمثل ذا المجالس، ويتابعونها، ويشهدونها، ويكون فيها ما يكون مِن وحدة الجَمْعِيَّة الـمُتَّجِهَة إلى الواحِد، وإلى حَضْرَةِ الأحَدِيَّة، مِن الحَضْرةِ المحمدية الأحمدية، يقصدون وجْهَ الرَّب مِن حيثُ شرع لهم، ومِن حيثُ يَسَّر، ومِن حيث أذِنَ، ومِن حيثُ رَضي جلَّ جلاله وتعالى في علاه، الحمدُ لله على هذهِ النِّعَم.

وفي مثلِ ذا المجمع للحاضِر ومَن يَسْمع ولغيرهم، يُقْسَّم كثيرٌ مِن شئون رمضان في لياليه وأيامه، كثير مما يُدْرَك أوَّل ليلة وثاني ليلة وثالث ليلة أو ليلة القدر فيه، أو بشيء مِن عشره الأوائل أو الأواسط أو الأواخر، قال صلى الله عليه وسلم: ((وذلك أنَّ الله يكتبُ أجْرَهُ ونوافِلَه قبل أنْ يُدْخِلَه))، قبل ما يدخل رمضان وقد ذا فائز في الليلة الأولى بكذا، والثانية والثالثة، وليلة كذا، وذاكَ فائز، وذاك خاسر، ((ويَكْتُبُ شقاءَهُ وإصْرَهُ قبل أنْ يُدْخِلَه؛ وذلك أنَّ المؤمن يُعِدُّ فيهِ الْعُدَّة مِن النَّفَقَة لِلْعِبَادة، وأنَّ المنافِق يَعُدُّ الْعُدَّة لِتَتَبُّع عورات المسلمين)) والعياذ بالله تبارك وتعالى.

ونِيَّاتُ الناسِ في استقبالِ الشَّهر تختلف، وعليها يقوم كتابةُ الأجْر والنوافل، أو الشقاء والإصْر مِن قَبْل أنْ يدخل رمضان، ويدخل رمضان ويَظْهر الأثَر في كلٍّ ممن تَوَجَّه هنا أو هناك، مَن اعتلى وممن انخَفَض، وممن سَعِد وممن شَقِي، والله يجعل لنا قلوباً تَقْصُد المقاصِد العَالِيَة، تريد المراتِب الرَّفيعة على الأبَد والدَّوام، يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين.

فَتَهَيَّئُوا للشَّهْرِ الكريم، وجُودِ الله في أوَّل ليلة من رمضان: ينظرُ اللهُ إلى عباده، إذا كان أول ليلة؛ ليلة النظرة اسمها، مخصوصة بأمة محمد، وعده وأخبره مِن أسرارِ الله، مِن غُيُوب الله العُظْمى التي حدَّثنا الله عنها على لسان نَبِيِّه: أنَّ له نظرةً في أولِ كلِّ ليلة مِن رمضان، مِن كل رمضان أول ليلة مِن كل رمضان إلى أمة النبي محمد، ومَن نَظَرَ إليه لم يُعَذِّبْهُ أبداً.

الله يُهَيِّئنا لهذهِ النظرة؛ يُهَيِّئنا بتحقيقِ التوبة، والإنابة إلى الله، والإقلاع عن الصغائرِ والكبائر، وعن جميعِ الذنوب بينك، وبين الله وبينك وبين عبادِ الله، وصَفَاء باطِنَك، وصِدْقِ وجهتَك، واستعدادَك للقيام بالليالي والأيام؛ صلاة في سُكُون وطُمأنينة، الفرائض الخمس في جماعة، لا يَفُوتَك فيها تكبيرةُ الإحرام مع الإمام، وتَحْرِص على الصَّف الأول ولو في بعض الفُروض، ثم بتلاوةِ القرآن الكريم وتَدَبُّر لمعانيهِ.

