خطبة مكتوبة بعنوان: عمود الإيمان والاحتساب في حقيقة التقوى وحاجة الأمة إليه

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن حفيظ في جامع الروضة بمدينة تريم، وادي حضرموت، 25 شعبان 1439هـ بعنوان: عمود الإيمان والاحتساب في حقيقة التقوى وحاجة الأمة إليه.

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

الخطبة الأولى:

            الحمدُ لله الملكِ الحقِّ الحيِّ القيومِ، باسطِ الخيرِ ومادِّ موائدِه لأهلِيه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، فاز مَن أقبلَ عليه ولم يَخِب من يَرْتَجِيه، وخابَ وخَسِرَ مَن أعرضَ عن إلهِه وتولى عن أمرِه وذكرِه واتَّبعَ أعاديه.

وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا وقرةَ أعيُننا ونورَ قلوبِنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، ونبيُّه وحبيبُه وصفوتُه وخليلُه، القدوةُ العُظمى والمثلُ الأعلى لمَن أراد وجهَ الحقِّ جل وعلا. اللهم أدِم صلواتك على صفوتك من البريةِ سيدنا محمد المخصوص بأعلى الخصوصية وأعلى العطيةِ والمزية، وعلى آله الأطهارِ وأصحابهِ الأخيارِ أهلِ الهِمَمِ الصَّادِقةِ العَلِيَّة، وعلى مَن تبعهم بإحسانٍ على مدى القرونِ بالطريقة السَّمْحَاء السويَّة، وعلى آبائه وإخوانِه من الأنبياءِ والمرسلينَ ذوي المراتبِ العليَّة، وعلى آلهم وصحبهم والملائكة المقربين وجميعِ عبادِك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِك يا أرحم الراحمين.

         أما بعد .. عبادَ الله: فإني أوصيكم وإيايَ بتقوى الله ؛ تقوى الله التي لا يقبلُ غيرَها، ولا يرحمُ إلا أهلَها، ولا يثيبُ إلا عليها (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ).

         أيها المؤمنون بالله: وإنَّ أساساً عظيماً وعموداً مِن أُسُسِ وعُمُدِ التقوى بيَّنهُ صلى الله عليه وسلمَ في كيفية العمل، والدوافع إلى العمل، والدواعي التي بداخلِ العاملِ بينه وبين إلهِه عزَّ وجل؛  فقال لنا فيما يتعلَّقُ بالشهر الكريم الذي علينا أقبل، كما جاء في الصحيحين وغيرهما : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) (ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ).

         أيها المؤمنون بالله: لقد بيَّنَ رسولُ الله للعامِلِين على الصومِ الكيفية، وللعامِلِين على القيام الكيفية، وتحدَّث عن الحيْثِيَّة مِن حيثُ الدوافع، ومِن حيثُ الدواعي الباطنية الداخلية؛ فقال في كلٍّ مِن الصيام والقيام : (إيماناً واحتساباً ) ؛ أن يكونَ حالُ الصائم الإيمانَ والاحتساب، وأن يكون حالُ القائم الإيمانَ والاحتساب؛ وهو الحالُ الذي يجبُ أن يُلازمَ المؤمن في جميعِ خصالِ الخيرِ والاقترابِ مِن ربِّ الأرباب .

العاملون على الإيمانِ والاحتسابِ شيَّدوا صرحَ تقوى ربِّ الأرباب، العامِلون على الإيمانِ والاحتساب وافقُوا السنةَ الغاليةَ والكتاب ، العاملونَ على الإيمانِ والاحتسابِ تهيَّئوا لقبولِ ربِّ العاملين والظَّفرِ بالخيرِ العظيم.

أيها المؤمنون بالله: العملُ على الإيمان والاحتسابِ فوارقُ بين مَن أخلصَ للربِّ ومَن أرادَ الغير .. فوارق ؛ فارقٌ واضحٌ قويٌّ بين مَن صدقَ مع الرحمن وبين مَن لم يصدق، إنه لفارقٌ واضحٌ جليٌّ بين مَن عَرفَ عَظَمَة الله تعالى وبين مَن تخرَّبَ باطنُه وغُشَّ بتعظيمِ غير الله جل جلاله.

             أيها المؤمنون بالله: صيامُ الشهرِ إيماناً واحتساباً علاقةٌ  بالحقّ، وصِدقٌ معه، وإنابةٌ إليه، وأدبُ العبدِ مع الرَّب ، وذوقُ حلاوةِ الإيمان ؛ إيماناً بدافعِ التصديقِ القويِّ المتمكِّنِ مِن القلب والفؤادِ بأنَّ ربَّه الله، وأنَّه إلهه الذي إليه مرجعُه ومُنتهاه، وأنه الذي يُقْصَد بالعبادةِ دونَ سِواه.. إيماناً.

       ولمّا ذكرَ على العمومِ شأنَ الإيمانيَّةِ في العمل اخْتَصَّ مِن بين وجوهِ الإيمان وسطَ العمل: وجهَ الاحتساب؛ وهو التخلّي عن كلِّ غرضٍ وقصدٍ سِوى ربِّ العالمين. احتساباً: طلباً للقربِ منه، وللمغفرةِ وللرضوانِ، وللمعرفةِ به، والثوابِ الجزيل مِن عنده، ومَن عَرفَ عظمةَ الله وما عنده استحيا أن يقصدَ ما عند ملوكٍ أو حُكَّامٍ أو هيئاتٍ أو مؤسساتٍ أو إنسٍ أو جنٍّ أو غيرهم مما خلقَ الله (ومَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ)

         أيها المؤمنون: فلتدخلُوا وأهلُوكم وأولادُكم مدرسةَ الصومِ تحت توجيه المعلّم الهادي الدالِّ المرشدِ صلى الله عليه وسلم (إيماناً واحتساباً ) ؛ إيماناً: تصديقاً قوياً بالغاً راسخاً في الفؤاد ؛ حتى كأنه يرى الحقَّ جل جلاله (أن تعبدَ اللهَ كأنك تراه).

 ومَن يصوم بهذه الكيفية أيغتاب ؟! كيف يغتاب ؟ يقصد ربَّ الأرباب مؤمناً به ويسمع قولَه (وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً) ثم يدَّعي أنه صائمٌ وفي رمضان، أو في غير رمضان.. ثم يغتاب ؟!

لا يكون إلا ممّن ضَعُف إيمانُه، لا يكون إلا ممّن لم يستقِم منه الصومُ على أساسِ الإيمان، فيه دَخَل في صومه.

لم يستقلّ الإيمان بإقامة الصوم وبالدفع إلى عمل الصوم ؛ إنه ذو الضعف الذي في باطنه . فمَن كان يحتسبُ ويريد الثوابَ عند الله أيجرؤُ ويقدرُ أن يكذب؟ كيف يصوم ويكذب؟!

 ألا إنها الحقيقة عبَّر عنها خيرُ الخليقة قائلاً: (مَن لم يدع قولَ الزور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يدَع طعامَه وشرابَه)؛ أي أنَّ ربي لا يُعَامَلُ بالصور؛ إنَّ ربي لا يُعاملُ بالمظاهرِ والظواهرِ (ليس لله حاجةٌ في أن يدعَ طعامَه وشرابَه) إنَّ الرحمنَ يُعامَلُ بتركِ الطعامِ مِن أجلِه، وتركِ الشرابِ مِن أجلِه، وتركِ الشهوة مِن أجلِه، معظَّمَاً ممتلِئاً صدرُ الصائمِ والعاملِ بإجلاله وإكبارِه.

بهذا يعامَلُ الله، لا بمجردِ تركِ الطعامِ والشرابِ مع خلوِّ القلبِ عن عظمةِ الآمرِ بالصيامِ والداعي إليه والفارضِ له، الذي قال لنا في كتابه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) ولم ينسَ تذكيرَنا بالحيثيَّةِ والخصوصيةِ والغايةِ مِن الصوم فقال: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)؛ لعلكم تتقونَ بقيامِكم بأمرِ الله على وجهِ الإيمان والاحتساب؛ تتَّقون النارَ والسخطَ والعذابَ والسوءَ والطردَ واللعنَ والشرَّ في الدنيا والآخرة (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

