خطبة مكتوبة بعنوان: الهَمُّ والاهتمام.. وآثارهما في الحياتين

خطبة جمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع الروضة بتريم، تاريخ 24 صفر الخير 1440هـ بعنوان: الهَمُّ والاهتمام.. وآثارهما في الحياتين.

 الخطبة الأولى

       السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

      الحمدُ للهِ مُزَكِّي عقول ونفوس مَن يشاء بما يُنوِّرُهَا مِن أنوار الإدراك لحقائق الشؤون، ونشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له (أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) (وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) وهَدَى العبادَ لِمَا هو أصلَحُ وأرشَدُ وأنجَحُ في الظُّهُورِ والبٌطون، ونشهد أن سيدَنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمدٌ عبدُهُ ورسولُهُ وحبيبُهُ الأمينُ المأمون. اللهم صَلِّ وسلِّم وبارك وكرم على عبدِك المجتبى المصطفى سيدِنا محمد الهادي إليكَ والدالِّ عليكَ والمُرسَلِ مِن قِبَلِكَ إلى جميع المكلفين من الإنس والجن أجمعين، مَن ختمتَ به الرسالة وأوضحتَ به الدلالة وعلَّمتَنا به بعد الجهالة، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار ومَن على منهاجِهِم سار، وعلى آبائه وإخوانِه من الأنبياء والمرسلين معادنِ الأنوار وآلِهم وصحبِهم والملائكة المقرَّبين وجميع عبادِك الصالحين يا كريمُ يا غفارُ.

أما بعدُ عباد الله : فإني أوصيكم وإيايَ بتقوى الله. تقوى الله التي لا يقبلُ غيرَها، ولا يرحمُ إلا أهلَها، ولا يثيبُ إلا عليها (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) . وهم الذين أدركُوا من حقائقِ الأمور أنه ليس شيءٌ أرجى لهم ولا أخوفَ عليهم مِن (الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) مِن القادر الذي (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) مِن الرحمن الرحيم الذي يُعطي ولا يبالي ويَمنع ولا يبالي ويُسعد ولا يبالي ويُشقِي ولا يبالي جل جلاله وتعالى في علاه.

لمَّا أدركوا تلك الحقيقة اتقَّوا سخطَ الله واتقَّوا معاصيَ الحق واتقَّوا مخالفة الجبَّارِ الأعلى، واتقَّوا عذابَه، واتقَّوا البعدَ عنه واتقَّوا غضبه الذي لا يُطاق جل جلاله ؛ باتقائهم لِمَا نهاهم عنه في ظواهرِهم وبواطنِهم، في مقاصدِهم ونيَّاتِهم وفي أقوالِهم وأفعالِهم، وفي حركاتِهم وسكناتِهم، وأيقنُوا أن لا يمكن أن يُوصِلَ إليهم نفعاً ولا ضُرًّ سواه جل جلاله ، وما مع الخلائقِ إلا ما كُلِّفوا به من التسَبُّبَات وما جُعِلُوا فيه بأمر المُسَبِّبِ أسباباً للوصولِ إلى نتائجَ وثمراتٍ قال عنها الجبارُ الأعلى : { يا عبادي إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم ثم أوفّيكم إياها ، فمَن وجد خيراً فليحمدِ الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه }.