وقد كان الصالحون مِن الماضين رتَّبُوا أنَّ كُلَّ المساجِد في حِزْبها للقرآن، وتلاوتها العامة التي تجمع جيران المسجِد وأقارِبُه لا يَقِل ما بين سِتَّةِ أجزاء، أو سَبْعَة وثمانية أجزاء في الْخَتْم عندهم في ليالي رمضان؛ إمَّا في كُل سِت ليالي أو في كل أربع ليالي، وكانت مساجد البلدة كلها على هذا، وهذه قراءتهم العموميَّة في حلقات القرآن، وللأفراد منهم قراءة غير ذلك، وتلاوة غير ذلك.

كان الحبيب علوي بن شهاب يقول: أرْقُب الحبيب عبدالرحمن المشهور يقرأ بغير مجالس حزب القرآن قراءة له: يبدأ في الصباح في الختمة وآخر العَشِيَّة يختمها، في كل يوم من أيام رمضان، كان سيدنا الإمام الشافعي في رمضان له ختمة في الليل وختمة في النهار.

فارْتَبِط بالقرآن، ولا ينبغي أنْ يكونَ فينا مَسْجِد إلا وفيه قراءة؛ لا أقل مِن خمسة أجزاء في اليوم تُقرأ، فيختمون كل سِت ليالي في رمضان، ونَتَّصِل بالقرآنِ ونورِ القرآن وسِرِّه، وأسَّس مَن أسَّس مِن آل النور والخير هذه المجالس الكريمة المباركة، فَقِيَامُنا بها رابطة بِوَسِيلَة قوية للارتقاء ولِلتَّخَلِّي عن القواطع والشوائِب التي تلْحَق أعمالَ الناس بسبب الانتماء إلى الأصول وإلى الأُسُس والمؤسِّسين الذين أسَّسُوا بِصَفاء ونَقَاء وتُقى، وإخلاص لوجه الله جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

ونُحْسِن مُوَاصَلة أرْحامِنا، ونتصدَّق بما يَتَيَّسْر لنا، ونَحْرِص على حضورِ القلوبِ وقتَ الإفطار والدعاء؛ فإنها وقت عِتق مِن النار، وإنَّ لله في كل ليلة ستمائة ألف عتيق من النار، وفي الرواية الأخرى: ألْفَ ألف عتيق من النار، وعند طلوع الشمس، وكان القليل مِن الناس الذين يَعْمُرون بعد صلاة الصبح خصوصاً في رمضان، وعِند طلوع الشمس يَكْثُر العِتق مِن النار، وعند غروبها كذلك، ثم في تلك الليالي.

وللملائكة في السماء مُخابراتٌ عن أحوالِ أمة محمد في الأرض، ومنهم مَن يُذْكَر في يوم القدر بعد أنْ تنَزَّل الملائكة؛ حتى تكون في الأرض أكثر مِن عدد الشَّجر والحَجَر،  {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ }، فإذا صعدوا يسألون عن فلان وعن فلان في السموات، فيذْكُرون الناس، ومنهم صِنْفَان ذكرهم صلى الله وسلم، قال: يقولون فلان كان في العام الماضي مُدْبِراً مُوَلِّياً فأقبلَ، فتَتَرحَّم عليه الملائكة وتدعو له، ويقولون: كان فلان مُقْبِلاً في العام الماضي فتَنكَّر وضلَّ والعياذ بالله في هذا العام وأدْبَر، دفعَ اللهُ عنا شَرَّ الإدبار.

وكان مما يعمل بعض قُطَّاع الطريق ينشرون بين المسلمين في رمضان: إما زيادة أسواق، وإما ألعاب ومباريات بَدَل التراويح وبدل قراءة القرآن، وإذا ثُلَل مِن شباب المسلمين عاكفين عليها!، وأنتم عاكفون في المساجد، وأنتم عاكفون وراء ما زيَّنَهُ لكم كل فاسِد والعياذ بالله تبارك وتعالى، وهكذا يُغيِّرون المسار لما رتَّبَهُ المختار: ((كان يَجْتَهِد في رمضان ما لا يَجْتَهِد في غيره، ويجتهد في العشر الأواخِر منه ما لا يجتهد في غيرها مِن رمضان)).

