محاضرة مكتوبة بعنوان: الارتقاء في مراتب تلبية نداء الحق وداعيه

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ، ضمن سلسلة إرشادات السلوك بدار المصطفى بتريم ، ليلة الجمعة 19 جمادى الأولى 1440هـ، بعنوان:

الارتقاء في مراتب تلبية نداء الحق وداعيه

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم

الحمد لله الحيِّ القيومِ، الذي يحوِّل الأحوالُ، ولا يتحوَّل ولا يزول، ولا يزول ملكه، ولا تزول عظمتُه، ولا يزول سلطانُه، ولا تزولُ قدرتُه، ولا تزولُ صفاتُه سبحانه وتعالى، لا إله إلا هو، آمنا به، وسألناه أن يحوِّلَ أحوالَنا والأمةَ إلى أحسنِ الأحوال، ويدفعَ عنا جميعَ البلايا والآفاتِ والأهوال، ويكون لنا بما هو أهلُه في الدنيا ودارِ المآل؛ فإنه بسطَ للعقولِ بساطَ النظر؛ لتنظرَ بدايتَها، وتعملَ في أيامِ تكليفِها لنهايتِها، وتنظر أنها بين تلك البداية والنهاية في فرصةٍ متاحة لأن تحوزَ سعادةَ الأبد، أو أن تقعَ في شقاءِ الأبد، والعياذ بالله تبارك وتعالى، {فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ الله الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}، فاجعلنا الله منهم،  {لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }الأنعام127.

والمستقبل الأكبر الذي ينتظر الجميع: {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا }الأنعام128، فما نتيجة هذا الاستمتاع بتلك الشهوات الحقيرة؟!، وتلك اللذائذ السريعةُ الانقضاء المنتهية، بذلك الغرور الذي خُدعوا به؟! {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ الله إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ * يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ}، خطاب من الرب لنا وللجن أجمعين معنا: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ * ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ * وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ }الأنعام130-132

 ينطلقون في أنواعِ الأعمال، بكثيرٍ مِن التصوُّرات، وكثيرٍ مِن الادعاءات، وكثيرٍ مِن الأفكار المختلفات، قال انطلقوا واعملوا قل{اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، {وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}الجاثية22، {ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ }الأنعام131، حتى يبعثَ فيها الرسلَ، ويُنزل عليهم الكتبَ، ويبيِّن للناسِ ما نُزِّل إليهم جل جلاله وتعالى في علاه.

فوزُ الملبِّين لنداء الله، فوزُ الملبِّين لداعي الله،  {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}الأحقاف31-33، وإنا يا مولانا نستهديكَ فاهدِنا، وارزقنا حُسنَ المصير، ونقِّ قلوبَنا عن الشوائب، وارزقنا إجابةَ الداعي إليك، والدالِّ عليك، المنادي الكريم، عبدِك المصطفى محمد.

إلهنا ما آتيتَ قلوبَ الحاضرين والسامعين مِن إجابةٍ لمناديكَ وداعيكَ والدالِّ عليك فثبِّتهم، وزِدهم، وانظر إليهم، ورقِّ كلاًّ منهم في مراتبِ هذه التلبيةِ وهذا النداء، يا عالمَ ما خَفِيَ وما بدا، يا مَن إليه مرجعُ الجميعِ غداً، يا مَن يحكُمُ بين عبادِه فيما كانوا فيه يختلفون ولا مُعقِّبَ لحكمِه، لا إله إلا الله أنتَ آمنا بك فزِدنا إيماناً، وهَب لنا إيقاناً يا الله.

وما حصل للقلوبِ فيمن حضَر ومَن يسمع، وأهلِ ديارهم، وأهلِ منازلهم، وأهل بلدانِهم وعموم الأمة مِن تَقاعُسٍ عن تلبيةِ النداء وإجابةِ المنادي، فنسألك اللهم دواءً مِن عندك، وعلاجاً مِن عندك، ونظراً مِن عندِك، وفضلاً مِن عندك، تُحوِّل به يا مولانا صدَى القلوبِ وصدَّها إلى صفائها وإجابتِها وتلبيتِها يا حيُّ يا قيوم، لا تُهلِكْها بتلبيةِ دواعِي النفوسِ الأمَّارة، ودواعِي الشهوات، ودواعي شياطينِ الإنسِ والجنِّ، وارزقنا تلبيةَ ندائك يا الله، وإجابة مُناديك وداعيك يا الله، {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ الله}.

