محاضرة مكتوبة بعنوان : المحبة والولاء والتعظيم وآثارها في السلوك والعواقب

محاضرة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ في ذكرى حولية الشيخ أبي بكر بن سالم في جاكرتا، عاصمة إندونيسيا بعنوان : المحبة والولاء والتعظيم وآثارها في السلوك والعواقب.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ للهِ يُدَبِّر الأمرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرضِ ثُمَّ يَعرُجُ إلَيه، فَمَا يَجْرِي في الأرضِ منْ أمرٍ إلاَّ وتدبِيرُه مِنَ السماء، وبعد ما يتَّصلُ بأسرارِ حكمةِ اللهِ في تكليفِ مَن كلَّف وتشريفِ مَن شرَّف يرجعُ إلى الرحمنِ مرةً أخرى، نحمُده وقد دبَّر أمرِ جمعِكم هذا مِن السماءِ ثم نزلَ إلى الأرضِ فاجتمعتُم، حرَّك قلبَ السيِّدِ محسنِ بن عيدروس الحامد لِعَقدِ هذا المجلس واتَّصل بمَنِ اتَّصل بهم فتحرَّكت قلوبٌ وحَضَرت، ثمَّ حرَّكَ القلبَ مِن هُنا ومِن هنا وقد حضرَ على مدارِ السنوات فيكم كثيرٌ مَن الصُّلحاءِ والعُلَماءِ والأولِيَاءِ، وَيحضُرُ معنا مَنصِبُ الشَّيخ أبي بكر بن سالم الحبيب حسَن بن أحمد بن علي ابنِ الشيخ أبي بكر بن سالم القائمِ في مَقَامِ سيِّدنا الشَّيخ.

والْمَقَاصدُ التي جعلَهَا اللهُ في القلوبِ وهو مُقلِّب القلوبِ مقصَدُ الوِجهةِ إليه، وطلبِ العَفوِ والمغفرةِ منه والمنزلةِ لدَيه، كلُّ ذلك بما دلَّنا عليهِ سبحانَه ودعَانا إليه عبدُه المصطفى سيِّدُنا محمد، مِن ذكرٍ لله واجتِماعٍ عليه وُعِدنَا به المغفرةَ وأنْ تُبدَّلَ السَّيِّئاتُ حسَنات، ومِنْ صلاةٍ على النَّبِّي سيِّدنا محمد صلَّى الله عليه وعلى آلهِ وصحبه وسلم وُعِدنا بها أن يُصلِّيَ علينا ربُّ الأرض والسمَوات، ومِن قراءةٍ للسيرةِ النبوية وأنفاسِ ومَقالاتِ الصالحين مِن عِبادِ الله، ومِن دعاءٍ وتضرُّعٍ إلى الرحمنِ تَبَارك وتَعَالى، ومِنْ علمٍ ودعوةٍ إليه سبحَانَهُ وتَعالى، ومِنْ تزَاوُرٍ في اللهِ وتَجالُسٍ في الله، كُلُّ واحدٍ مِن هذه الأعمال وُعِدنَا عليه مِنَ اللهِ مغفرةً ورحمةً، فَاجتَمَعتْ لنا بفضلِ اللهِ، وتَجَالَسنا في اللهِ وتَوَاصَينا بالحقِّ والصَّبر.

والأساسُ في ذلك والرَّابطُ محبَّةُ اللهِ الخالقِ عزَّ وجلَّ التي بها أحببنَا حبيبَه وبمحبتِه ومحبةِ حبيبِه أحبَبنا أهلَ بيتِه وصحابتَه والصالحين الذين اجتَمعنا في مناسبَاتِ ذِكرِهم، فَمَجْمعُكُم مجمعُ محبَّةِ يُلحِقُ بِالأحبَّة، وَينْطوِي في المجمعِ أيضاً الظَّفرُ بزيادةٍ مِن محبةِ الرحمنِ تَتَتَرْجمُ وتظهرُ في زيادةِ محبةِ هذه القلوبِ لبَعضِها البعض ومحبتِهم للمؤمنين عامةً وخاصَّتِهم خاصَّة..

