خطبة مكتوبة بعنوان: التشبه عنوان التوجه.. مدلولاته وآثاره

      خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن حفيظ في جامع تاربة، بوادي حضرموت، 21 جمادى الثاني 1439هـ، بعنوان: التشبه عنوان التوجه.. مدلولاته وآثاره.

 الخطبة الأولى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

          الحمدُ للهِ الواحدِ الأحدِ الحيِّ القيومِ، الذي لا تأخذهُ سِنَةٌ ولا نَوْم ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)

           وأشهدُ أن لَّا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، فازَ مِن عِبَادِه مَن خضعَ لجلالِه، وخشعَ لِعَظمتِه، وامتثلَ لأمرِه، وامتلأ مِن ذكرهِ وشُكرِه، وخابَ مَن أعرضَ عنه في الدنيا والآخرة، ونالَ بذلك الخسرانَ المبين.

وأشهدُ أنَ سيَّدَنا ونبيَّنا وقرةَ أعيُنِنا محمداً عبدُه ورسولُه، القدوةُ العُظمى للمُقتدِين، والهادِي الأعلى إلى ربِّ العالمين، أكرمِ الأوَّلينَ والآخِرِينَ على الله.

         أدمِ اللهمَّ صلاتَك وتسليمَك على سيدِنا المصطفى محمدٍ، أتقى الخلائقِ وأرفَعِهِم رُتبَة، وعلى آلهِ الأطهارِ ومَن ظَفِرَ منه بكَريمِ الصُّحبَة، وعلى مَن تَبِعَهُم بإحسانٍ على الصِّدقِ والمحبةِ، وعلى آبائه وإخوانهِ من الأنبياءِ والمرسلين، وآلِهم وصحبِهم أجمعين، وعلى ملائكتِكَ المقرَّبين وجميعِ عبادِك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِكَ يا أرحمَ الراحِمين.

       أما بعدُ عبادَ الله .. فإني أوصيكم وإيَّايَ بتقوى الله

       تقوى اللهِ التي لا يقبلُ غيرَها، ولا يرحمُ إلا أهلَها، ولا يُثِيبُ إلا عليها (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ) (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا)

      أيها المؤمنون بالله: وإنَّ حِلالَ التقوى في القلبِ، والذي يَسْكُنُ في قلبِ الإنسانِ هو حقيقةُ هذا الإنسان؛ عليها يقومُ اعتبارُه، وعليها يُسْلَكُ به في الدنيا والآخرةِ ما يليقُ به. فإنما المرءُ بقلبِه، وإنما الإنسانُ بفؤادِه وضميرِه، وذاكم محلُّ نظرِ الربِّ جل جلاله.

        وإنَّ مِن مجموعِ ما يَحِلُّ في قلبِ كلِّ إنسانٍ الدوافعُ التي تدفعُه للتشبُّهِ بفردٍ أو بقومٍ أو بجماعةٍ، في فِكرٍ أو اعتقادٍ أو خُلُقٍ أو منطقٍ أو زيٍّ ولباسِ، الدافعُ في القلبِ للتشبُّهِ عظيمُ الأثر، كبيرُ الخطر، لذا جاء عنه التعبيرُ على لسان صاحبِ الرسالةِ البشير النذير بقوله : { مَن تَشَبَّه بقومٍ فهو منهم } وذلك أنَّ التشبَّهَ لا يكون إلا مِن أمرٍ ساكنٍ في القلبِ دفعَ الإنسان أن يتشبَّه. فالتشبُّه عنوانُ التوجُّه؛ وهو مجلى ومظهرُ الوِجهةِ لكلِّ إنسانٍ، على قدرِ ما يَحلُّ في قلبهِ مِن ولاءٍ أو محبةٍ أو تعظيمٍ أو استحسانٍ لفردٍ أو جماعةٍ أو هيئةٍ يتَشَبَّه بهم، ويُقلِّدهم، ويميلُ إلى أن يُماثلَهم وأن يشابهَهم. لذلك عَظُمَ الأمرُ، وجلَّ فيه الخطرُ.