 وبداعِي الله، وسِرِّ دعائه انتشرت الخيورُ في الأمة إلى المجالاتِ التي أراد أن تنتشر، وبآثارِ دعوة الداعي، ونداءِ المنادي، ساقَ الله ما يسوقُ مِن القلوبِ إلى مثلِ هذه البلدة المباركة، مَن الذي تولى الدعايةَ لها، مَن الذي تولى البلاغَ عنها؛ إنَّ حركةَ الناس على ظهرِ الأرض أحدثت أشياءَ تُلفتُ الأنظارَ، وتنافسَ أهلُها فيها ليجلبُوا الناسَ إليها، وإلى السِّياحة فيها، وإلى الوصول إليها، بأصنافٍ منوعةٍ مِن الزُّخرف، ومِن بريقِ المظاهر، ومِن تيسيرِ الشهواتِ الحقيرات، ومِن.. ومِن.. ومِن، هنا وهناك، وتنافسَت فيها دولٌ كثيرة، وربما ورَد مَن ورَد، وهلَك مَن هلَك، ولكن أثر المنادي هذا ما انقطع عن الأرض، مَن الذي يحدُو القلوبَ للحضور لمثلِ هذه المحاضر؟!، والمجيء إلى مثل هذا المجلس؟!، أو التمسُّك بِسرِّ ما كان عليه الأكابر؟!؛ إنه الذي يرعَى نبيَّه، إنه الذي يرعَى حبيبَه وصفيَّه، إنه الذي بيدهِ ملكوتُ كل شيء، إنه الله الذي اقتضت رحمتُه أن لا يزالَ في الأمة طائفةٌ ظاهرين على الحق، لا يضرُّهم مَن ناوأهم، ولا يضرُّهم مَن خذلهم، حتى يأتي أمرُ الله وهم ظاهرون.

قلتَ ذاك يا حبيبَ الله وصدقتَ، وفيما مضى كان الأمرُ كما قلتَ، وفي حاضرِنا الأمر كما قلتَ، ولن يكون بعدَنا الأمر إلا كما قلتَ، وإذا اجتمع الأولون والآخِرون قال الكلُّ: الأمرُ ما قلتَ لا ما قالوا هم، ولا ما قال شياطينُهم، ولا ما قال مُفكِّرُوهم، ولا ما قال مُثقَّفوهم، ولا ما قال عبقريُّوهم، ولا ما قال صانعُوهم، ولا ما قال مُتقدِّموهم ومتطوروهم، القولُ ما قال الله وقال رسولُه،  {قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ}الأنعام73، قال صاحبُ القولِ الحقِّ عن نبيِّه وقولِه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى }النجم3-4

 وإذا قام الناسُ كلُّهم من القبور: أما المؤمنين ففي استبشارٍ وفرحٍ وسرور، وأما الكافرون والمنافقون فيقولون: { يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا}يس52، لماذا لم نبقَ في الصعقةِ هذه بعد النفخة في الصور ولا نرجع إلى الحسِّ ولا إلى الحياة  { مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا}، فتجيبهم الملائكة: { هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ }، صدق اللهُ وصدق رسولُه، صدق الله وصدق رسلُه.

فلا يوجد على ظهرِ الأرض قولٌ أصدقُ مِن أقوالِ الأنبياء في الأولين والآخرين، مِن جميع الخلائق، ومختلفِ الطوائف، ومُختلفِ الأفكار، أصدقُ القولِ قولُ الله، وبعدَ قولِ الله: أقوالُ أنبيائه ورسوله، وسيدُّهم نبيُّكم وهاديكُم، الذي به شُرِّفتم والشرفُ يتجددُ فيكم، والفخرُ يتكاثرُ فيكم على مدى القرون، وعلى ممرِّ العصور، أنتم في دوائر إفاضةِ جودٍ مِن العزيز الغفور ببركةِ بدر البدور محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله، ما هو السِّر؟ السِّر: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ }الشرح4، وهل مِن رافعٍ غير الله؟!، وهل يقدرُ الخلقُ كلُّهم أن يخفضُوا مَن رفعَه الله؟! وهل يقدروا أن يرفعُوا مَن خفضَه الله؟!، ولا مانعَ لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعتَ، ولا رادَّ لما قضيت، {وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ}الحج18 ،  و{إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ}آل عمران160.