         وعلى ضوءِ ما أدركُوا مِن هذه الحقيقة ارتفع شأنُ همِّهم وتفرَّعَ شأنُ اهتمامهم. فكان همُّهم: "الحق ورضوانه" (وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) (وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) . كان ذلك الهم هو الذي حَوَى قلوبَهم وبذلك صار كلُّ ما يهمُّهم متَّصِلاً بهذا الأصل والهمِّ الأكبر. وحينئذٍ بسموِّ همِّهم لأن يكونَ همُّهم " الله" وابتغاء رضوانه ، والحذر مِن سخطِه وغضبِه وعقابِه جل جلاله (يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) ولا علمَ لمن لا يحذرُ الآخرة، ولا علمَ لمَن لا يرجو رحمةَ ربه.  لمَّا كان ذلكم هو الهمُّ الذي نازلَ قلوبَهم قامت قلوبُهم في مدةِ حياتِهم على ميزانٍ صحيحٍ رجيحٍ ؛ وإذا بنتائج ذلك الهمِّ أن يُكفَوا كُلَّ همٍّ وغمٍّ ، وأن يُدفَعَ عنهم كلُّ خطبٍ ألَم ، وأن يُهدَوا إلى السبيل الأقوَم ، وأن يُرشَدُوا فيما يقولون ويفعلون ويقصدون إلى ما هو أجملُ وأتم.

وهكذا مَن جعل ربَّه تعالى همَّه كفاه ما أهمَّه، ورزقَه من حيث لا يحتسب، وحينئذٍ ينالون رُقيَّا فيما يهتمُّون به - ولو كان مِن الأمور الحسيَّة التي ربما شاركَهم في الاهتمام بها أو الهم من أجلِها مَن لا يؤمن بهذا الإله ومَن لم يرتقِ في رتبةِ التقوى وأن يجعلَ " الله " تعالى همَّه الأكبر مِن شؤون حياتِهم، وما يُعرض لهم مِن الحاجات في دنياهم- ، إذا أخذوا نصيباً مِن الهمِّ في ذلك كان هذا الهمُّ في صورةٍ رفيعةٍ شريفةٍ لا توقِفهم ولا توصِلهم إلى قلقٍ ولا إلى أحزانٍ ولا إلى يأسٍ ولا إلى قنوطٍ ولا إلى اضطرابٍ نفسيٍّ ، لأنها همومٌ متفرِّعةٌ عن همٍّ أكبر يكفيهم ذلك الذي جعلوه همَّهم كلما يَنزِل بهم مما صغُرَ أو كَبُر فيما بطنَ أو فيما ظهر.

 فإذا جاءهم شيءٌ مِن الاهتمام بصحةِ أجسادِهم أو بتغذيتِها كان ذلك مُندَرِجَاً مُنطَوِيَاً في معانٍ مِن الاعتمادِ على الحيِّ القيوم والرُّكونِ إليه والأخذ بالأسباب مِن حيث هي أسباب في طمأنينةٍ تنزلُ على تلك القلوب تحُولُ بينهم وبين أن تتحوَّلَ هذه الهمومُ إلى اضطرابٍ نفسيٍّ أو إلى قلقٍ أو إلى أحزانٍ أو إلى أن يتحوَّلوا عُرضَةً لأن يُستأجروا وأن يُشتَروا وأن يُستغَلَّوا وأن يُذهَبَ بهم يمنةً ويسرةً من أجل سدادِ تلكم الحاجات القصيرة.

        أيها المؤمنون بالله : ومَن لم يكن همُّه " الله " فهو العُرضَةُ لئن يُستَعبدَ وأن يُستَذَلَّ للنفسِ والهوى ولشياطين الإنس والجن ولأرباب الأغراض على ظهرِ الأرض حتى فيهم مَن وُصِفَ بلسانِ صاحب النبوة: { يُمسي مؤمناً ويُصبح كافرا، ويُصبح مؤمناً ويُمسي كافرا ، يبيع دينَه بعَرضٍ مِن الدنيا يسير} يبيع دينَه الأغلى الأعزَّ الباقي بِعرَضٍ مِن الدنيا يسير! إذ فقد الهمَّ بدينِه لمَّا فقد الهمَّ بمَن يدينُ له بالدينِ الحق وهو "الله" جل جلاله وتعالى في علاه، حينئذٍ آثرَ الدنيا وصار سُخرة مستَتبعاً مُشتَرىً ومُباعاً لمن أوصلَ إليه شيئاً مِن أغراضِ هذه الدنيا.