  فَلِأَجْل مَن اجتَمَعتم ؟ ووجهَ مَن أردتُم ؟ وعلى بابِ مَن وَقفتُم ؟ وطَمَحت أنظارُكم إلى كرمِ مَن ؟ وأنتم يَا أهل الجمعِ بين يدَيْ مَن ؟ الرَّحمن ؟ الإلهُ المنَّان ؟ ربّ العرشِ العظيم، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الموجِد الخَالق، الغَنِي الواسِع، مَن بيدِه ملكوتُ كلِّ شيء، وهو القَادِرُ على كل شَيء، وإليه مرجِعُ كلِّ شيء، أنتم بينَ يديه، دخلتُم عليه مِن أبوابٍ وسيعَة، محبَّتُه ومحبَّةُ حبيبِه مِن أجلِه، ومحبة أهلِ بيتِه وصَحَابَتِه، وموَّدةٍ لصاحبِ الحوليَّة الإمام الفخرِ أَبي بكر بن سالم؛ إنْ كَان تعرَّض لِإعلانِ محبَّةِ الرحمن مَن سافر مِن أجلِ أن يزورَ أخًا له في الله في قريةٍ، وهم من بني إسرائيل، وأرسلَ الله له مَلَكاً يخاطبُه في الطريق ويسأله "لماذا تزورُ هذه القرية؟" قال: "أزور فلانا" "لماذا؟" "لأني أحبه في الله" فقال: "فإنَّ الله قد أحبَّك كما أحببتَه فيه"

فَكيفَ يَكُونُ الحَالُ وأنتُم مِن أُمَّةِ محمَّدٍ المصطفَى التي عظُم نصيبُها مِن رحمةِ الله جلَّ جلاله وأحببتُم أهلَ بيتِه والصلحاءَ مِن أمتَّهِ وجِئْتُم لِتِلكَ المحبَّة، وتأمَّلُوا ما بلَّغَنا رسولُ الله عن الله تبارك وتعالى في هَذَا الحَدِيثِ القُدْسي، يَقُول جل جلاله: "وجبَت محبَّتِي للمتحابِّين فيَّ والمتَزَاوِرِين فيَّ والمتَجَالِسِين فيَّ"، ما أعظمَ هذه الكلمة، "وجبَت محبتي" ! "وجبَت محبتي"، "وجبَت محبتي"، مَن يقولُ هذا القولَ ؟ مَن يُخبِر هذا الخبر ؟ "وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالـمُتَجَالِسِينَ فيَّ والمُتَزَاوِرين فيَّ والـمُتباذِلِين فيَّ"، اللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا فيهم، وهَبْ لنا ما تَهَبُه لهمْ، برحمتِك يا أرحَم الراحِمين.

  وإذْ قد بسطَ لك هذا البساطَ ومدَّ لك هذا السِّماطَ فاجعل لك وِجهةً صادقةً إليه، وَتَذَلَّلْ في هذه الساعةِ بين يديه، داخلاً عليه مِن أبوابِ أحبَابِه إلى سيِّد أحبَابِه، واغنمْ سَاعتَك فلعلَّ أن يكون لَهَا شأنٌ يومَ تَقُومُ السَّاعة، ولعلَّ أن يكونَ لها شأنٌ لكَ في لحظةِ الغَرغَرةِ والوفاة وعند الموت، ولعلَّ أن يكونَ لها سببيَّةٌ في طهارةِ قلبِك محلِّ نَظَرِ ربِّك، ولعلَّها أن تكونَ سببًا في صلاحِ أهلِك وولدِك ومَن يَخرُج مِن صُلبِك، ساعاتُ كرَمِ الكريم.

  وتعلَّمْ معنَى الحضورِ مع هذَا الإلَه، لتَسعدَ في الساعَة بِعَظيمِ عَطايَاه، وكان يقولُ سيِّدُنا الشيخُ أبُو بكر بن سالم: "خير وأحسنُ سَاعَاتِك ساعة تجِدُ فيها ربَّكَ وتَنسَى فيهَا نفسَك وكلَّ شَيء"، فلعلَّك تُدركُ هذه الساعةَ في هذه الساعةِ، ويُشَفَّعُ فيكَ رجالُ الشفاعة، فما عُقِدَتِ المجالسُ إلا لِيَرحمَ اللهُ عِبادَه، وإلَّا لِيَنقُلَهُم مِن الشَّقَاوةِ إلى السَّعَادة، وإلَّا لِيقُومُوا في مِحرابِ الشُّكرِ والعِبَادة، وإلاَّ لِيَتَهَيَّؤُوا للحُسنى والزيادة. فأَحضِر قلبَك عسَى أن تجدَ ربَّك، ومعنى ( تجد ربَّك ) أن يَنكَشِفَ الحجابُ عن قلبِك، وتَنحلَّ التعَلُّقَاتُ بغيرِ الله، ويمتَلئ قلبُكَ بعظمةِ اللهِ العَظِيم. إِنَّ خبرًا يتعلَّق بجسدِك أو يتعلَّقُ بولدِك أو يتعلقُ بِدَارِك أو بشيءٍ اهتمَمتَ به في الدنيا إذا نازلَك ملأَ قلبَك، أفلَا يملأُ قلبَك عظمةُ الله !؟ لَو انفَتَح لَك بابٌ مِنْ إدْرَاكِ هَذِه العَظَمة لَعرفْتَ مَعنَى العَظمة، وصِرتَ أنت أيها العبدُ الحقيرُ ذا شأنٍ عظيمٍ عند العظيم الكبير، قال سيدنا عبد الله بن أبي بكر العيدروس الأكبر: "نَزل علينَا شيءٌ من العظمة لو وُضعَ على جبالِ الدنيا لدكَّها".

ويتحدث ولده سيدُنا أبو بكر العدني عن أسرارِ مواصلةٍ مَن إدراكِ عظمةِ الله والاتِّصال به:

 يَا ذَا الذي نَادَاني * وقتَ السُّحَير أشجَاني

 نِدَاهُ لِي أسقَاني * مِن قَرْقَفَاهُ الهَاني

 سَكِرتُ بِه وأفْنَانِي * عَن كلِّ ضِدٍّ ثاني

 من قاصيٍ وَداني * في العالم الجِسمَاني

 آنستُ أنسَ الأنس * في مهرجَانِ القُدس

 وأفنيتُ هيكَل نَفسي * وقَالَبِي وحِسِّي

 وفي دواعي العظمةِ نَستَمع إلى هذا الأذَان، وصل إلى هنا بسببِ صَاحِبِ غَار حراء، والذي وُضع السلا على ظهرِه وهو في مكة، بهِ وبدعوتِه الآن نسمعُ الأذانَ فِي جَاكرتا، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أنَّ محمدا رسولَ الله.. إلخ الأذان ثم يقرأ الدعاء بعده .

  هذا الشعارُ العظيم المنتشرُ في الأرض يُذكرُ فيه اسمانِ اثْنَان، اسمُ الله واسمُ محمد، اللهُ هو الخالِق، ومحمد خيرُ الخلائق..