فَنِيَّاتِكُم أمام الشهر، يَطَّلِع عليها الحق على ما في ضمائركم، وتُكتب لكم وتُهيَّأ لكم أجور ونوافل من الآن؛ حتى يأتي رمضان وتُنازلونها وتُنازلكم، وتَصِلُون إليها وتَصِل إليكم، فأروا اللهَ مِن قلوبِكم ما يرضاه، أنتم عبيدُه وحدَه، لا تُسْتَعْبَدوا لِسِوَاه كائناً ما كان.

املأ هذه القلوبَ يا رب، الحاضرين والسامعين بأنوار الإيمان واليقين، والصدق معك والإخلاص لوجهِك الكريم، واجعل يا ربنا رمضانَ هذا العام الأربعين بعد الأربعمائة والألف مِن هجرة نبيِّك مِن أبْرَكِ الرمضانات على أمةِ نبيك، ومِن أعظمِها عطاءاً فيه منك لهم، فَرَجاً وغِيَاثاً وجَمْعاً للشَّمْل، وأنوار هداية تَسْري إلى القلوب، فيؤمِن كافر، ويَرْجِع غافِل، ويَقْرُب بعيد، ويتحوَّل كم مِن شقيٍّ إلى سعيد.

ولا تجعل في بيوتِنا محروماً، ولا تجعل في بيوتِنا شقِيَّاً، ولا تجعل في بيوتِنا غافِلاً، ولا تجعل في قلوبِنا مُضَيِّعاً لليالي رمضان، ولا لأيام رمضان، ولا مَن يَهدِمُ حِصْنَ صومِه بكذب ولا غِيبَة ولا نَمِيمَة ولا نظرة شهوة، ولا شيءٍ مِن الذنوب والمعاصي يا رب العالمين، ويا أكرمَ الأكرمين، وارزقنا صِدق الإقْبالِ عليك والوجهة إليك.

وإنَّ مَن عَشْعَشَت في قلوبهم الانتماءاتُ إلى الدَّنَايَا وشُئون الصِّراعات في الدنيا يجون إلى الطوائف التي أكرمَهُم الله ببقاء الصِّلة به وترَفَّعوا عن ذلك؛ وهذا يتَقَوَّل وَيَنْسِبهُم إليهم، وذا يتَقَوَّل يَنْسِبُهم إليهم، وذا يتَقَوَّل يَنْسِبهم إليهم!، انْسِبُوا ما تَنْسِبوا، ربُّك أعْلَم بالقلوب مع مَن؟، وهو أعْلَم بقلوبِ خَلْقِه جلَّ جلاله.

وإنَّ في الأمةِ طائفةً ظاهرين على الحق، لا يتأتَّى أنْ يدخلوا تحتَ دائرة دولة شرق ولا غرب، ولا نوع مِن أنواعِ الصراعات التي زَهَّدَهُم فيها صاحبُ الرسالة والنبوة، كائِنَةً ما كانت، وسَيَظَلُّونَ كما وصَف محمدٌ صلى الله عليه وسلم في هذه الأمة، والله يجعلنا منهم، ويجعلنا فيهم، ظاهرين على الحق لا يَضُرُّهُم مَن ناوَأهُم ولا مَن خالَفَهُم، حتى يأتيَ أمرُ الله وهم ظاهرون، يَحْمِلُ هذا العِلْمَ مِن كل خلَفٍ عدولُه، يَنْفُون عنه تحريفَ الغالِين، وانْتِحَالَ المبْطِلين، وتأويلَ الجاهلين.