 فإنَّ المؤمنَ لا يُمكنُ أن يستقرَّ في قلبِه ولا أن يُقِرَّ هو أن يَستقرَّ في قلبِه غيرُ تعظيمِ مَن عظَّمَ اللهُ، وما عظَّمَ اللهُ، وبذلك يقوى الدافعُ في باطنِه للتشبهِ بالأنبياءِ وبالأصفياءِ والأتقياءِ وبأربابِ الصلاحِ والفلاحِ مِن الصحابةِ والأخيارِ. وبذلك نقرأ في كلامِ ربِّنا جل جلاله، وقد ذكرَ أسماءَ ثمانيةَ عشرَ نبيَّا ومُرْسَلاً مِن السابقين، يقول جلَّ جلالُه : (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ * فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ  * أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ).

        أيها المؤمنون بالله: كلُّ كبيرٍ وصغيرٍ فينا، وذَكرٍ وأنثى مالَ وانحرفَ في رغباتِه وإراداتِه إلى تشبُّهٍ بأهلِ فجورٍ أو أهلِ فِسْقٍ أو أهلِ كُفرٍ فقد ضلَّ عن سواءِ السبيل، وقد فسدَت منه الوجهةُ، وأخطأَ في التوجُّه؛ لأنَّ ذلك لا يَصدرُ إلا مِن أثرٍ في القلبِ وسببٍ في الفؤادِ والباطنِ.

      أيها المؤمنون بالله: إنَّنا في عظمةِ الشريعةِ الغرَّاء وسَعَتِهَا نتعاملُ مع البَرِّ والفاجرِ والمؤمنِ والكافر، والصغيرِ والكبير؛ ومع هذا التسامح وحُسنِ التعاملِ والإحسانِ إلى الكلِّ غيرِ الحربيّ المُعاندِ المُضادِّ الصَّادِّ عن سبيل الله، مع هذه السَّعة في الشريعةِ فواجبٌ أن تبقى الفوارقُ قائمةً بين الإيمانِ والكفرِ، والهدى والضلالِ، والحقِّ والباطل والخيرِ والشر. يجب أن تكونَ الفوارقُ قائمة، ويجبُ أن نكونَ بميزَتِنا وعزَّتِنا وخصُوصيتِنا في أذواقِنا وفي أخلاقِنا وفي رغباتِنا وفي تعظيمِ قُلوبِنا.

       إنَّ الحقَّ أوجبَ على الولدِ أن يبِرَّ الأمَّ والأبَ ولو كانا كافرين، ولو كانا مع كُفرِهِما يجتهدانِ على أن يكفرَ الولد ويُشرِك بالله، فأقام الميزانَ أنه لا طاعةَ لهما في الشِّرك والكُفر ولا فيما يخالفُ الشرعَ، ومع ذلك فمصاحبتُهما بالمعروف واجبةٌ، قال تعالى : ( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)  المصاحبةُ بالمعروفِ لا تعني الطاعةَ ولا الانقيادَ ولا التشبَّه؛ إنه إحسانٌ حمَلَهُ الأنبياءُ، وحمَلَهُ المرسلون، وحمَلَهُ أتباعُهم مِن الصادقينَ المخلِصِين؛ إحسانٌ وأدبٌ وخُلُق مع القريبِ والبعيدِ، وفضائلُ وشِيَم، ولكن ليس في ذلك كَذِبٌ ولا نفاقٌ ولا ميلٌ بالقلب إلى التشبُّهِ بمَن لا يحبُّهُ الخالق.