أيها المؤمنون بالله: على قدرِ الإيمان تسمُونَ في همِّكم واهتماماتِكم، فإذا رَقِيَ الرَّاقِي منكم إلى الهمِّ بالله كانت اهتماماتُه إقامةَ طاعة الله، وهو متعلِّقٌ بشأن التعظيمِ لِما عظَّم الله والتَّحقير لِما حقَّر الله ومترجِمٌ عن معاني: (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ).

 أيها المؤمن بالله جل جلاله وتعالى في علاه:  ينظرُ المؤمنُ إلى حالِهِ في همِّه واهتماماتِهِ والعمر ينقضي به ويَفلُتُ ويمرُّ سريعاً ويمضي بعجلةٍ للوصولِ إلى ساعتِه المحددة التي لا تقبلُ التقديمَ ولا تَقبَلُ التأخير؛ ساعةَ لقاءِ العليِّ الكبيرِ سبحانه وتعالى والرجوعِ إليه مِن كلِّ أولٍ وأخيرٍ وصغيرٍ وكبيرٍ، فمنه المُبتدأ وإليه المَرجِعُ والمنتهى (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).

        اللهم املأ قلوبَنا بالإيمان واليقين، وكن همَّنا أنت ونُب عنَّا في جميعِ همومِ الدنيا والآخرة، واجعل اهتمامَنا وشُغلَنا في طاعتِك ورضاك وما نكسب به القُربى منك يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطَّول والإنعام. وأحسِن لنا خاتمةَ هذا الشهر المُرتحِل عنَّا، وبارِك لنا وللأمة في شهرِ ذكرى ميلادِ نبيِّك الأكرمِ وحبيبِك الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    والله يقول وقولُه الحقُّ المبين: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)

 وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)

( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ * أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا ۚ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ * لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ )

   بارَكَ الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعَنا بما فيه مِن الآياتِ والذِّكرِ الحكيم، وثبَّتَنا على الصراطِ المستقيم، وأجارَنا مِن خِزيِه وعذابِه الأليم.

       أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم، ولوالدِينا ولجميعِ المسلمين، فاستغفرُوه إنه هو الغَفورُ الرَّحيم.

 

الخطبة الثانية

        الحمدُ للهِ المُطَّلِعِ على خفايَا الضمائر، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له الأول الآخر الباطن الظاهر، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا وقرةَ أعيننا ونورَ قلوبنا محمداً عبدُه ورسولُه، وحبيبُهُ الطاهرُ الصبورُ الشاكر. اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِك المصطفى سيدِنا محمدٍ أعلم الخلق بأسمائك وصفاتك وآياتك وأحكامك، وعلى آله الأطهار وأصحابِه الأخيار ومَن اقتفى أثرَهم مِن بريَّتِكَ على مدى الأيام والليالي والعصور، وعلى آبائه وإخوانه الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبِهم وملائكتِك المقرَّبين وعبادِك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم يا عزيزُ يا غفور.

أما بعد عبادَ الله : فإني أوصيكم ونفسيَ بتقوى الله. فخذوا مِن حُلَلِ الإيمان وأسرارِ الإيمان ومعاني الإيمانِ سموَّكم في الهَمِّ ليكونَ همُّكم الذي بيدِه الأمر عالم السرِّ والجهر، مَن إليه المرجع والمصير، وهو الحاكمُ الذي لا مُعَقِّبَ لِحُكمِهِ وإليه مرجعُ الأولِ والأخير.

أيها المؤمنون بالله: وبذلك تتعاملون مع الحياة تعامُلَ الذي جعلَ له حِصناً من حُسنِ النَّظَرِ يقتضِي حُسنَ المَسير، ويقتضِي سعادةَ المَصير، ويقتضي حُسنَ التدبير، مِن هذا العبدِ بإيثاره واهتمامه بأمرِ الله وما يقرِّبُه إليه وحذرِه مِن معاصيه، وحسنِ التدبير مِن الإلهِ الخالقِ في رعايته هذا العبد وتولِّيه في شؤونه الظاهرة الباطنة في نفسِه وأهلِه وولدِه في الدنيا والبرزخ الآخرة (وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا) (وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا). 