يا إلهنا نَطرُق أبوابَك لتنصرَنا على أنفسِنا وشياطينِنا، وأهوائنا، وعلى الدنيا، وعلى جميعِ القواطِع عنك، وعلى أعدائك وأعداء نبيِّك في شرقِ الأرض وغربِها، ظاهرهم وباطنهم، فانصرنا يا خيرَ الناصرين، وإذا نصرتَنا فلا والله لا تهابُ القلوب بعد نَصرِك أسلحةً فتَّاكة، ولا جيوشاً جرَّارة، ولا مظاهرَ مُتكاثِرةً في شرقِ الأرض وغربِها بعد قولِك: {إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ}.

وهذا النِّداء الذي تسمعونه، وما يُخامِر العقولَ في العالم مِن الخشية مِن غيرِ الله، أو مظاهر شئون فساد الحضارة، أو فساد التطوُّرات وما إلى ذلك، هو ما دار في وقعة أحُد يوم أحُد، وقال قائلٌ من المشركين أيام شِرْكِه وكُفره، وهي لسانُ الشرك والكفر في كلِّ زمان: يومٌ بيوم بدر.. والحربُ سِجال..إنَّ لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أجيبوه))، قالوا: ما نجيب؟ قال: ((قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم، وقولوا: لا سواء؛ قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار))، وهكذا كانت آثار ذلك النِّداء والخِطاب.

 واليوم نداء دوَّار في كثير من العقول: أن اعلُ هُبَل!، هُبل أبو سفيان وهُبل الزمان، هبل الزمان يقول: اعلُ هبل، ولكن نداءنا ونداء القلوب المجيبة للحق: الله أعلى وأجل، قال أبو سفيان: اعلُ هُبَل، قال النبي: ((أجيبوه))، فأجابوه: الله أعلى وأجل، فقال: إنا لنا العُزى ولا عُزى لكم، عندنا صنم العزى ماشي عندكم، قال لهم النبي قولوا له: ((الله مولانا، ولا مولى لكم))،  {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ }محمد11

والموالاة بينهم البين، والعلائق القائمة بينهم هذه، والتحالفات وما يقومون به.. ما هو؟!، اقرأ الآية بعده: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}محمد12، هؤلاء الذين الله مولاهم ، أما الذين لا مولى لهم؟!؛ { وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ }، فمن مولاهم إذاً؟!، خلَّصت العلائق، خصلَّت الروابط، خلَّصت الاتفاقيات، خلَّصت المواثيق التي بينهم والعهود، وصار يلعن بعضُهم بعضا، ويَسُب بعضُهم بعضاً  {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ * إِنَّ الله يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ }، اللهم اجعلنا منهم، وفيهم ومعهم، { وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ }.

{وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ }محمد13، فلا تتأثَّروا إذا سَلَّطنا أحداً على أحد، أو اختبَرنا أحداً بأحد، أو مضى شيءٌ مِن الاختبار والابتلاءِ في ظرفٍ من الظروف، قد أهلكنا مَن هم أشد منهم بطشاً {وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ }الزخرف8، كما قال الله جل جلاله وتعالى في علاه، {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ }محمد14، {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ}: وحيٌ مُنزَّل مِن الله، ونظامٌ شَرَعه الذي خلَق الخلق، وكوَّنَ الكونَ، وأوجدَ الوجود، وبيدِه الأمر، وإليه مرجعُ الجميع، {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ}، كمنِ انقطعَ عنِ الله، وعن منهجِه، وعن شريعتِه: {كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ }، زُيِّن سوء عمله له، فصار يمدحُ السوء، ويحبُّ السوء، ويحرص على السوء، ويتفاخر بالسوء، والعياذ بالله تبارك وتعالى، {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}ص26.

فرفع اللهُ درجاتِكم في تلبيةِ ندائه، وفي إجابةِ مُنادِيه، حتى ندخلَ مع أولي الألباب، ونقول عن سيِّد الأحباب: {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا}آل عمران193.