        أيها المؤمنون بالله جل جلاله: إنَّ دوافعَ القلبِ للتشبُّهاتِ عناوينُ التوجُّهَات، وبذلك نُوقِنُ أن الغِشَّ المنتشرَ في الأمةِ بواسطةِ الوسائلِ المختلفةِ ليُوضَع في القلوبِ رغباتُ التشبُّه بالمُنحطِّين والفاسقين، حتى أننا لنجدُ أنَّ الحالَ يصلُ بطوائفَ مِن هذه الأمةِ أمةِ القرآن وأمةِ الرسالةِ الخاتمةِ، أن يتشبَّهوا بالكافرين في الأسواءِ التي عندهم! في السيئاتِ التي لدَيهم، ويميلُ بعد ذلك إلى مشابهتِهم في شيءٍ من المظاهرِ أو مِن الأقوالِ والتعبيراتِ. والتشابُه في الأقوال تشابهٌ في القلوب، قال تعالى: (كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ * تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ)  فالفوارقُ قائمةٌ بين مَن آمنَ وكفر، وبين مَنِ اهتدى ومَن ضَلَّ، وبين صاحب النورِ وصاحب الظُّلمة، وبين الحق والباطل، الفوارقُ قائمة وثابتة. ثم بعد هذا نرى في هذه الطوائفِ مَن يقتدِي أو يتشبَّهُ بأربابِ الكفرِ، إما في استهانةٍ بالدين، وإما في تَتبُّعِ المناظرِ السيئة، وإما في تبرُّجِ النساء وسُفُورِهنَّ ووضعِ جلبابِ الحياءِ والحِشمةِ، وما إلى ذلك.

      وما يُذكر مِن إتقانٍ في العملِ أو الصناعةِ عند بعضِ الكافرين، وإن كانَ الأمرُ مطروحاً على غير وجهِه، فمِن الأسفِ الشديدِ أن يُظنَّ بالفضائلِ وحسينِ الصفاتِ أنَّ محلَّها بعضُ الكفرة! ووالله ليس محلُّ صفةٍ حميدةٍ وخُلُقٍ كريمٍ إلا الأنبياء والمرسلون .. هم معادنُها وأصلُها؛ وقد جُمِعت في نبيِّنا خاتمِ النبيين صلى الله عليه وسلم.

 ما كان مِن التزامٍ بالمواعيد وإنجازٍ للموعودِ أو وفاءٍ بعهدٍ أو اتقانٍ وإحسانٍ في العملِ، فالمصدرُ في ذلك سيدُنا محمد، وهو المتخلِّقُ به والداعي إليه. وفي اللَّوثَةِ التي أصابت أفكارَ المسلمين.. القدوةُ فيها عندَهم اليوم بعضُ النصارى وبعضُ اليهودِ وبعض الكفرة، ويلتزمون بالمواعيد وينجزون الأعمال ويحسنونَ بعضَ الصناعة. والعجيبُ أن التشبَّه بهم ليس في هذا !. وما كان فيهم مِن خيرٍ فوالله ليسوا هم محلُّه وأصلُه ؛ والأصلُ فيه صفوةُ الله وخيرتُهُ من النبيينَ والمرسلين (الله يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ).

       أيها المؤمنون بالله: وبعد ذلك كلِّه إنما يكونُ التشبُّه الذي ينحدرون إليه في التنكُّرِ للقِيَمِ والفضائلِ ونحوها، بل مِن المؤسفِ الشديدِ أن نسمعَ في زمانِنا أن كافراً يقولُ عن استعمالِ السِّلاح: لا ينبغي أن يُستعملَ في ضربِ الأبرياءِ ولا الأطفالِ ولا النساءِ، وأن يقولَ المسلمُ: إنَّ غايتِي تبرِّرُ الوسيلةَ، ولو عملتُ به ما عملتُ !. ما أغربَ ذلك ! ما أعجبَ ذلك!

وتاريخ البشرية إنما حملَ الصيانةَ والحفظَ للأعراضِ والدماءِ والأموالِ على أيدي النبيِّين وعلى أيدي مَن اتَّبعَهم بحقٍّ، واتبعهم بصدقٍ مِن الصحابة والتابعين.