ويكفيهم أنَّ هذهِ الطائفة تَرَكَت لهم صراعاتِهم على الدَّنايا ولا صارعَتهم على شيء، ولا لها الْتِفات إلى شيء، فليتَّقوا اللهَ ولِيَتْركوا الطائفةَ لا يَكْذِبُون عليها، ولا يَنْسِبُون إليها ما ليس عندها، ولله في خَلْقِه شئون، والقاضي يقضي، والحاكم يَحْكُم، وفاز مَن أقبل واتقى، واغتنمَ الليالي بالتَّوَجُّه إلى الحق جلَّ جلاله، وتحققَ بحقائقِ الصِّدقِ مع الله سبحانه وتعالى تَحَقُّقاً.

اللهم ارزقنا الصِّدْقَ معك، والإقبالَ إليك، واجعلها ساعةً مِن ساعات  العطاء الوفير لأمةِ البشير النذير، والسراج المنير، يا رب يَسِّر كلَّ عسير، يا رب ادفع البلاء، وادفع الوَبَاء، وادفع الأمراض والأسقام الظاهرة والباطنة، وادفع الشَّحْنَاء، وادفع البغضاء، وادفع الفُرْقةَ بين قلوب المؤمنين، واجمعهم وألِّف ذات بينهم، واجعلنا في أنْفِعِهِم لهم، وفي أبْرَكِهم عليهم، وانفعنا بالمسلمين عامة، وخاصتهم خاصة، وفرِّج كروبَ الأمة في المشارق والمغارب، وادفع جميعَ المصائب والنَّوائِب، يا محوِّلَ الأحوال حوِّل حالَنا إلى أحْسَن حال، وعافِنا مِن أحوالِ أهل الضَّلال وفِعْلِ الجُهَّال.

اللهم ما تَكْتُب لأحبابِك وأهلِ حَضْرَةِ اقْتِرَابِك في رمضانَ مِن المواهب والمِنَن والمِنَحِ والفتوحات والقُربِ والمغفرة والرضوان، اكتُب اللهم لنا مِن ذلك أوْفَاهُ وأصْفَاهُ وأجَلَّهُ وأجْمَلَهُ وأكْمَلَهُ، وأرْفَعَهُ وأوْسَعَهُ وأشْرَفَهُ وأتْحَفَهُ وأعْظَمَه، فضلاً ومَنَّاً وجُوداً وكَرَماً، يا مُجيبَ دعوة الداعين، يا مَن لا يُخَيِّب رَجاءَ الرَّاجين.

بين يَدَيْكَ عِبادُك يسألونك بِسَيِّد أهل حضرتك، وأهل حضرتك مِن أتباعِه أجمعين، أنْ تُوَفِّر حَظَّهُم مِن مواهبِك في رمضان، ونظرتك في أول ليلة اجعل حظَّ كل فردٍ من الحاضرين والسامعين وأهل ديارهم وَفِيراً مِن نظرتك، يا خيرَ مَن يَنْظُر، وأكرمَ مَن يَغْفِر، ويا أجَلَّ مَن يَسْتُر، ويا حَيُّ يا قَيُّوم، يا عالِمَ الجَهْرِ والسِّر، اجعلنا مِن أسْعَدِ الناس برمضان المُقْبِل علينا، واجعله مِن أسْعَدِ الرَّمضانات لأمَّةِ حبيبك هادينا، وأرِنا آثارَ ذلِكَ في أحوالِهم وشئونهم وأوضاعهم.

يا رب نظرة إلى اليمن والشام، وإلى العراق والسُّودان، وإلى مِصر وإلى المغرب، وإلى بلاد المسلمين، وإلى المسلمين في المشارق والمغارب، ونظرة إلى عبادِك وخَلْقِك تهدي بها، وتُصلح بها، وتُسْعِد بها، وتُقَوِّم بها، وتُقَرِّب بها، وتدفع الآفاتِ والبَلِيَّات والعاهات والكُربات، يا مُجيبَ الدعوات، يا رب الأرضين والسموات يا الله، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 وصلِّ وسلِّم على داعينا إليك، ودالِّنا عليك حبيبِك محمد، وعلى آله وصحبه ومَن سار في دَرْبِه، والحمد لله رب العالمين.  

للاستماع إلى المحاضرة: