خطبة مكتوبة بعنوان: معاني الذكرى وعظيم نفعها وأثرها في واقع الأمة إذا قامت على وجهها.

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع منطقة الخريبة بوادي دوعن، حضرموت، 3 جمادى الآخرة 1440هـ بعنوان:

معاني الذكرى وعظيم نفعها وأثرها في واقع الأمة إذا قامت على وجهها.

الخطبة الأولى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمدُ للهِ خالقِ السماواتِ والأرضِ مَلكِ ا لدنيا والأخرى ، وأشهد أن لَّا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له {أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}  {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا}،  ووَسِعَ العِبَاد جُوداً وبِرّاً ، مِنه الـمُبتدأُ وإليهِ المرجِعُ واستوَى في علْمِهِ ما كان مِن شُؤونِ الخلقِ سرّاً وجهراً ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا وقُرَّة أعينِنا ونورَ قلوبنِا محمداً عبدُه ورسولُه ، مَن أعلى اللهُ له قدراً، ورفعَ له ذِكراً، وجعلَهُ أكرَمَ خَلقهِ عليه وأرفعَهم مَنزِلةً لديهِ في الدنيا والأُخرى.

اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدِك المصطفى الذي بعَثْتَه إلينا مُذَكِّرَاً وهادياً ومُبشِّراً ونذيراً، وداعياً إليك بإذنِك وسراجاً منيراً، وحَرَّمتَ الجنةَ على مَن عصاهُ وكذَّبَ به، وجعلتَ أوَّلَ داخلٍ إلى الجنة مِن الأممِ أمَّتُه، وأولَ مَن تنشقُّ عنه الأرضُ هو ، وأولَ مَن تُحاسَبُ أمتُه ، وأولَ مَن يجوزُ الصراطَ هو بأمتِه. اللهم أدِم صلواتِك على الذي ميَّزتَهُ وخَصَّصْتَه وشرَّفتَه وفضَّلْتَه؛ عبدِك الهادي إليكَ، والدَّالِّ عليكَ سيدِنا محمدٍ ، واجعل حظَّنا منهُ وافراً، وارْبُطنا به باطناً وظاهراً، واحشُرنا يومَ القيامة في زُمرتِه يا حيُّ يا قيوم، صلِّ اللهمَّ وبارِك على عبدِك المصطفى سيدِنا محمدٍ، وعلى آلِه الأطهارِ، وصحابتِه الأخيار، ومَن في مِنهاجِهم سار على مَمرِّ الأعصارِ ، وعلى آبائهِ وإخوانِه مِن الأنبياءِ والمرسلين وآلهِم وصحبِهم أجمعين، وعلى ملائكتِكَ المقرَّبين، وعلى جميعِ عبادِك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

أما بعد عبادَ الله: فإني أوصيكُم وإيَّايَ بتقوَى الله،  تقوى اللهِ التي لا يقبلُ غيرَها، ولا يَرحمُ إلا أهلَها ولا يُثيبُ إلا عليها، وإنَّ الواعظين بها كثيرٌ، وإنَّ العاملين بها قليل، وإنَّ مَن اتقى اللهَ عاشَ قويّاً وسارَ في بلادِ الله آمنا.

 ومَن ضيَّعَ التقوى وأهملَ أمرَها ** تغشَّتهُ في العُقبَى فنونُ النَّدامة

أيها المؤمنون: وإنَّ مِن ركائزِ تقوى اللهِ في حياةِ الأمةِ إقامةَ الذكرى على وجهِها، ولقد خاطبَ الله حبِيبَه وقال: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}، وقال: {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى *وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى}، وقال: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}

 وبهذا النَّفعِ للمؤمنين بالذكرى جاءت أعمالُ وانطلاقاتُ وسِيَرِ الأنبياءِ والمرسلين صلواتُ الله وسلامُه عليهم؛ ذكَّروا بأيَّامِ الله، وبأحكامِ الله، كما ذكَّروا بملائكةِ الله وبأنبياءِ الله، وكُلُّ نبيٍّ يأتي مصدِّقاً لمَن قبلَهُ مِن الأنبياءِ والمرسلين، وناشِراً لأخبارِهم وقَصَصِهِم وأحوالِهم، وذَكَّروا بنِعَمِ الله، وذَكَّروا بالمآلِ والمصيرِ إلى الله؛ فكانت هذه الذِّكرى رَكيزةً في الحياةِ تُغَذِّي حقيقةَ التقوى في القلوب، وتَحمِلُ على الاستقامةِ على التقوى في السرِّ وفي النَّجْوى ، مَنْفَعَةٌ عبَّرَ اللهُ في كتابِه على لسانِ سيِّدِ أحبابه، فإنَّ الذِّكرى تنفعُ المؤمنين.

 إن الذِّكرى على وجهِها إذا قامت مَنَعَت شرورَ ما يدورُ بين الخلائق مِن المفاسدِ والأضرارِ مِن كُلِّ ما يضرُّهم تذَكُّرُه أو التَّفَكُّرُ فيه أو نشرُ كلامِه وأقاويلِه بينهم البَين، وذلك ما يروِّجُ له عَدوُّ الله إبليسُ وجُنْدُه؛ فيلقُون على المسامعِ بل وعلى الأنظارِ ما يَحْجُبُ عن حقيقةِ الذِّكرى، وما يَبعَثُ على الغَفْلَة ، بل على قصدِ المنكر، بل على إرادةِ السوء، بل على ضُرِّ بعضِهم لبعض، بل على الكفرِ والبُعْدِ والإلحادِ، والعياذُ بالله، وكلَّما ضَعُفَتِ الذِّكرى بين المؤمنين انتشرَت عوامِلُ الهَدمِ والإفسادِ بالمنشورات؛ مِن منظوراتٍ ومسموعاتٍ تَهُدُّ قوى الإيمانِ، وتُظلِمُ وتُكَدِّر القلبَ والجَنان، وتُبْعِدُ الإنسانَ عن تقوى الرحمنِ جل جلاله .

ألا إنَّ الذكرى تنفعُ المؤمنين، فأقِم أساسَها في نفسِك وفي بيتِك وأسرتِك ومع أصحابِك وأصدقائِك وفي مَحلِّ عَمَلِك وانطلاقِكَ في الحياةِ في مجتمعِك، وبذلك جاءت لمجتمعاتِ الإيمانِ والإسلامِ بالتأثيرِ الحَسَنِ مِن عُلمائِها وصُلحائِها إقامةُ الذِّكرى التي تَحمِلُ على التقوى ؛ ذكرى أخبارِ رسولِ الله، ذكرى  صحابتِه وغزواتِه، ذكرى التَّابعين وتابِعِي التَّابعين، ذكرى مَن يَمرُّ مِن العِبادِ الصالحين، كانت دَيْدَناً  لصلحاءِ أجيالِ الأمة، كما هو مَسْلَكٌ لمَن قبلَنا مِن النَّبيِّين، {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} بعد أنبياءَ كثيرٍ، ورُسُلٍ كثير؛ قبْلَهُ  بقريبٍ كان موسى وبينه وبينه المئات بل الألوف مِن السِّنين {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ}، يحمل ذِكرَى موسى والوحيِ الذي أُنْزِل إليه ويَحمِلُ تعظيمَهُ وتَمجيدَه؛ قال سبحانه وتعالى: { وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ  وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ}، مُصَدِّق للأنبياءِ قبلَهُ وللنبيِّ قبلَه، يَحمِلُ ذكراهم.

ثم إنه حَمَلَ في رسالتِه، في خُلاصَةِ الرِّسالَةِ عليه صلواتُ الله وتسليماتُه ما أخبرَنا الحقُّ عنه في كتابِه قال: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}، ذكرى يحملُها عيسى بنُ مريم: {مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

إنها الذكرى التي بَثَّها اللهُ في الكتبِ الـمُنْزَلَة، وما مِن كتابٍ أنزلَهُ مِنَ السماءِ إلا ومِن عناوينِ الذِّكرى الكُبرى فيه أوصافُ نبيِّكم محمدٍ، سِماتُ نبيِّكم محمد، بل وصَفَ الرحمنُ في الكتبِ شَخْصَهُ وشَكْلَهُ ومَظْهَرَهُ وصورَتَهُ الكريمةَ، فضلاً عن أخلاقِه العظيمة، وصفَه صلى الله عليه وسلم في التوراةِ وفي الإنجيل.

بل جعل اللهُ مِن الذِّكرى للأممِ قبلَنا أن يذكُروا صُلحاءَنا وأخيارَنا، كما جَعلَ مِن الذكرى عندنا أن نذكرَ صُلحاءَ وأخيارَ الأممِ قبلَنا؛ فقال جل جلاله وتعالى في علاه: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا}، هذه مِن مظاهرِ الذِّكرى في القرآن: { تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا  سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ}، قال اللهُ، هذه الأوصافِ وعناوين هذا الاتجاه، وشؤون هذا المسلَك نَشَرْتُها في الكتبِ المنزلةِ مِن عندي، من قبْلِ أن تأتي هذه الأمةُ: {ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ}.

فجعلَ اللهُ في التوراةِ والإنجيلِ وصْفَ أصحابِ نَبيِّنا ومَن مشى على طريقِهِم، بهذه السِّماتِ الـمُمَجَّدة: {أشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، مُفسَّرةٌ شِدَّتُهم: بأن لا يسمحُوا لهم أن ينشُروا طغيانَهم وكُفرَهم وفسادَهم، ولا أن يضرُّوا بالأخلاقِ والقِيَم، ولا أن يظلمُوا ولا أنْ يَطْغَوا، أما في دَعوتهِم ودلالتِهِم فما كان النبيُّ ولا الصحابةُ ولا أحدٌ مِن الأنبياءِ قبَلَه سبَّابِين ولا شَتَّامين ولا مُؤذِين لا مُثيرِين ولا مُسِيئيِ التعاملِ مع جارٍ ولا غيرِه، مِن كافرٍ مِن أصنافِ الكفارِ .

 حتى مَرَّ مجوسِيٌّ على سيدِنا الخليلِ إبراهيمَ، ويريدُ أن ينالَ مِن طعامِه فدعاهُ إلى الإسلامِ فأبى وغَضِب وانصرفَ، فأوحى اللُه إليه: ((استَطْعَمَكَ عَبدٌ مِن عبادي يوماً لِغداءٍ فمنعتَه ذلك، وهو يكفرُ بي ويعبدُ النارَ مِن دوني وأنا مُنْذُ خَلَقْتُه لم أقطَع رزقِي عنه)) أُغَدِّيه وأعشِّيه كلَّ يومٍ وكلَّ ليلهٍ، فخرجَ يبحثُ عنه حتى وجدَهُ في السوقِ فردَّهُ، قال: وقفتُ على بابِك ودعوتَني إلى دينِك فلذا أنا ذهبتُ مِن عندِك، قال: (لكنَّ اللهَ أوحَى إلي يعاتبُني فيك)، قال: وإلهُك هذا الذي أنا أكفرُ به يُعاتِبُك فيَّ وأنا كافرٌ به؟!، أشهدُ أن لا إلهَ إلا هو وأنك نبيُّه ورسولُه، دعنِي أدخُل الإسلامَ، وتأثَّرَ قلبُه مِن مُعاملةِ الله تعالى ومُعاملة الأنبياء .

ولكن إبراهيم شديد على الكفار: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ  قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، لا مُساوَمَةَ على الاعتقادِ، لا مَساومةَ على الإيمان، لا مُداهنةَ لكفارِ شرقٍ ولا كفارِ غربٍ على ثوابتِ الدينِ وأصولِ الدين، هذا معنى: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ}، ليس  معناه سبَّابِينَ ولا شَتَّامين ولا خائنِي عهود ولا سيِّئي مُعامَلة؛ بل مِنهاجٌ يقولُ الله فيه: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ}، كفار ما قاتلُوا ولا أخرجُوكم مِن ديارِكم تبرُّوهم وتُقسِطُوا إليهِم ؛ بِرٌّ وقِسط، أما الولاءُ والمحبةُ والمودَّةُ فللمُؤمِنين.

أما البِرُّ والقِسطُ ففي شَرْعِ الله لا يُعْدَمهُ مِنَّا أحَدٌ ممن لم يُحارِب ولم يقاتِل، وذلك أيُّ  مَنطقٍ لعقلِ إنسانٍ أبْعدَ مِن هذا أو أقربَ من هذا؟ أو أجملَ مِن هذا؟ أو أكملَ مِن هذا؟،  ولن يستطيعَ فِكْرُ بَشرٍ أن يَخدمَ الإنسانيَّةَ أو حقوقَها أنْ يأتِيَ بنظامٍ أجملَ مِن هذا النِّظام،  ولا أكْمَلَ ولا أتَمَّ، إنه نظامٌ قامَت فيه الذكرى على وجهِها؛ حتى رأينا المجاهدِين يقدِّمون أحسنَ طعامِهم للأسرى مِن الذين يقاتلونَهم مِن الكفار؛ تَوَفَّرَ التَّمرُ لدَيهم وقَلَّ الخبزُ فيفرحون بالخبزِ إذا جاء فإذا وقعَ الخبزُ في يَدِ بعضِ الصحابةِ أعطاه للأسرى، بعد قولِ النبيِّ لهم: ((اسْتَوَصُوا بالأسرَى خيراً))، هؤلاء الأشداءُ على الكفارِ، هذه شدَّتُهم على الكفار، هذا معنى شدَّتِهم، فلما استوصاهم النبيُّ بالأسرى بعد رجوعِ مِن بَدرٍ خيراً كان يقولُ بعضُ الأسرى أسلمَ فيما بعد، يقول: كانت تقع الكِسْرةُ في يَدِ أحدِهم، خُبزٌ طيِّبٌ تشتهيهِ النفوسُ، ليس متوفِّراً كثيراً، قال: فيتناولونه ويناولونَنا إياه! قال: حتى استَحْييتُ منهم فرددتُ عليهم الكِسرةَ فرَدُّوها عليَّ، فرددتُها عليهم فردُّوها عليَّ، ما قربَهَا مِنهم أحَدٌ، آثرُونا بأحسنِ طعامِهم،  ما يعرف العالمُ نظاماً كنظامِ محمد، هو نظامُ ربِّه الذي بعثَه به.

لكن أين الذِّكرى أيها المؤمنون؟! هل باتَت هذه السِّيَر وهذه الغزوات تنالُ نصيبَها في عقولِ أبنائنا وبناتِنا وزوجاتِنا وأهالينا في البيوت؟  برامجُ الفَسَقَةِ والفَجَرةِ عشعَشت وأخذَت الوقتَ، وأخذتِ العُمرَ، وأخذتِ الفِكرَ، فأوجدَت فينا انحِرافاً في الفِكرِ، وانحِرافاً في السُّلوكِ، وسوءً في التعاملِ، وجهلاً بالدينِ!، ألا إنَّ الذكرى تنفعُ المؤمنين فأقيمُوا الذِّكرى.

يا أيها المؤمن: مِن إقامتِكَ للذِّكرى النَّافِعة تَخيَّرْ ما يُعرَضُ في بيتِك، وما يُنظَر، وما يُسمَع، تخيَّرِ القنواتِ، تخيَّرِ المنشُوراتِ، ولا تَكن إمِّعةً كلَّما نُشِرَ إليك شيءٌ عَرَّضتَ قلبَك وقلبَ زوجتِك وأبنائِك الصِّغار الذين هم أمانةٌ في عُنقِك لِوَبَائِه ولِسُمِّه ولِشرِّه، هذا المنشورُ المدروسُ مِن قِبَلِ كم مِن مَغرُورٍ ومُعادٍ للهِ ورسوله، يَنْشُر لك البرنامجَ بِحِرْفَة وإتقانٍ ليُزعزعَ الإيمانَ أو الخُلقَ الكريم؛ فلِمَ تكونُ إمَّعةً تَسْمَحُ لهم؟!، تخيَّرْ ماذا يُتفرَّجُ عليه في بيتِك؟ ماذا يُسْمَعُ لأذُنِك وأُذنِ زوجتِك وأذنِ ابنِك وأذنِ بنتِك؛ فإنَّك مسؤولٌ عن ذلك، وإنها مؤثراتٌ خطيراتٌ، وإنها عواملُ إما ترفعُ وإما تخفِضُ، إما تُقَرِّبُ وإما تُبَعِّدُ.

{إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}، وما هذه الوَحدَة والقِرَانِ بين هذه الحواس؟ الأصل وهو الفؤادُ، والسمع والبصر لِقوَّةِ العلاقةِ بين الفؤادِ والسَّمعِ والبَصَرِ جعل اللهُ هذه الحواسَّ الثلاثةَ في مقدِّمةِ المسؤوليةِ.

أيها المؤمنون بالله : عنوانُ الذكرى في كتاب الله: { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ..} هذه الذكرى في القرآن؛ هذه الذكرى أخبارُ الزِّيانِ وقصصُهم وما جرَى لهم في حياتِهم ومع أهلِهم وزوجاتِهم.

لذا رأينا الصحابةَ تَشْرَئِبُّ أعناقُهم إلى تأمُّلِ أحوالِ الأسرةِ الكريمة؛ الحُجُرَات، وأمّهاتِ المؤمنين، وفي طلبِهم للذكرى يدخلُ مَن يدخلُ على عائشةَ أمِّ المؤمنين يقولُ لها: حدِّثِينا بأعجبِ ما رأيتِ مِن أحوالِ رسولِ الله؟ قالت: وبِمَ أُحَدِّثكم؟ كان كلُّ حالِه عجباً، كلُّه عجَبٌ صلى الله عليه وسلم؛ قولُه وفعلُه وهديُه وأخذُه كلُّه عجَب، كلُّه عجيب، كلُّه كامل، كلُّه شريف، قالت: ولكنِّي أحدِّثُكم: كان إذا جَنَّ الليلُ وخلَا كلُّ حبيبٍ بحبيبِه خَلَا هو بحبيبِه وقام يُناجِي ربَّه، ولقد وردَ عليَّ في ساعةٍ مُتأخِّرةٍ مِن الليلِ، فعَمِدَ إلى ماءٍ فتوضَّأ وقام يصلي، فلم يزَلْ يسجُد ويبكي حتى طلعَ الفجر، وجاء بلال يؤذِنُه بالصلاة، فرأى عليه أثرَ البكاءِ، قال: يا رسولَ الله أتبكِي وقد غفر اللهُ ما تقدَّم مِن ذنبِك وما تأخَّر؟!، فقال: ((يا بلال، لقد أُنزلت الليلةَ عليَّ آياتٌ ويلٌ لمن قرَأَها ولم يتَفَكَّرْ فيها، ويلٌ لمن قرَأَها ولم يتَفَكَّرْ فيها، ويلٌ لمن قرَأَها ولم يتَفَكَّر فيها))، وتلا عليه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} إلى آخر الآيات.

أقِم هذه الذِّكرى في نفسِك وبيتِك وأسرتِك، أأنتَ منهُم؟، أتَذْكُرُ اللهَ قائماً وقاعداً وعلى جنبِك؟ تذْكُرُه؟.. تَذْكُرُه؟ لا أقصدُ تذكرُه بأن يَمُرَّ اسمُه على لسانِك؛ تذكره بأن تَمُرَّ عَظمتُه على جنانِك وبالِك، تستحضرُ جلالَه وكبرياءه، هل تذكره قائماً وقاعداً وعلى جنب؟ وتتفكَّر في خَلقِ السماواتِ والأرضِ؟، {مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا  سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.

أيها المؤمنون: عناوينُ الذكرى في الكتابِ العزيز: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ}، {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ}، يقولُ الله لحبيبِه اذْكُرْ هؤلاء، لو لم يكُن ذكرُهم عبادةً فما هذا الأمرُ؟ ما هذا الأمرُ مِن اللهِ في كتابه؟ ذِكرُ الأنبياءِ عبادةٌ، ذِكرُ الصالحين عبادةٌ؛ بتمجيدِهم وما قصَّ الله عنهم، {وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ}، {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ}، مِن غيرِ الأنبياءِ اذكرِ الأولياءَ، الله قال اذكرهم، قال: مَن يَنْفِر قلبُه مِن ذكرِ أولياءِ الله؟، مَن يَنْفِر قلبُه مِن ذكرِ الصَّالحين مِن عباد الله؟، بطلت حقائق الذكرى في قلبه فتضرَّر مع مَن تضرر، وتنكَّر لما يَجبُ أنْ يطمئن به قلبه.

 "إن حكايات الصالحين جند الله يرسلها على القلوب "، {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ}، وخُذ قِّصتها تتلى في الصلوات: {إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا}، إلى آخرِ قصةِ مولدِ عيسى بنِ مريمَ عليه السلام، {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا}، {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا * وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ..}، {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا *وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا}.{ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ) }

 هذا الذكرُ الذي يُقرِّبُ إلى الله، هذه الذكرى في كتابِ الله، إنها ذكرى تحملُ التعظيمَ، تحملُ الإكرامَ للأنبياء والمرسلين والمقرَّبين عند عبادِ الله مِن الصالحين.

وفي مجرى هذه الذكرى في حياةِ الصحابة صَحَّ في الحديث أنَّ نبيَّكم خرجَ وسمِع جماعةً مِن الصحابة مُتجالسِين في ذكرى، يقول القائلُ منهم وقد سمعَه النبيُّ : إنَّ للهِ في خلقِه عجباً إنه كلَّمَ موسى تكليماً، قال الثاني: ما هذا بأعجبَ مِن إبراهيمَ اتَّخذَه الله خليلاً؛ اتَّخذَ مِن الخلقِ خليلاً، اتخذَ إبراهيمَ خليلاً، قال الثالث: ما هذا بأعجبَ مِن عيسى خلقَه الله سبحانه بيدِه وجعلَه كلمتَه، قال الرابع: ما هذا بأعجبَ مِن آدم خلقَه بيدِه واصطفاه عليه، فسلَّمَ عليهم النبي، وقال مواصِلاً للذكرى: ((لقد سمعتُ حديثَكم وعجبَكم، إنَّ إبراهيمَ خليلُ اللهِ وهو كذلك، وإنَّ موسى نجيُّ الله وهو كذلك ، وإنَّ عيسى روحُ الله وهو كذلك ،  وإنَّ آدمَ اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وأنا أكرمُ الأولين والآخِرِين على اللهِ يومَ القيامةِ ولا فَخر، ألا وأنا حبيبُ اللهِ ولا فَخر، ألا وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فَخر، ألا وأنا أول مَن يأتي بابَ الجنة فأحرِّكُ حِلَقَها ومعي فقراءُ المؤمنينَ ولا فخر)).

فمَن ذا الذي يقولُ لا تذكرْ مولدَه ولا تذكرْ سيرتَه ولا تذكرْ هجرتَه؟!!، مَن هذا ؟!، يا بعيداً عن القرآن، يا بعيداً عن السنة، يا بعيداً عن حياةِ الصحابة والصالحين، ماذا تقول؟ انظر ماذا تقولُ فإنَّ وراءك مسؤوليةً عما تقول، تَستنكِر ذِكرى مَن؟، تستوحِش مِن ذكرِ مَن؟!، صحِّح إيمانَك، صحِّح قلبَك، اذكر محمداً واذكر إسماعيلَ وادريسَ واذكر موسَى وعيسَى واذكر مريمَ بأمرٍ مِن عندِ ربِّك جل جلاله، أنذكر مريمَ ولا نذكرُ فاطمة؟!، أنذكرُ مريمَ ولا نذكر خديجةَ؟!، إنَّ ذِكْرَهُنَّ عِند اللهِ عبادةٌ، إن ذكرَهنَّ يُولِّد قوَّةَ الإيمان في القلوبِ {فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}.

أيها المؤمنون: أقيمُوا الذِّكرى كما شرعَ لكم الرب، واقفِلوا بذلك أبوابَ أهلِ الشَّغَب وأهلِ الكُرَب، وأهل الدعوةِ إلى ما يُفضِي إلى الندامةِ في المنقلَب.

اللهم أقِم لنا الذكرى، وهَب لنا منك البشرى، وتولَّنا سرّاً وجهراً، وأسعِدنا في الدنيا والأخرة، يا أكرمَ الأكرمين.

  والله يقول وقولُه الحقُّ المبين: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}، {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ *وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ * وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ * فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ * فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} [الطور 47: 60].

         بارَكَ الله لي ولكُم في القرآنِ العظيم، ونفعَنا بما فيه مِن الآياتِ والذِّكرِ الحكيم، وثبَّتَنا على الصراطِ المستقيم، وأجارَنا مِن خِزيِه وعذابِه الأليم.

          أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم، ولوالدِينا ولجميعِ المسلمين، فاستغفرُوه إنه هو الغَفورُ الرَّحيم.

 الخطبة الثانية:

الحمد لله، أعْظَمُ مَن ذُكِر، وقد وعَدَ مَن ذَكرَ أنه له يَذكُر، وأشهد أن لَّا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، جعلَ الإيمان به مُرتبطاً بالإيمان بملائكتِه ورُسُلِه وكُتبِه واليومِ الآخرِ والقدرِ خيرِه وشرِّه، وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا وقرةَ أعيننا ونورَ قلوبنا محمداً عبدُه ورسولُه، قصَّ علينا أخباراً كثيرةً لماضينَ مِن الأمم؛ قِصَّة أصحابِ الكهف، وقِصَّة ذي القرنين، وقِصَّة أصحابِ الغار الثلاثة، وقِصَّة جُريجٍ العابد، وقِصَّة الذي تكلَّمَ وهو في مَهْدِ أمه، إلى غير ذلك، مُقيماً للذكرى {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } ، وكان يقول: ((لا يقعدُ قومٌ مقعداً لم يذكروا اللهَ فيه، ولم يُصلُّوا على نبيِّهم إلا كانَ عليهم حسرةً يوم القيامة))، ((ما جلسَ قومٌ مجلساً لم يذكروا الله فيه إلا كان عليه تِرة))؛ أي تبِعَة وحسرة، ((ليس يَتَحسَّرُ أهلُ الجنةِ في الجنة على شيء إلا على ساعةٍ مرَّت بهم لم يذكرُوا اللهَ فيها)).

ولقد أقام لنا ميزانَ الذكرى، وقال: ((قومُوا إلى سيِّدكم)) لما أقبلَ سعدُ بنُ معاذ، وقال: ((لا تقولوا للمنافقِ سيداً))، لا تقُل للمنافق: يا سيدي، ((فإنَّه إن يكُ سيِّدَكم فقد أسخطتُم ربَّكم))، لا تُخِلُّوا الموازينَ، لا تخلُّوا بالموازينِ، لا ترسِلُوا الكلامَ على علَّاتِه، لا ترفعُوا في مجتمعاتِكم قدرَ مَن ظهرَت عليه آثارُ النفاقِ، أو فسَق أو خالفَ أمرَ الخلاق، لا تُعظِّموا إلا آلَ الصدقِ وآل التقوى وآلَ الإنابة.

وكان في هَديِ المصطفى محمدٍ لم يُعجبْه شيءٌ مِن الدنيا ولا يُعجبُه أحدٌ مِن الناس إلا أن يكونَ ذا تُقَى، وجاء في سيرتِه وهديِه: لم يكُن يعبأ بملوكِ الأرض، لم يكن يحملُ لهم هيبةً في صدرِه صلى الله عليه وعلى آله وصحبِه وسلم، ولما أرسَلَ ملِكُ الفُرْس إلى عاملِه باليمن: أن ابعَث إلى هذا الشخصِ رجلَين يُحضِرانه إليَّ، مَن هذا الذي يدعُوني إلى دينِه وهو مِن عبيدِي؟!، ووصلُوا إلى هناك ولاقاهُم النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: ((وَعْدُكُمُ الغَد))، فجاؤوا في الغَد، قال: ((إنَّ ربي قد قتَلَ ربَّكم البارحة؛ سلَّط عليه ابنَه فقتَلَه، فارجعُوا))، رجعُا وأخبرَا العاملَ باليمن، وكان تهدَّدَه ملِكُ الفُرس، قال لهم: هذا الكلام لا يقولُه ملِك، لعلَّهُ نبيٌّ صادق، ولكن ننظر إن جاء الخبر كما قال فهو نبي، وإلا رأينا رأيَنا فيه، قالا له: والله ما نازلَتنا هيبةٌ أمام أيِّ أحد كما نازلَتنا عندما كلَّمْنا هذا الرجل، ولما كَلَّمْنا هذا الرجلَ اهتابَت قلوبُنا ورُعِبت، قال: معه شُرَط؟، قالوا: لا ، يمشي وحدَه، لكن هَيبتُه في الصدور تَهزُّ القلوبَ صلى الله عليه وسلم، مَن رآه بديهةً هابه، ومَن خالطَهُ أحبَّه، صلوات ربي وسلامه عليه.

وهكذا هيْبَةُ الحقِّ أيها المؤمنون، فجاء الخبَر مِن ولده (شيرويه) يقول: إني قتلتُ أبي لأنه أفْسدَ في الأرضِ وضرَّ الفُرس، فخُذ لي البيعةَ من أصحابِك ، وهذا الرجلُ الذي بعثَ إليه أبي لا تكلِّمه بشيء حتى أبعثَ إليك.

الأمرُ أمرُ الله، محمدٌ واثقٌ بالله، وهذا حالُنا على مدى القرون، لا تظنُّ عقلياتٌ في الشرقِ والغربِ أنَّ هذا المسلكَ سيخرَب ما دام القرآنُ موجوداً، فإن كانَت لهم هيبةٌ لشرقِهم أو لغَربِهم ففي صدورِهم، أما صدورُ أتباعِ محمدٍ ففيها: هيبةُ الله، وخوفُ الله؛ يقيمون الذِّكرى كما يُحبُّ اللهُ منهم، ولا يوالون مَن عادى الله، ولا يعظِّمون مَن حقَّر الله، ولا ما حقَّر الله.

نشكُوا إليكَ يا ربِّ قلوباً وعقولاً في الأمة مرِضَت فعظَّمتِ الحقيرَ وحرَصَت عليه، وعظَّمَت مظاهرَ الدنيا ومتاعَها الفاني، وخرجَت منها عظمةُ ذاتِك وصفاتِك وأسمائك، وعظَمَةَ حبيبِك، وعَظَمَة قرآنك، وعَظَمَة دينِك، فيا ربِّ داوِ قلوبَ المسلمين، يا رب اشفِ عقولَ المسلمين مِن هذا المرضِ الدَّاءِ العُضَالِ المخامِر، يا حيُّ يا قيومُ يا قادِر حوِّلِ الحالَ إلى أحسنِ حال، واقبَلنا في جمعِنا هذا.

وفي هذه الذكرى التي عُقِدت، وبها امتلأ المسجدُ عدداً ومدداً ونوراً وخيراً؛ كم مِن إنسانٍ سنوات مِن عمرِه لم يُبكِّر إلى الجمعة كما بَكَّر هذا اليوم، وكما حضَرَ هذا اليوم؛ غايتُه يأتي في الساعة الأخيرة فيأخذ ثوابَ التصدُّق بِبيضَة!، وقليلٌ من يأتي قبله فيأخذ ثواب التصدق بدجاجة، ولكن اليوم حضَرَ مَن أخَذ ثوابَ التصدُّق بالكبش، ومَن أخذ ثوابَ التصدُّق بالبقرة، ومِن أخذ ثوابَ التصدَّق بالبَدَنَة، كما ذكر صلى الله عليه وسلم.

واستمعتم إلى ذكرى هؤلاء الرجال؛ أمثال الإمام عبدالله بن أحمد باسودان، والحبيب عمر بن أحمد الجيلاني، حياتهم من الصِّغر إلى أن تُوفُّوا على جميلِ الذكرى، على خيِر الذكرى: قرآن.. علم.. تقوى.. نفقة.. فكْرَة في صلاح المسلمين.. تعليم.. إرشاد.. تَفقُّد للفقراء والمساكين، وهل عندَهم غيرُ هذا؟!، ونِعم المسْلَك مَسْلكُهم والله، ومَسْلَك الصُّلحاء الذين مَضَوا في واديكم، فإنْ كان لكم شرفٌ لا والله لا بتقليدِ مجوسِيٍّ ولا مجوسيَّة، ولا هندوسيٍّ ولا هندوسيَّة، ولا أمريكيٍّ ولا أمريكيَّة، ولا فرنسيٍّ ولا فرنسيَّة، ولا بريطانيٍّ ولا بريطانيَّة، ولكن باتِّباعِ محمَّد، والاقتداء بِصُلحاء وادِيكم الذين مَضَوا على الخيرِ والهدى، إن كان لكم شرَف ففي هذا، إن كان لكم عِزٌّ ففي هذا، وبمنهاجهِم قابِلُوا أهلَ الشرق والغرب، وقابِلُوا ما في الدنيا مِن حضارات؛ فهو منهاجٌ معتدلٌ قويمٌ سليم، يعرفك أن تأخذ ما ينفع خالصاً وتَرْفَضَ ما يَضُر دنيا وآخرة؛ إنه نورُ الله الذي يقذفُه في القلوبِ وشريعتُه العظمى.

اللهم انفَعنا بالذِّكرى، وتولَّنا دُنيا وأخرى، وهَب لنا منك البُشرى كما وهبتَها لأوليائك الذين أعْلَيْتَ لهم قَدراً يا ربَّ العالمين.

ومِن خيرِ ما يُقوِّم نورَ الذِّكرى في قلوبِكم: كثرةُ صلاتِكم وسلامِكم على هاديكم ومُعلِّمِكم ومُرشِدِكم وداعيكم ومُناديكم: محمدِ بن عبدالله؛ فهو القائلُ كما روى الترمذيُّ في سُننِه وغيرُه: ((إنَّ أولى الناس بي يومَ القيامة أكثرُهم عليَّ صلاة))، وهو القائل: ((مَن صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلى اللهُ عليه بها عشراً)).

 وقد أمرَكُم اللهُ بأمرٍ بدأ فيه بنفسِه، وثنَّى بملائكتِه، وأيَّه بالمؤمنين مِن عبادِه تعميماً، فقال مُخبِراً وآمراً لهم تكريماً: {إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}.

اللهم صلِّ وسلِّم على المبعوثِ بالرَّحمة، مَعدِنِ العِصْمَة، ووليِّ النِّعمَةِ عبدِك المصطفى محمدٍ، وعلى الخَليفةِ مِن بعدِه المختار، وصاحبِه وأنيسهِ في الغار، مُؤازرِ رسولِ الله في حالَيِ السَّعةِ والضِّيق، خليفةِ رسولِ الله سيدُنا أبو بكر الصِّديق، وعلى الناطقِ بالصواب، حليفِ المحراب، الذي نشرَ العدلَ في الآفاقِ فاشتهَر، أميرِ المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب، وعلى محيِي الليالي بتلاوةِ القرآن، مَن استحيَت منه ملائكةُ الرحمن، أمير المؤمنين ذي النورَين سيدنا عثمان بن عفان، وعلى أخِ النبيِّ المصطفى وابنِ عمِّه، ووليِّه وبابِ مدينةِ علمِه، إمامِ أهلِ المشارقِ والمغارب، أمير المؤمنين سيدِنا عليِّ بن أبي طالب، وعلى الحسنِ والحسين سيدَي شبابِ أهل الجنة في الجنة، وريحانتَي نبيِّك بِنصِّ السنة، وعلى أمِّهما الحوراءِ فاطمةَ البتولِ الزهراء، وعلى خديجةَ الكبرى، وعائشةَ الرضى، وعلى أمهاتِ المؤمنين، وعلى الحمزةِ والعباس، وسائرِ أهلِ بيتِ نبيِّك الذين طهَّرتَهم مِن الدَّنسِ والأرجاس، وعلى أهل بيعةِ العقبة، وعلى أهل بدر، وأهل أحُد، وأهل بيعة الرضوان، وعلى سائرِ الصحبِ الأكرمين، ومَن تبعَهم بإحسان، وعلينا معهم وفيهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

يا جَامِعَنا في الجُمُعَةِ اجمع قلوبَنا عليك، وارزقنا صِدقَ الوِجْهَة إليك، وحُسنَ التذلُّلِ بين يدَيك، وانفَعنا بهذه الذِّكرى، واجعل لنا مَعُونَةً على ذِكْرِكَ وشُكرِكَ وحُسنِ عبادتِك، وازرقنا إقامةَ الذِّكرى على الوجهِ المَرضي لك سِرّاً وجَهْراً، في أنفسِنا وأهلينا وأسُرِنَا، وفي مُجتمعاتِنا ومواطِن عَملِنا يا أكرمَ الأكرمين، اللهم أعِزَّ الإسلام وانْصُرِ المسلمين، اللهم أذِلَّ الشِّرْكَ والمشركين، اللهم اعلِ كَلِمَة المؤمنين، اللهم دَمِّر أعداء الدِّين، اللهم اجْمَع شَمْلَ المسلمين بَعَدَ الشَّتات، وارفع ما حلَّ بهم مِن البلايا والآفات، يا الله.

 تَقَابَلوا بالحروبِ والطَّعنِ في بعضهِم، وعداوةِ بعضِهم البعض؛ لما عَدِمُوا الذِّكرى بما أنزلتَ، وأصْغَت قلوبُهم إلى ما يَذْكُر عدوُّكَ وعدوُّهم، اللهمَّ فَحوِّل حالَهم إلى أحسنِ حال، اللهم ادفع عنهم البلايا والأهوال، اللهم إنَّا نستدفِعُ بِك شَرَّ ما تجعلُ في الأيامِ والليال، اللهم تَدَارك الأمة وأغِثها يا مُغيث، بِغَيثِك الحثيث، ورُدَّ عنها شَرَّ كُلِّ شيطانٍ وخَبِيث.

 يا الله اجعَل لكتابِك وخَبَرِ رسولِك وذِكرى محبوبِيك سبيلاً إلى قلوبِنا وأفئدتِنا، وارزقنا كمالَ الإنابةِ إليكَ في ظواهرِنا وخفيَّاتِنا.

 يا الله ارحمِ المتقدِّمين في هذا الجامعِ وهذه البلدَةِ، وارفَع لهم الدرجاتِ، واجزِهم عنا أفضلَ الجزاء، وانظر إلينا وإلى الحاضرين والمؤمنين، نظرةً ترحَمُنا بها رحمةً تُغنِينا بها عن رحمةِ مَن سِواك، في الدنيا والبرزخ والآخرة، يا ربَّ الدنيا والبرزخِ الآخرة، يا الله.. اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، واختِم لنا بأكملِ حُسنِ الخاتمة، واجعل آخرَ كلامِ كلِّ واحدٍ مِنَّا مِن هذه الدنيا لا إلهَ إلا الله، متحقِّقاً بحقائقها حِسَّاً ومَعنى، ظاهِراً وباطِناً يا أرحم الراحمين.

ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النار، ربنا اغفِر لنا ولإخوانِنا الذين سبقُونا بالإيمان، ولا تَجْعَل في قلوبِنا للذين آمنوا، ربَّنا إنَّك رؤوفٌ رحيم.

اللهم أصلِح لنا دِينَنا الذي هو عِصْمَةُ أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي إليها مَعادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كلِّ خير، واجعل الموتَ راحةً لنا مِن كلِّ شر، نسألك اللهمَّ لنا وأهلينا وأحبابِنا والمسلمين مِن خيرِ ما سألك منه عبدُك ونبيُّك سيدُنا محمد، ونعوذُ بك مِن شرِّ ما استعاذكَ منه عبدُك ونبيُّك محمدٌ، وأنت المستعانُ، وعليك البلاغُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ العليِّ العظيم.

عبادَ الله: إنَّ اللهَ أمرَ بثلاث، ونهى عن ثلاث:

{إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }

 فاذكرُوا اللهَ العظيمَ يذكُرْكُم، واشكرُوه على نِعَمِه يَزدْكم، ولذِكرُ اللهِ أكبر.

للاستماع إلى الخطبة