وضَمَّ الإلهُ اسمَ النَّبي إلى اسمِه  * إذا قال في الخمسِ المؤذنُ أشهدُ

وشق له من اسمه لِيُجِلَّهُ * فذُو العرشِ مَحْمُود وهذا محمدُ

 و"المؤَذِّنُونَ أَطوَلُ النَّاسِ أعنَاقًا يومَ القيامة"، و"لا يَسمَعُ مَدَى صوتِ المؤذِّنِ إِنسٌ وَلا جِنٌّ ولا حَجَر ولا شجرٌ إلاَّ شهِدَ له يومَ القيامة"، و "يُغفَرُ لِلْمُؤَذِّن مَدَى صوتِه"، "ولَو يعلَمُ النَّاسُ ما فِي الأذَانِ والصَّفِّ الأوَّلِ ثُمَّ لا يَجِدُوا إلاَّ أن يَستَهِمُوا عَلَيه لاسْتَهَمُوا عليه"

  وفي الاتِّصال بعظمةِ الله تروي لنَا أمُّ المؤمنين عائشةُ هذا الخبرَ عَنِ سيِّدنا رسولِ الله، قيل: "لها كيف تكونُونَ في البيتِ عندَه؟ وكيفَ يكونُ معكم وهو ذُو هَيبة يمشي في الطريقِ وحدَه وكأنه في جيشٍ من هيبتِه صلى الله عليه وسلم ؟" قالت "كان أخلاقُه الكريمةُ تغطِّي هيبتَه عندَنا في البيت، كان يكون في خدمَةِ أهلِه، يتحدَّثُ معنا ونتحدَّثُ معه، ويضحَكُ معَنا ونَضحكُ مَعه، فإذَا أتاه مُنادي الصَّلاة خرَجَ كأنَّه لا يَعْرِفُنا ولا نعرِفُه"

 وبهذا التعظيمِ كان أصحابُه يُحملُ الرجل منهم بين الرجلين يهادَى حتى يقامَ به في الصفِّ، حتى لا يتخلَّفَ عَن صلاة الجَمَاعة، (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِن تَقْوَى القُلُوب)، لقد ذكَرنا اسمَين اثنين يُعلنُ بِهِما في الأذان، وشأنُ هَذِين الاسمَين بقاءُ العظَمةِ ودوامُها إلى أبدِ الآبدِين، على قَوائمِ العرشِ مكتوبٌ: لَا إلهَ إلا الله محمد رسول الله، وعلى أبوابِ الجنَّة مكتوبٌ: لا إلهَ إلا الله محمد رسول الله، فَكُلُّ الأسماءِ سِوى ذلك التي تُرفع والشعارات في الشرق والغرب إن اتَّصلَت بهذين الاسمَين ورِضَاهُما بَقِي خيرُها وإلاَّ اضْمَحَلَّت وتَلاشَت، جميعُ الشِّعاراتِ والأسماء لأهلِ الشرقِ ولأهلِ الغربِ للأفرادِ والمؤسَّساتِ والجمَاعات والأحزابِ والدُّول وغيرهم تَضْمَحِلُّ وتَتَلاشَى إلاَّ مَا صحَّ اتِّصالُه باسمِ الله واسمِ رسولِه، وكانَ على رضوان ِالله ورسولِه، وانظر الفرقَ إنَّ بعضَ أسماءِ تذكرُها فتنزلُ الرحمة، وبعضُ أسماء تذكرُها فتكونُ سببًا لنزولِ الغَضَب.

 إذَا ذُكِر الكافرُ وذُكرَ الفاسقُ المجَاهِرِ بفِسقِه بلسانِ التعظيمِ والتَّمجيد غَضِبَ اللهُ لذلك، حتى قال نبيُّنا :"لا تقولوا للمنافق سيداً فإنه إن يكُ سيدَكم فقد أسخطتُم ربَّكم"، لكن تقول للمؤمن "سيدي" فيحبّك الله ويرضَى عنك. كما سمعتم أخانا مُصعَب الذي أكرمَه الله بالإسلام والإيمان والشهادتين يناديكم بـ "يا سادتي" لسَبقِكم في الإسلام أو لقُربكم مِن خيرِ الأنام صلى الله عليه وسلم، وهذا مقتضَى الإيمانِ الذي يرتقي به عندَ الله وصحَّةِ الميزان في أفكارِ الخلقِ على ظهرِ الأرضِ، وبِهَذا قِيَامُ الميزانِ الصَّحيح.