 حقِّقنا بحقائقِ الإيمان يا رب، الحاضر ومَن يسمع اسقِ قلبَهم كأسَ الإيمانِ القوي، واليقين التام، اسقِ قلوبَهم كؤوسَ الإيمانِ القويِّ واليقينِ التام، اسقِ قلوبَهم كؤوسَ الإيمانِ القويِّ واليقين التام، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطَّوْل والإنعام، سَقْيَة يسقيك فيرفعُك ويُعليك، ويُسعِدُك إلى الأبد، ويربطك بالنبي محمد، يا رب اسقِ القلوب، يا رب اسقِ القلوبَ غيثَ الإيمان، سُقيا اليقين، واسقِنا من كأسِ المحبة، وألحِقنا بالأحبة، يا الله، وقَفنا بين يديك، وتوجَّهنا إليك، والحالُ لا يخفى عليك.. يا الله.

تصطفِي قلوباً لمعرفتِك ومحبَّتك وقُربِك فاجعَلنا منها قلوبَ المتكلمِ والسامعين، وقلوبَ جميعِ الحاضرين، ومَن يسمعنا أجمعين، يا مجيبَ دعوةِ الداعين، يا مَن يجيبُ نداءَ المنادِين، يا مَن قلتَ في كتابك العظيمِ المبين: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}البقرة186، ومهما استشعرنا قُرْبَه فقُربُه أعظمُ مِن كلِّ ما نستشعر، أكبرُ مِن كلِّ ما نتصوَّر، أقربُ إلينا مِن حَبلِ الوريد، {فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}، ندعوك.. ندعوك.. ندعوك ، يا ربَّنا ندعوك، فاستجِب دعاءنا، وحَقِّق رجاءنا، ارفع رُتبةَ كلَّ واحدٍ منا في حُسنِ التَّلبية لندائك، والإجابةِ لخاتمِ أنبيائك، يا أكرمَ الأكرمين، يا أرحمَ الراحمين.

لا انصرفَ أحدٌ مِن الحاضرين والسَّامعين كما دخل، بل خيرٌ مما دخل، وأشرف مما وصل، يا الله.. يا الله، أنتَ في حضرةِ الله، ويُنادى لك الله، ويُدعى لك الله، ويُسأل لك الله، ويُتوَجَّه في شأنِك إلى الله، وأنتَ بين يدي الله، ولا يرجِع مِن حضرتِه خائب، ولا يرجِع مِن مكان كرَمِه سبحانه نادمٌ، ولا خاسِر، لا إله إلا هو، أنتَ بين يديه، وهو يُسأل لك، ويُخاطَب لك، ويُدعى لك، ويؤمِّن عليه الملائكة والمقرَّبون مِن أهلِ الأرواحِ الطاهرة، اللهم لك الحمدُ فأتمِم علينا النعمةَ يا مُنعِم يا الله، ارفعنا في رُتبةِ الإجابة والتَّلبية لندائك، وتلبيةِ خاتمِ أنبيائك، يا الله اجعل هوانا تَبَعاً لما جاء به، فندخل في دائرةِ عبادِك الذين ليس للشيطان عليهم سلطان، افعل كذلك بأهلينا، وأولادِنا وأحبابِنا، وطلابِنا، وقراباتِنا، وجيرانِنا، وأصحابِنا، ومَن يُوالينا، يا الله.. يا الله.. يا الله.

واهدِ قلوباً كثيرةً في شرقِ الأرضِ وغربِها، وممَّن فيهم ظُلمةُ الكفرِ حوِّلهم إلى الإيمان، وارزُقهم تلبيةَ ندائك يا رحمن، يا كريمُ يا منان.. يا الله، وارحم مَن تقدَّم في أيامِنا وليالينا إلى الدارِ الآخرة وإلى البرزخِ وإلى لقائك، واجمعنا بهم في دارِ الكرامة وأنتَ راضٍ عنا، وبارِك في آثارِ علمائنا وصلحائنا، وكَثِّر فينا أهلَ الهدى والنورِ والبصائر، ونوِّر لنا البصائر، وصَفِّ لنا السرائر، وبلِّغنا آمالَنا وفوقَ آمالِنا يا قريبُ يا مجيبُ يا فاطر، يا أكرمَ الأكرمين، يا أرحمَ الراحمين، والحمد لله ربِّ العالمين.

للاستماع إلى المحاضرة

لمشاهدة المحاضرة