        أيها المؤمنون بالله: ونحن في الحضارةِ القائمةِ في الزمانِ نرى أنَّ الفخرَ والتسابُقَ بإيجادِ أسلحةِ الدمارِ والتخصُّصِ فيها، وهو يدلُّ على أنَّ في الفكرِ للحضارةِ انحرافٌ واعوجاج.

إنَّ الفخرَ وإرادةَ الاختصاصِ بالأسلحةِ المدمِّرةِ المخوِّفةِ للعبادِ تدلُّ على أنَّ صاحبَ ذلك يريدُ أن يستأثرَ لتحقيقِ أغراضِه على رغمِ أنوفِ الخلائق؛ بما يريد أن يطرحَه هو مُعْتَمِدَاً على قواه التدميريَّة، ولم يكن ذلك مُرْتَكزُ نبيٍّ ولا مُصلحٍ ولا مخلِصٍ لوجهِ على الله على وجه الأرض يريدُ نفعَ الناس!. بل لا يُكْرَهُ الناسُ على الدينِ الحقِّ بالسلاح، ولا يَدخلُ في دينِ الله إلا مؤمنٌ عَلِمَ أنَّ اللهَ ربُّه، وإليه مصيرُه فرغبَ في طلبِ رضوانِ هذا الرَّبِّ، وحَذِرَ مِن غضبِه وسخطِه (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ )

واليومَ لأجلِ الوصولِ إلى الأغراضِ يُتَسَابَقُ إلى التذَرُّعِ بما يسمى بقوًّة، ومخصَّصٌ معنى القوةِ عندَهم فيما يمكنُ به التدميرُ، فيما يمكنُ به الإهلاكُ .. هذه هي القوة! نسُوا قوةَ الخُلُق، نسُوا قوةَ العدل، نسُوا قوةَ القِيم، نسُوا قوةَ المكارمِ والشِّيَم. وما أصبحت القوةُ عندَهم إلا السلاح الذي يُدمِّرُ ويُهلِك !!

         أيها المؤمنون بالله جل جلاله وتعالى في علاه: حافِظُوا على القلوبِ أن يَحلَّ فيها دوافعُ تجعلُ القدوةَ غيرَ محمدٍ .. لطفلٍ فينا أو لامرأةٍ أو شابٍ أو شابةٍ أو صغيرٍ أو كبير (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ).

         اللهم انظُر إلى قلوبِ الأمة، وأجلِ عنها الظلمة، حتى تنجليَ الظلمةُ عن أوضاعِها وأحوالِها، وحوِّل أحوالَهم إلى أحسنِ الأحوال، وعافِنا مِن أحوالِ أهل الضلال وفعلِ الجُهَّال، واجعل هوانا تبعاً لما جاء به نبيُّك المصطفى محمدٌ، يا أكرمَ الأكرمين وأرحمَ الراحمين.

       والله يقول وقوله الحق المبين : ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)

       وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

        (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا * وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا * كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ * وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ * وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ * وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ * كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )

       بارَكَ الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعَنا بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، وثبَّتَنا على الصراطِ المستقيم، وأجارَنا مِن خزيِه وعذابِه الأليم.

      أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم، ولوالدِينا ولجميعِ المسلمين، فاستغفرُوه إنه هو الغَفورُ الرَّحيم.

 

الخطبة الثانية

         الحمدُ للهِ الذي أنزلَ الوحيَ للهدايةِ إلى سواءِ السبيل، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، الملكُ الحقُّ الجليل، وأشهد أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمداً عبدُه ورسولُه، المخصوصُ بختمِ الرسالةِ وأعظمِ التنزيل.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدِك المصطفى محمدٍ أحسنِ الخلقِ هديَاً في القولِ والفعلِ والقيل، وعلى آلهِ وصحبه خيرِ جِيل، وعلى مَن تبعَهم بإحسان، وعلى آبائه وإخوانِه مِن الأنبياءِ والمرسلين، وآلهم وصحبِهم والملائكةِ المقرَّبين، وعبادِك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

        أما بعدُ عباد الله .. فإني أوصيكُم وإيايَ بتقوى الله، تقوى اللهِ التي بها الفوزُ الأكبر، والنجاةُ في الدنيا ويومَ الوقوف بين يدَي المولى عز وجل.

        أيها المؤمنون بالله : إن مِن أعظمَ معاني حلولِ التقوى في القلبِ أن نُحسِنَ التفريقَ بين التشبُّهِ والولاءِ والمحبةِ وبين التعاملِ بالحسنى، وبين إجراءِ المصالحِ المشروعةِ الحلالِ في دينِ اللهِ بما أحلَّ الله جل جلاله، فتلكم المعاملةُ واسعة.

        ولَكَمْ كان مِن خيارِ كِبارِ الصحابةِ في المدينةِ، بينهَم وبين كِبار الأشرارِ مِن اليهودِ في المدينةِ تعاملاتٌ في بيعٍ أو شراءٍ أو استئجارٍ أو شيءٍ مِن تلك الأمورِ المتعلقةِ بحاجاتِ الحياة، ولم يكن فيهم مَن يُواليهم ولا مَن يتشبَّهُ بهم، وكان المُتَشَبَّهُ به بينَهم محمدٌ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. جاوَزُوا ما فرضَ الإيمانُ عليهم مِن التشبهِ به في السُّننِ والأخلاقِ والمعاملةِ إلى أن عَشِقَت نفوسُهم التشبَّهَ به حتى فيما يُحِبُّ مِن المأكولات والمشروبات، وحتى فيما يميلُ إليه مِن المُبَاحاتِ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

         ولأجلِ خطرِ التَّمَثُّلِ والتشبُّهِ جاء في صحيحِ مسلم وغيرِه أنَّ الشطيان لا يستطيعُ ولا يُمكَّن أن يتشبهَ بصورةِ النبيِّ محمد؛ حتى لا يُلبِّسَ ولا يُدَلِّس، قال عليه الصلاة والسلام { .. فإنَّ الشيطانَ لا يتمثَّلُ بي.. فإنَّ الشيطانَ لا يتشبهُ بي}

         ألا إنِّ التشبُّهَ عنوانُ التوجُّه، وحَقٌّ على المؤمنين أن يتربى أطفالُهُم، ثم تظهرُ آثارُ التربيةِ في رغباتِ وهواياتِ شبَابِهم في مشابهاتِ الأصفياءِ والأنبياءِ والأتقياءِ والصالحين.. فهل بقي هذا محفوظا في أُسرِ المسلمين؟ في مجتمعاتِ المسلمين؟ أم صارَ الطفلُ مِن صِغرِه يرى القدوةَ والمثالَ إما فاسقاً وإما شرِّيراً وإما كافراً وإما بعيداً عن الرب  !.

         أيها المؤمنون : إننا نُدرِكُ أنَّ هناك ثوابت في القِيَمِ والأخلاقِ والفضائلِ التي يقابلها الرذائل .. لا يمكن أن تتغيرَ على مُرورِ الأزمان مِن أيامَ آدمَ إلى أن يُنفَخُ في الصورِ، لا يُمكن أن يتحوَّلَ الكذبُ إلى فضيلة، ولا يمكن أن يتحوَّلَ الخداعُ والغِشُّ إلى فضيلة، ولا يمكن أن يتحوَّلَ الزنا إلى فضيلةٍ أبداً. كما لا يمكنُ أن يتحوَّل الصدقُ إلى رذيلة، ولا يمكنُ أن تتحولَ الأمانةُ إلى رذيلة.

 فما بالُ العقليات التي ظنَّت في تغيُّر الوسائلِ والأسبابِ والأجهزةِ أن الفضائلَ والقِيمَ والأخلاقَ تتغير ؟! لا .. إنَّ أحسنَ تقويمٍ للإنسانِ في خلقتِه الظاهرةِ أن يمشيَ على رجلين بهذا الشكلِ من أيام آدم، فهل يتغير في تطوُّرِ الإنسان ؟ هل يتحول مِن رجلين إلى أربع أو إلى ثلاث أو واحدة أو يمشي على بطنه ؟! . لا يمكن ذلك ولا يكونُ ذلك في أحسنِ تقويم.

هل لقائلٍ إلى أن يقولَ إنَّ العينين في الوجهِ والأنف بينهما كان موضةً قديمةً مِن أيام آدم، وأنا أعيشُ في أيّ قرن فيمكن أن نغيِّر هذا الشكل ؟! . نقول: يا أبله هذا أحسنُ التقويم لا يتغير فأحسنُ القِيَمِ لا تتغير، وأحسنُ الأخلاقِ لا تتغير. لا أحسنُ الْخَلْقِ ولا أحسنُ الخُلُقِ بمتغيِّر.

 إنما تتغيرُ الأسبابُ والوسائلُ التي تُستعملُ لأجلِ المقاصد. قد كان القتلُ بغير حقٍّ رذيلةً في أي زمانٍ، وإن تطوَّر الناسُ فصار بالمسدس أو بالآلي أو بكاتمِ الصوتِ أو بالمتفجراتِ فلا يضُرُّ هذا شيء ولا يغيِّر الحكمَ في القتل؛ تغيَّرت الوسيلةُ والحكمُ واحدٌ؛ القتل بغير حقٍّ رذيلة، بكهرباء أو بمسدس أو بكاتمِ صوت، بغدرٍ أو بمجاهرةٍ .. على أي حال، والسرقة كذلك، ونشرُ الرذائل الخُلُقية كذلك. وإنما الوسائلُ الحديثة ساعدَت أهلَ الشرِّ في شرِّهم كما يُمكن أن تساعدَ أهلَ الخيرِ في خيرِهم إذا أحسنُوا استعمالَها.

        أيها المؤمنون : وفي شأنِ التشبُّهِ حُوفِظَ على الفطرةِ وحُرِّمَ على الرجالِ أن يتشبَّهوا بالنساءِ، وحُرِّمَ على النساء أن يتشبَّهنَ بالرجال ، ولُعِنَ مَن تشبَّه مِن هذا الجنسِ بذاك الجنس؛ محافظةً على أصلِ الفطرةِ والتكوينِ، ومعرفةً لِحُرْمَةِ التكوينِ والخَلْقِ والإيجادِ.

        فانظروا في كلِّ ما يُقالُ اليومَ ويُثارُ هنا وهناك .. يصل الحالُ بالمتحضِّرينَ إلى أن تأتيَ المرأةُ لتتحولَ إلى ذكرٍ بالاصطناعيات، ويأتي الذكرُ  ليتحوَّل إلى أنثى ! ما هذا السَّفَه ! ما هذه التفاهةَ ما هذه السَّقَاطة ؟! .  وإنما كرامةُ كلِّ كائن في الناس في الجن في النباتات في الجمادات أن يُحافَظَ على ميزاتِه التي خُلِقَ لها، وخُلِقَ عليها، لهُ بذلك الشرفُ والكرامة، ولكنه العبثَ بالقِيَمِ، والعَبثُ بالأفكارِ انتهى بالأمةِ إلى هذا ! ومِن ذلك العَبَثِ هذا الذي وصل في أفكارِنا إلى محبةِ التشبهِ بالفاجرِ أو الكافرِ في زِيٍّ أو منطقٍ أو ملبسٍ إلى غير ذلك..!

        ألا إنَّ الأمرَ مُتعلِّقٌ بما يدورُ في القلوبِ، وهو محلُّ نظرِ ربِّ الأرباب. اللهم املأ قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، واجعلنا في الهداة المهتدين.