  لماَّ أَقبَلَ سيِّدُنا سعدُ بن معاذ رضي الله عنه التفتَ النبي فقال: "قومُوا إلى سيدكم"، بل في لفظ "قومُوا لِسيِّدكم". وفي ذلك كان يقولُ سيدنا عمر : "أبو بكر سيدُنا وأعتقَ سيدَنا" يعني بلال بن أبي رباح.

  بهذه الموازينِ تقومُ محبةُ الله، ويكونُ الصادقُ مع الله يحبُّ مَن أحبَّ اللهَ سبحانه وتعالى، وَفِي هذا سمعتُمْ أيضًا كلمتين من لسان الأستاذ مجدي إِمام -بارك الله له في سعيِه- جاءَكم مِن مصرَ ونطق بلسانِ المحبَّة عند ذكرِ سيدِنا الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة ومَن في مصر من أهل البيتِ والصالحين كلُّ ذلك مِن موازينِ الإيمانِ وبنُطقِهِ بها المحبة والتعلُّق كان لها الأثرُ الطيِّب.

  ألَا إنَّ جَميعَ مَا فِي الشرقِ والغَربِ يَتلَاشى ويفنَى ولا يبقَى إلا ما أريدَ به وجهُ الله مما أحبَّهُ الله، جعلَنَا الله وإيَّاكم مِن أهلِ القلوب التي تَعي أسرارَ وحيِه، ويَقوَى ارتباطُها بجنَابِ نبيِّه، وتَمتَدُّ لها حبالُ الاتِّصال بِوَرثَتِه، وبِذلك ندخلُ في دائرةِ (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ ورسولَهُ وَالَّذِين آمنُوا فإنَّ حزبَ اللهِ هُمُ الغَالبون) بهذه القلوبِ المتوجِّهة الصادقة المخلصة دَخل الإسلام إلى إندونيسيا، وبنظيرها ومَثيلِها يُحفَظُ الإسلامُ، لَا غَير ذلك، وَ"لَنْ يصلُحَ آخِرُ هذِه الأمَّة إلاَّ بما صلُحَ به أولُها"، ويتجدَّدُ الدِّينُ بِما به بدأ، وما يُرسلُ الله مثلَ آياتِ الزلازلِ هذه، وآياتِ هذه الفيضانات التي يغرَقُ فيها كثيرٌ مِن الناس إلا وفيها معاني كثيرةٍ من التنبيهِ والتذكيرِ وفيها أيضا مُنطَوٍ معنًى مِن الرحمة، وكما سمعتم في كلمةِ السيد عبدِ الله المحضَار وهذا التذكيرُ بمخالفة مسلكِ هؤلاءِ الأكياس الذي حصلَ في كثيرٍ منَّا، فربما عمَّ العذابُ مَنْ خَالف وَمَن سَكتَ عَنِ الـمُـخالِف ممَّن حَوَالَيه، وبالرُّجوعِ إلى مسلَكِ هؤلاءِ الأكياس واتِّصالِ القلوبِ بهم تندفعُ أمثالُ هذه الزلازل والفيضانات المُغرِقَة ويُكفى المسلمُون شرَّها وأَذَاها، فاللهُ تَبارَك وتَعَالى يَغفِرُ لكلِّ مَن مَات بسببِ هذه الحوادِثِ مِن المسِلمين، وَيجعلُ في ذلك عبرةً للمُعتَبِرين، ويَلطُف اللهُ بأهلِ إندونيسيا فلا نسمع في جميع مُحافظَاتِها إلا ما يسرُّ القُلوب.

 وكُلّما أُبعِدَ منكرٌ يَظهرُ فإنَّ المعصيةَ إذا فُعلت في السرِّ لم تضرَّ إلا صاحبَها وإذا فُعِلت في العلانية ضرَّتْ كُلَّ من عَلِم بها ولم يُنكِرْها، فَكُلَّما زالت معصيةٌ أو طهُر قلبٌ كان ذلك سببًا لِلحفظِ واللطف والرحمة.

 نسأل اللهَ أن ينظرَ إلى أهل الجمعِ فلا يكون واحداً فيهم إلا سببًا لدفعِ البلاء، لا تجعل فينا شقيّاً ولا سبباً لبلاءِ أمَّةِ حبيبك محمد، واجعلنا يا ربِّ أسباباً لدفعِ البلاءِ ونزولِ الرحمة، وألْهِمْ قلوب َالحاضرين ما يُرضيكَ ويُسِرُّ قلبَ نَبِيِّك، وأن تكتبَ لنا به أن نُحشر مع الشيخ أبي بكر بن سالم ومشائِخِه وأصولِه إلى النَّبي محمد.

 الحمدُ للهِ الذي جمعَكم على هذهِ الخيراتِ، فحَرِّكُوا في القلوبِ محبَّةَ الـمُنعِم ربِّ الأرضِ والسموات ، واعلم أنه لم يحبَّ منكم ولم يأذنْ لكم في حبِّ شيءٍ مِن الكائناتِ أعظمُ مِن حبيبه محمد، فعَسى أن يكونَ اللهُ ورسولُه أحبَّ إلينا مِمَّا سواهما، اللهم اجعلْ كلَّ قلبٍ في الحاضرين والسامعين كذلك، يا مَلِكَ الممالِك، وَبِهَذه المحبَّةِ تَعرفُ كيفَ تسلكُ أشرفَ المَسَالك، وتَسْمُو وترتفع أن تقتديَ بفَاجِرٍ أو فاسقٍ أو هالكٍ، ولا تكونُ القُدُواتُ المعظَّمةُ في ذهنِك وبالِك وذهنِ زوجتِك وبناتِك وأولادِك إلا رسولَ الله وأهلَ بيته وصَحَابتَه والصَّالحين، فَلا يكون لهم سواهم قدوة لا في قولٍ ولا فعلٍ ولا لباسٍ ولا حركةٍ ولا سكون.

واسقِ قلبَك كأساً من المعاني فيما علَّمَنا الله مُنزِلُ المثاني، أمرَ صاحبَ المقامِ العدناني أن يخاطبَنَا فيقولُ لنا (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ)، (فاتَّبِعوني)، كان مساق الكلام أن يقول "أحببْكُم"، لكن الله بيَّن لنا مكانةَ هذا الحبيبِ فجعَلَ الجوابَ ليس "أحببكم" ولَكِن (يُحبِبْكُمُ الله)، ولم يقل "إن كنتم تحبُّوني فاتَّبعوني"، بل قال (إن كنتم تحبُّونَ الله فاتبعُوني)، ولم يقل "إن كنتم تحبُّون اللهَ فامتثلوا أمرَ الله"، لكن (إن كنتم تحبونَ اللهَ فاتبعوني) هنا أمرُ الله وهنا نورُ الله وهنا بركةُ الله وهنا الوصولُ الله (فاتبعوني)، أرأيت كيف يمجِّدُ ربُّك حبيبَه ؟ أرأيت كيف يتحدَّثُ عن عظيمِ مكانتِه لدَيه ؟ وصرَّح بذلك في آيات، (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله)، (إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَك إنَّمَا يُبَايِعُونَ الله(يدُ اللهِ فَوقَ أَيدِيهِم)، ويُخبر سبحانه أنَّ الذين امتدّت أيديهم إلى يدِ النبي فبايعُوه أنَّ الرحمنَ يرضى عنهم رضاه الأكبر بقوله (لَقَد رَضِي اللهَ عَنِ المؤْمِنِين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحتَ الشَّجَرة)، ولقد عاهدَنا اللهُ مِن عالم الأرواح أن نشهدَ أن لا إلهَ إلا هو، وأن محمداً عبدُه ورسولُه، فكان هذا أعظمَ البيعَاتِ والعهود، يُبعثُ الأنبياء بتجديدِ هذا العهدِ والبيعةِ مع الله، حتى جاءَنا حبيبُ الله، وتجدَّدتِ البَيعةُ عَلى العُمومِ وعلى الخُصوص، فبِالعُمومِ دعوتُه إلى الشَّهادتين وإلى شرِيعةِ الإِسلام، وعَلى الخُصوص ما بايعَ وعاهَد بعضَ أصحابِه ألا يسألَ غيرَ الله شيئًا، وعاهدَ بعضَ أصحابِه على النُّصح لِكُلِّ مسلم، وعاهدَ أبَا هريرة أن يوتِرَ قبلَ أن ينام، وأن لَا يتركَ صلاةَ الضُّحى، وصيامُ ثلاثة أيَّام في كلِّ شهر.

  ونجدِّدُ عهدَنا مع الله، ونتَّصلَ ببَيعةِ رسول الله، بتَجدِيدِ الشهادَتين، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم "جَدِّدُوا إِيمانَكم"، قالوا : وكيف نُجدِّد إيمانَنا ؟ قال "أَكثِرُوا مِن قولِ لَا إلَهَ إلَّا الله".

  وبخصوصِ السَّندِ الذي وردَ في تلقينِ هذا الذكرِ من عهدِه صلى الله عليه وسلم إلى شيوخِنا نسمعُ الآن في هذا تلقينَ الذكر. روى الإمامُ أحمدُ في مسندِه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال لجماعةٍ من أصحابه: "هَلْ عِندَكُم غيرُكم يَعنِي مِن أَهلِ الشِّركِ واليَهود ؟" قالوا: لا، فقال "ارفَعُوا أَيدِيَكم" ولقَّنَهم الذكر، لقَّنهم كلمة: لا إله إلا الله ثلاثَ مرات، كانوا يَقُولونها بعده، ثم قال: "إنَّ الله قد غَفَر لَكُم"، وبسندِه الذي وصلَ إلى سيدِنا الشيخ أبي بكر بن سالم وتَسلْسَلَ مِن بعدِه إلى والدِ الحبيب حسن حبيبنا أحمد بن علي، نَتلَّقاهُ الآن عن وَلدِه الذي سمعهُ عنه، نتلقَّن هذا الذكر في الجمع تجديداً للعَهدِ مع الله، واللهُ يجعلها صلةً بمبايعةِ حبيبنا محمد، وسبباً لمرافقته في يوم غد، وسبباً لإكرامِه إيانا بأن يختمَ بها أعمارَنا ويجعلَها آخرَ كلامِنا من الدنيا.

  اللهم حقِّقْ لَنَا ذَلِكَ، واسلُكْ بِنَا أشرفَ المسالك، وكما جمعتَنا مع هذا الجمعِ هُنا فلا تُفرِّقْنا هناك، جمعتنَا على ذكرِك وعلى ذكرِ رسولِك هنا فلا تُفرِّق بينَا هنَاك، اجمَعْنَا في ظلِّ عرشِك، واجمَعنا تحتَ لواءِ الحمد، واجمعنَا على الحوضِ المورُود، واجمعنَا في جنَّاتِ الخُلود، مِن غيرِ سابقةِ عذابٍ ولا عِتابٍ ولا فتنةٍ ولا حِسَاب.. يا ربَّ العالمين.

  وارفعِ الفِتَنَ عَن أهلِ إندونِيسيا وأهلِ شرقِ آسيا وأهلِ آسِيا، وعَن المسلمين في بقيَّةِ قاراتِ الأرض كلِّها، يا محوِّل الأحوال حوِّلْ حالَنا إلى أحسنِ حال، وعافِنا من أحوالِ أهلِ الضَّلال وفعلِ الجُهَّال، وأحضِرُوا قلوبَكم، رَافعِين أيديَكم إلى ربِّكُم، وخذُوا تلقينَ الذكر.. 

للاستماع إلى المحاضرة