        أيها المؤمنون بالله: وكثيرٌ مِن غير الصيامِ والقيامِ مِن أعمالِ الخير فارَقَه الإيمان والاحتساب، فكان إذا كان يومُ القيامةِ مجرَّدَ سرابٍ وتَبَابٍ على أصحابه، لقد فازوا بذلك فكيف إذا كان ذلك العمل الذي ظاهرُه صالحٌ سبباً للعذابِ والطردِ مِن حضرةِ ربِّ الأربابِ؛ لأن عامِلَه قام به رياءً وسُمعةً وعُجباً وغروراً، وربما أذىً لهذا، وانتماءً لطرفِ الصراع هذا، على ضدِّ هذا، فيتحولُ إلى سيئات يُعاقَب عليها يومَ القيامة ؛ فإنه لم يتكلمْ إيماناً واحتساباً، وإنه لم يتصدقْ إيماناً واحتساباً، وإنه لم يخطب إيماناً واحتساباً، وإنه لم يدخلْ ويخرجْ إيماناً واحتساباً، وإنه لم يذكرِ اسمَ الدينِ والانتماءَ للدين إيماناً واحتساباً ؛ ولكن لأغراض، ولكن لمطامع، ولكن لمقاصدَ دنيئة، فضاع العمل كلُّه، قال تعالى (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) وقال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ).

         أيها المؤمنون: في مظاهر الجَمْعِيات والتبرُّعات بل ومظاهر القتالِ المسمى بـ"الجهاد"، ومظاهر الخُطَب، ومظاهر نُصرة المظلومِ وإلى غير ذلك ؛ إذا قامت الدوافعُ فيها على غير الإيمان والاحتسابِ فأحسن ما يُحَصِّل صاحبُها أن تكون سراباً ليس له فيه شيء، ولكن قد تتحول إلى عذابٍ على صاحبها، فإنَّ اللهَ يرقبُ القلوبَ وما يجري فيها.

         أيها المؤمنون : استقبِلُوا المدرسةَ الكريمةَ المباركةَ العظيمة بوجهةٍ صادقة مؤمنين محتسبين متَّبعين للأمينِ المعلِّمِ الهادي الدالِّ المرشدِ الناصحِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

        أخذَ الله بقلوبِنا وأيدينا ونواصينا إليه أخذَ أهلِ الفضلِ والكرم عليه، وجعلنا ممَّن يحضر الجمعةَ إيماناً واحتساباً، وممن يخطبُ الجمعةَ إيماناً واحتساباً، وممن يسمعُ الخطبةَ إيماناً واحتساباً ، وممن يقيمُ الصلاة إيماناً واحتساباً، وممن يتعلَّم معاني الإيمان والاحتساب والرُّقيِّ في درجاتهما في الجُمَعِ والخِطَابَاتِ والصلواتِ فيزدادُ قرباً مِن ربِّه، إنه أكرمُ الأكرمين وأرحمُ الراحمين.

        والله يقول وقولُه الحقُّ المبين: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا *  إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا * إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا)

وقال تبارك وتعالى: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ * ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ).

 بارَكَ الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعَنا بما فيه مِن الآياتِ والذِّكرِ الحكيم، وثبَّتَنا على الصراطِ المستقيم، وأجارَنا مِن خِزيِه وعذابِه الأليم.

أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم، ولوالدِينا ولجميعِ المسلمين، فاستغفرُوه إنه هو الغَفورُ الرَّحيم.

 

الخطبة الثانية:

           الحمد للهِ ربِّ الأرباب، مُسبِّب الأسباب، منه المبتدأ وإليه المرجعُ والمآب، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له،  حاز كلَّ السعادة مِن عبادِه مَن حاز منه الرِّضا والاقتراب، وخاب كلَّ الخيبةِ مَن أعرضَ عنه سبحانه وتعالى واتبعَ هواه فكان أمرُهُ فرطاً، خابَ ثم خابَ في الدنيا والمآب.

وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا وقرةَ أعيُننا ونورَ قلوبِنا محمداً عبدُه ورسولُه، كان أجودَ الناس،  وكان أجودَ ما يكونُ في رمضان؛ فلَهُو حين يلقاهُ جبريلُ في رمضان أجودَ بالخيرِ مِن الريحِ المرسَلة، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على صاحبِ الصفاتِ الكاملةِ والأيادي السخيَّة المتراسِلة، عبدِك المصطفى سيدِنا محمد الذي تمّمتَ مراتِبَه ومنازلَه، وعظّمتَ شمائلَه وفضائلَه، وعلى آله وصحبه ومَن سار في دربِه، وآبائه وإخوانه مِن أنبيائك ورسلِك وآلهم وصحبِهم وملائكتِك وعبادِك الصالحين مِن بريَّتِك، وعلينا معهم وفيهم يا أكرم الأكرمين.

أما بعد عباد الله: فإني أوصيكم ونفسيَ بتقوى الله، وليتَّقِ اللهَ كلُّ حاضرٍ وسامعٍ، وليتعلَّم معاني الإيمان والاحتساب، وليَجعلهُما مُنطَلَقَهُ في كلِّ عملٍ يتقرَّب به إلى ربِّ الأرباب، ويتَّبِع به سيدَ الأحبابِ الذي أُنزِل عليه الكتاب.

أيها المؤمنون بالله: ومَن آمن واحتسبَ عَظَّم شعائرَ الإلهِ الرّب؛ وعَلِمَ أن رمضان مِن أعلى شعائرِ الرحمن فكان تعظيمُه بدافعِ الإيمانِ لرمضان، أن يستعدَّ له بالتوبةِ الخالصةِ والتنقيةِ عن الأدرانِ، والذنوب والعصيان؛ فلا يُبقي في نفسِه ولا في أسرتِه وأهل بيتِه مخالفةً للشريعةِ الغراء، ولا خروجاً عن منهجِ رسولِ الله سِراً ولا جهراً، لا يبقى في البيت منظرٌ حرام، ولا يبقى في الأسرة قاطعُ رحم، ولا يبقى بينهم عاقٌّ للوالدين، ولا يبقى آثار غِيبة ولا نميمة وسطَ الدار.

          إنَّ من عظَّم عشيرةَ الله رمضانَ أحسنَ الاستعداد له، بقلبٍ نقيّ، ووجهٍ صادقٍ مع العليّ، وحُسْن متابعة لسيدنا النبي. كان يجتهد في رمضانَ ما لا يجتهدُ في غيره، ويجتهدُ في العشر الأواخرِ منه مالا يجتهدُ في غيرِها مِن رمضان.

ألا إنَّ الذي ضيَّعوا الاحتسابَ والإيمانَ في الصيامِ والقيامِ ربما ترك أحدٌ منهم بعضَ القيام مِن أجلِ الاشتغالِ بترَّهاتٍ وبطالاتٍ دعاهُ إليها شرارُ الأنام، وربما فَسَح المجالَ لأسرتِه أن تُزَاحِم الرجالَ الأجانبَ في ليالي رمضان في دكاكينَ وأسواق، وربما كان ذلك في العشرِ الأواخر، حيث الاجتهادِ الأكثرِ مِن بقيةِ رمضان !! إنها مخالفةٌ للسَّير، وخروجٌ عن الخير، إنها خللُ فَقْدِ الإيمان والاحتساب.

         يا أيها المؤمنون بالملك الوهاب، الذي ما جعل رمضانَ بهذا المستوى، إلا لِنُحْسِنَ المعاملةَ في السِّرِّ والنجوى، ونرقى مراقيَ ننال بها الرَّجْوَى، وتصلح بها شؤنُنا دنيا وأخرى، ونحوزُ بها الفضائلَ والبُشرى، ولقد قال زينُ الوجود فيما رواه الطبراني بإسنادٍ رجاله ثقات: ( أتاكم شهرُ رمضان، شهر بركة، لكم فيه خيرٌ، يُغشِّيكم الله تبارك وتعالى برحمتِه، ويمحو فيه الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، وينظر إلى تنافسِكم فيه، ويباهي بكم ملائكتَه، فأروا اللهَ مِن أنفسِكم خيراً؛ فإنَّ المحرومَ مَن حُرِمَ خيرَ هذا الشهر).

أيها المؤمنون بالله: فليكنِ التنافسُ الشريفُ الذي ينظر الله إليه، أيمكن أن يكون بالنظر إلى مباريات الكُرِة بدلَ صلاة التراويح؟! وتقديمها على صلاة التراويح؟! أهذا التنافس الذي يراه الله وينظر إليه ويحبه من عباده ؟، ما أعجب أن تصلَ عقولُ المؤمنين إلى هذا الحد؛ أن يتركوا سُنَّة القيام ويؤثِرُوا على الوقوف بين يدي ربِّ الأرباب والركوع والسجود له أن يلاحظ في التلفاز يُعرض أمرُ مباراة كرة قدمٍ.. ما كان في القرون السابقة يشتغل بها إلا الأطفال مِن بين الناس !!

           أيها المؤمنون: إذا ذهب الإيمان والاحتساب اختلَّت الموازين، وصار الناسُ على غير بصيرةٍ فيما يعتقدون وفيما يؤثِرُون، وفيما يُقدّمون وفيما يَرغبون، ألا استقبلوا المدرسةَ بما يليقُ بها.

          أيها المؤمنون بالله جل جلاله: وأحْسِنُوا استقبال أوَّلَ الليالي حيثُ ينظرُ الله إلى أمَّة محمد، ومَن نَظَر إليه لم يُعذِّبْه أبداً ، اللهم وفِّر حظَّنا مِن نظرتِك في أول ليلة مِن رمضان.

         استعدُّوا بالصدقِ والإخلاصِ والتوبةِ وإقامةِ الأمر على ما ينبغي وترتيب القيام إيماناً واحتساباً، وترتيب الصيام إيماناً واحتساباً، قال خير الأنام: (فرض الله عليكم صيامَه، وسَنَنْتُ لكم قيامَه، فمَن صامَه وقامَه إيماناً واحتساباً خَرَجَ مِن ذنوبه كَيْوم وَلَدَتْهُ أمه)، ولا يبقى أثرٌ لذنبٍ ولا معصيةٍ كان قد قارفَها  فيما مرَّ مِن عُمْرِه، رحمةً مِن الله، بالقيام والصيام إيماناً واحتساباً. 

(مَن فطَّر فيه صائماً كان له مثلُ أجره، ومَن تقرَّب فيه بخصلةٍ مِن الخيرِ كان كمَن أدى فريضةً فيما سواه، ومَن أدى فيه فريضةً كان كمَن أدى سبعين فريضةً فيما سواه)، (ولله في كل ليلة مِن رمضان ستمائة ألف ألف عتيق من النار، فإذا كان آخر ليلة أعتق مثل ما أعتق من أول الشهر إلى آخره).

اللهم بارِك لنا وللأمة في رمضانَ المقبل علينا، واجعله مِن أبركِ الرمضانات في الحسِّ والمعنى على جميعِ أمةِ نبيِّك محمد، افتَح لهم أبوابَ الفرج، وادفع عنهم الضيقَ والحرَج، وقَوِّم يا ربَّنا كلَّ معوَجٍّ، وحوِّل الأحوالَ إلى أحسنِها يا أكرمَ الأكرمين.

واستَمسِكُوا بحبلٍ يقومُ به الإيمان والاحتساب، كَثْرةُ الصلاة والسلام على رفيع الجَناب؛ فإنَّ مَن صلَّى عليه واحدةً صلَّى الله عليه بها عشراً، وإنَّ أولى الناس به يوم القيامة أكثرُهم عليه صلاة.

وقد أمَرَنا اللهَ بالأمرِ الذي بدأ فيه بنفسِه وثنَّى بملائكتِه، وأيَّهَ بالمؤمنين؛ فقال مُخبراً وآمِراً لهم تكريماً: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

اللهم صلِّ وسلِّم على قدوتِنا ومُعلِّمنا ومُرشدِنا وهادينا عبدِك المجتبى المختارِ سيدِنا محمد، وعلى صاحبِه وأنيسِه في الغار، الذي ارتبط به أعظمَ الارتباط في السرِّ والإجْهَار،  مُؤازِرِ رسولِ الله في حالَيِ السَّعةِ والضيق؛ خليفةِ رسولِ الله سيدِنا أبي بكرٍ الصديق.

  وعلى النَّاطِقِ بالصواب، حليفِ المحراب؛ أميرِ المؤمنين سيدِنا عمر بن الخطاب.

وعلى مَن استحيَت منه ملائكةُ الرحمن، مُحيِي الليالي بتلاوةِ القرآن؛ أمير المؤمنين ذي النُّورَين سيدنا عثمان بن عفَّان.

وعلى أخِي النبيِّ المصطفى وابن عمِّه، ووليِّه وبابِ مدينةِ علمِه، إمامِ أهلِ المشارقِ والمغارب؛ أمير المؤمنين سيدِنا علي بن أبي طالب.