يقول جل جلاله وتعالى في علاه: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ). مَن جعلتموه همَّكم فهو الذي يكفيكُم، مَن جعلتموه همَّكم هو الذي ينصرُكم جل جلاله . ولكن إن جعلتم همَّكم سواه فويلٌ لكم ثم ويلٌ ، لا تجدون عنده موتاً ولا حياةً ولا تجدون عنده نفعاً ولا ضرَّا ولا خيراً يؤتيكم ولا شرّاً يدفعه عنكم، وتجدونه مخلوقاً مثلَكم مُدَبَّراً مِن قِبَلِ خالقِهِ مسيَّرً مِن قِبَلِ مُوجِدِه ومالِكِه (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا).

أيها المؤمنون بالله : (وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ۚ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ). وفي تعاملِهم مع أحداثِ الحياة يقول تعالى في علاه : (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) أيَنْتَزِعُ من القلوبِ الأساسَ المتينَ مَن جعلِ الخشيةِ كلِّها مِن الله والخوف منه إلى أن تتعلَّقوا بسواه وتخشَوا مَن دونه ؟ (.. فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).  حقِّقنا اللهمَّ بحقائقِ الإيمان، وارزقنا الزيادةَ في الإيمانِ في كلِّ شأن، واجعل خوفَنا منك ورجاءَنا فيك وحدَك، لا إله إلا أنت، لا شريكَ لك، يا حي يا قيوم.

       خُذ مِن أسرارِ الإيمان ومعانِيه ومِن حقائقه ما يُحَلَّى به قلبُكَ بأن تجعلَ الهمَّ ربَّهُ وإلهَهُ وخالقَه، فهو أعظم ما اهتممتَ به حِسّاً ومعنى، ظاهراً وباطناً، بل ولا حقَّ لشيءٍ مِن نفسِك فما سواه مِن جميع الكائنات أن يأخذَ همَّك دونَ الله، وأن يأخذَ وجهتَك دونَ الله، وأن يأخذَ اهتمامَك دونَ الله. لا حقَّ لنفسِكَ ولا لشيءٍ مِن الكائنات التي كوَّنَها ربُّك الذي كوَّنك جل جلاله، لا حقَّ لها أن تستعبدَك فتأخذَ همَّك.

 فاعلم قدرَ العبوديةِ لله والتحرُّرِ مِن الرقِّ لما سواه، واجعل همَّك "الله"، وبذلك تمضِي أيامُك ولياليك، وتتَّبعُ رضوانَ باريك، وتقتدي بمُرشِدِك ومعلمِّك وهاديك صلى الله عليه وسلم. ولك مع ذكرى ميلادِه في الشهرِ القادم مِن معنى الهمِّ بالله تبارك وتعالى ما تقيمُ به الشعائرَ التي اتَّصلَت بتقوى الله، مِن تعظيمِ شعائرِ الرحمن جل جلاله وتعالى في علاه، وأن يكونَ للأسرةِ حظٌّ ونصيبٌ مِن الهمِّ بالله مُترجَماً في تعظيمِ محمدِ بن عبدِ الله وسُنَّتِه وشريعتِه، وعقدِ المجالسِ في سيرتِه وهديِه وأخبارِه وصفاتِه وخُلقِه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وأن يكون ذلك جزءًا مِن اهتماماتِك في هذه الحياة، وفي وجهتِك إلى المولى تعالى في علاه (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ).

ولقد كان مِن اتِّبَاعِهِ أن يُجعلَ البيوتَ والحُجَر والمنازل يُتلى فيها القرآن ويُتلى فيها السُّنةُ الغراء، قال الله لسيداتِنا أمهاتِ المؤمنين (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا).

ونَزِّه البيتَ عن ما يناقضُ الكتابَ والحكمة، عن ما يناقضُ الوحيَ المُنَزَّلَ وبلاغَ النبيِّ المُرسَل مِن برامجِ الفجارِ والكفارِ والأشرارِ والمناظرِ الساقطةِ السَّخيفة، والكلماتِ المُضادَّةِ لوحيِ ربِّك الأعلى جل جلاله ، نزِّه البيتَ وأجهزتَه وأجهزةَ أهلِك وأولادِك، واستقبِل أيامَك ولياليَك بتحرِّي مرضاةِ الله جل جلاله وتعالى في علاه. وأبشِر بأن يَكفيكَ ما أهمَّك مِن أمرِ الدنيا والآخرة، وكن به واثقًا وإليه مطمئنّاً وعليه متوكِّلا، وقد قال لسيدِ عبادِه (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ) جل جلاله وتعالى في علاه (.. قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ۚ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ).

اللهم املأ قلوبَنا بالتوكُّل عليك والهمِّ بك وبأمرِك وبنبيِّك وما جاء بهِ عنك، واجعل اللهم هُمومَنا تبعاً لذلك، واكفِنا كل هَمٍّ في الدنيا والآخرة برحمتِك يا أرحمَ الراحمين يا ربَّ الدنيا والآخرة، وفرِّج كروبَ هذه الأمة واكشِف الشدائدَ عنهم وادفع البلايا عنهم، وارحم قلوباً اشتغلت بسِواك وهمُّها غيرُكَ ورُدَّها إليك مردّاً جميلاً تحقِّقهم فيها بحقائقِ " لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله" .

ألا وأكثِرُوا الصلاةَ والسلامَ على خيرِ الأنام، فإنَّها مِن أقوى أسبابِ اقترابِكم منه وصِلتِكم به في الدنيا والبرزخ ويومَ القيام، وهو القائلُ: {إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة} صلوا وسلموا عليه ليلاً ونهارا سِرَّا وإجهارا، وامتثلُوا أمرَ بارىءٍ خالقٍ بدأ بنفسه وثَنَّى بالملائكة وأيَّه بالمؤمنين فقال مخبراً وآمراً لهم تكريما وتعظيما: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

اللهم صلِّ وسلِّم على الرحمة المهداةِ والنِّعمة المُسْداةِ عبدِكَ المُجْتَبَى المختارِ سيِّدِنا محمدٍ وعلى آله الأطهارِ وأصحابه الأخيار، وخصوصا مُؤازِرِه في حالَيِ السَّعةِ والضِّيق الخليفة الشفيق؛ خليفةِ رسولِ الله سيدِنا أبي بكرٍ الصديق.

وعلى مَن سبقت الدعوةُ بإسلامه، وآذَنَ الله بتفضيلِه وإكرامِه، حليفِ المحراب أميرِ المؤمنين  ناشرِ العدل في الآفاقِ؛ سيدِنا عمرِ بن الخطاب.

 وعلى مُحيِي الليالي بتلاوةِ القرآن، مَنِ استحيَت منه ملائكةُ الرحمن؛ أمير المؤمنين ذي النُّورَينِ سيِّدِنا عثمان بن عفَّان.

وعلى أخِي النبيِّ المصطفى وابنِ عمِّه، ووليِّه وبابِ مدينةِ عِلمِه، إمامِ أهلِ المشارقِ والمغارب؛ أمير المؤمنين سيِّدِنا علي بن أبي طالب.

وعلى الحَسَنِ والحُسِينِ سيِّدَي شبابِ أهلِ الجنةِ في الجنةِ، ورَيْحَانَتَيِّ نبيِّك بنَصِّ السُّنة، وعلى أمِّهما الحَوراءِ فاطمةَ البتولِ الزهراء، وعلى خديجةَ الكبرى وعائشةَ الرِّضى، وعلى الحمزة والعباس وسائر أهل بيتِ نبيِّك الذين طهَّرتَهم منِ الدَّنَسِ والأرجاس، وعلى أهلِ بدرٍ وأهلِ أُحُدٍ وأهلِ بيعةِ الرضوان، وعلى سائرِ الصَّحبِ الأكرمين وأهل البيت الطاهرين وعلى جميعِ الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبِهم والملائكةِ المقرَّبين وعبادِك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

اللهم اصرِفنا مِن جُمعتِنا وقلوبُنَا عليك مجموعة، ودعواتُنا عندك مسموعة، وأعمالُنَا مقبولة مرفوعة يا حيُّ يا قيوم. اللهم بلِّغنا ما نرُوم وفوقَ ما نروم، وكن هَمَّنا أنت واكفِنا جميعَ الهموم والغموم.

اللهم اربطنا بنبيِّك المصطفى ربطاً لا انحلالَ له أبدا، واجعلنا في الاقتداءِ به والانتماءِ إليه والاهتداءِ بهديِه والعملِ بسنَّتِه مِن أسعدِ السعداء، وارزقنا اللهمَّ الحَشرَ في زُمرتِه والظَّفرَ والفوزَ بمرافقتِه وأنت راضٍ عنَّا.

 يا مَن بيده الأمرُ ههنا وغدا.. لا تصرِف قلوبَنا إلى غيرِك، ولا تحرِف وجهتَنا إلى سواك، اللهم تولَّنا حيث ما كنَّا وأين ما كنا ولا تكِلنا إلى أنفسِنا ولا إلى أحدٍ مِن خلقِك طرفةَ عين، ولا تُولِّنا وليًّا سِواك، ولا تجعلنا ممَّن خالفَ أمرَك وعصاك. نسألكَ مغفرةً شاملةً كاملةً لا تغادِر ذنباً ولا سيئةً ولا خطيئةً ولا زلَّةً إلا محَت كلَّ ذلك وبدَّلته إلى حسنات. اللهم مغرفتَك الواسعة يا واسعَ المغفرة، اللهم رحمتَك الواسعة يا أرحم الراحمين.

اللهم فرِّج كروبَ أمةِ نبيِّك محمدٍ في المشارقِ والمغارب، وادفع عنهم المصائبَ والنوائب، وزِد اللهمَّ مَن أمَّنته أمنَاً، ومَن وفَّقته توفيقاً ومَن هديتَه هدايةً، وأمِّن خائفَهم وتُب على عاصيهم وأمِدَّ بالتوفيقِ مخذولَهم، واشفِ مرضاهم، وعافِ مبتلاهم واحرُس واعصِم دماءَهم وأموالَهم وأعراضَهم واحفظ عليهم دينَهم. اللهم وأصلِح لنا ولهم دينَنا الذي هو عصمةُ أمرِنا، وأصلِح لنا ولهم دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا ولهم آخرتَنا التي إليها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كُلٍّ خيرٍ، واجعل الموت راحةً لنا مِن كلِّ شر.

واغفر اللهمَّ للمتقدِّمِين في مساجدِنا وديارِنا وبلادِنا من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، واخصُص ذوي الفضل منهم والمكانة لديك بزيادةِ الرضا واجزِهم عنا خيرَ الجزاء. واغفر لجميعِ أهلِ "لا إلا الله" في مشارقِ الأرض ومغاربِها مَن مضى ومَن هو حاضر ومَن يأتي إلى يوم القيامة، يا ربَّ العالمين.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

(رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ( وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).

        عبادَ الله: إنَّ اللهَ أمرَ بثلاث، ونهى عن ثلاث: ( إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)

        فاذكروا اللهَ العظيمَ يذكُرْكم، واشكرُوه على نعمهِ يزِدْكم.. ولذكرُ الله أكبر.

 

للاستماع إلى الخطبة

لمشاهدة الخطبة