وعلى الحَسَنِ والحُسِينِ سيِّدَي شبابِ أهلِ الجنة في الجنة، وريحانتي نبيِّك بنصِّ السُّنة، وعلى أمِّهما الحوراءِ فاطمةَ البتولِ الزهراء، وعلى خديجة الكبرى وعائشة الرضى وأمهاتِ المؤمنين، وعلى الحمزةِ والعباس، وسائرِ أهل بيتِ نبيِّك الذين طهَّرتَهم مِن الدَّنَسِ والأرجاس، وعلى أهل بيعةِ العقبة وأهلِ بدرٍ وأهلِ أُحُدٍ وأهلِ بيعةِ الرضوان، وعلى سائرِ الصحبِ الأكرمين، ومَن تبعَهم  بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

اللهم أعزَّ الإسلامَ وانصُرِ المسلمين، اللهم أعزَّ الإسلامَ وانصُرِ المسلمين، اللهم أذِلَّ الشركَ والمشركين، اللهم اعلِ كلمةَ المؤمنين، اللهم دمِّر أعداءَ الدين.

         اللهم ابعث أنوارَ الإيمانِ والاحتسابِ في قلوبِ أهل لا إله إلا الله أجمعين، واملأ قلوبَنا بحقائقِ الإيمانِ والاحتسابِ يا أكرمَ الأكرمين، وبصدقِ الإيمان والاحتسابِ اختم لنا شعبان، وارزقنا حسنَ استقبالِ رمضان، لياليه وأيامه نتنافسُ فيه الخير الذي تحبُّ التنافسَ فيه على الوجه الذي ترتضيه برحمتك يا أرحم الراحمين.

واجعل أُسرَنا كلَّها كذلك، صغارَنا وكبارَنا، ورجالَنا ونساءَنا كذلك؛ سالكين في أشرفِ المسالك؛ مستمطرِين رحماتك الكبرى؛ مُتَسَبِّبين في دفعِ البلاء ودفعِ الشرَّ عن أمةِ حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم سِرّاً وجهراً.

        يا حيُّ يا قيوم أغِثْ أمة حبيبك محمد وتدارَكهم، واخذُل أعداءهم الذين أغْرَوْهُم فاتبعُوا الشهوات، وأغرُوهم فتنازعوا بينهم، وأغرَوهم فسفكوا دماءَ بعضِهم، وأغروهم فكانوا أتباعاً لهم دونَ نبيِّك محمد ودون الأخيار والصُّلحاء.

        اللهم حالٌ شنيعٌ شديدٌ حلَّ بالأمة فاكشفِ الغُمَّة يا كاشفَ الغُمَم ويا جالي الظُّلَم ويا دافع النِّقَم عامِل بمحضِ الجودِ والكرم.  وبارِك للأمة في القلوبِ التي تَصَفَّت عن جميعِ الظُّلَم، وأقبلَت عليك بالصدقِ مؤمنةً محتسبةً لا تريد غيَر وجهك، وأعِد عوائد بركتها علينا والمسلمين أجمعين، وألحِقنا بهم يا أكرمَ الأكرمين.

واصرِفنا مِن الجمعةِ وقد سقيتَنا كأسَ الإيمانِ والاحتسابِ، فلا نريدُ إلا وجهَك يا ربَّ الأرباب، على قدمِ الهدى والتقوى والصواب، مُقتدينَ بسيدِ الأحباب، ظافرين بالسعادةِ الكبرى في الدنيا والمآب.

اللهم اصرِفنا مِن جمعتِنا والقلوبُ عليك مجموعة، والدعوات مُستجابَة مرفوعة، اللهم ونقِّنا عن الشوائب وارفعنا عَليَّ المراتب، واغفر لنا وللآباء وللأمهات والأجداد والجدات، والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات برحمتك يا مُجيب الدعوات يا سامع الأصوات يا دافع البَلِيَّات، يا ربَّ الأرضين والسماوات يا أرحمَ الراحمين.

       عبادَ الله: إنَّ اللهَ أمرَ بثلاث، ونهى عن ثلاث: ( إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)

        فاذكروا اللهَ العظيمَ يذكُرْكم، واشكرُوه على نعمهِ يزِدْكم.. ولذكرُ الله أكبر.

للاستماع إلى الخطبة

لمشاهدة الخطبة