        ألا وأكثِرُوا الصلاةَ والسلامَ على مَن لن تحوزوا شرفاً في التشبهِ بأحدٍ كالتشبُّهِ به، ولا في الاتباع لأحدٍ كالاتباع له، وإنَّ محبةَ ربِّ العرشِ وربِّ السماوات والأرضِ منوطةٌ باتباعِ هذا المصطفى ؛ فبُشْرَى لمن اقتدى به واتبَعه واهتدى بهداه وتشبَّه به.

       أيها المؤمنون : أكثِرُوا الصلاةَ والسلامَ عليه، فإنَّ أولاكم به يومَ القيامة أكثرُكُم عليه صلاة، وذلك أنَّ المكثِرَ الصلاةَ عليه أعظمُ تشوُّقاً إليه ومحبةً له، فهو أقربُ منه يوم القيامة وأولى به يومَ القيامة، كما روى الترمذيُّ في سننه وغيره : { إنَّ أولى الناسِ بي يومَ القيامة أكثرُهم عليَّ صلاة }.

       وإنَّ الصلاةَ عليه أمرَكم بها اللهُ في كتابِه، بعد أن بدأ بنفسِه، وثنَّى بملائكته، فقال مخبراً وآمرا تكريما: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

         اللهم صلِّ وسلِّم على الرَّحمَةِ المُهْدَاةِ والنِّعْمَةِ المُسْدَاةِ الهادي إلى الصراطِ المستقيم؛ عبدِك المصطفى سيدِنا محمدٍ ذي الخُلُقِ العظيم، وصلِّ معه على الخليفةِ مِن بعدِه المختار، وصاحبه وأنيسِه في الغار، مُؤازرِ رسولِ الله في حالَيِ السَّعةِ والضيق؛ خليفةِ رسولِ الله سيدِنا أبي بكرٍ الصديق.

         وعلى الناطقِ بالصواب، حليفِ المحراب؛ أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب.

 وعلى مَن استحيَت منه ملائكةُ الرحمن، مُحيِي الليالي بتلاوةِ القرآن؛ أمير المؤمنين ذي النُّورين سيدنا عثمان بن عفَّان.

         وعلى أخِي النبيِّ المصطفى وابن عمِّه، ووليِّه وبابِ مدينةِ علمِه، إمامِ أهلِ المشارقِ والمغارب؛ أمير المؤمنين سيدِنا علي بن أبي طالب.

         وعلى الحسنِ والحسينِ سيِّدَي شبابِ أهلِ الجنة في الجنة، وريحانتي نبيِّك بنصِّ السُّنة، وعلى أمهما الحوراءِ فاطمةَ البتولِ الزهراء، وعلى خديجة الكبرى وعائشة الرضى وعلى أمهات المؤمنين، وعلى الحمزةِ والعباس، وعلى أهل بيتِ نبيِّك الذين طهَّرتَهم مِن الدنسِ والأرجاس، وعلى أهل بيعةِ العقبة وأهل بدرٍ وأهل أحدٍ وأهل بيعةِ الرضوان، وعلى سائرِ الصحبِ الأكرمين، ومَن تبعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

       اللهم أعزَّ الإسلامَ وانصُرِ المسلمين، اللهم أذلَّ الشركَ والمشركين، اللهم أعلِ كلمةَ المؤمنين، اللهم دمِّر أعداءَ الدين، اللهم اجمع شملَ المسلمين، اللهم ألِّف ذاتَ بين المسلمين.  اللهم صُن واحفظ واحرُس دماءَ المسلمين وأعراضَ المسلمين وأموالَ المسلمين، اللهم احفظ عليهم حقائقَ الدين، وتولَّهم بما أنت أهلُه يا أكرمَ الأكرمين.

       اللهم وارفع الظُّلْمَ والفسادَ والنِّقمةَ عن جميعِ أهل لا إله إلا الله، وحوِّل أحوالَهم إلى أحسن الأحوال. وبارك اللهم لنا في مساجدِنا ومعابِدنا وجُمَعِنَا، وبارك اللهم لنا في اجتماعاتِنا ووجهاتِنا واجعل هوانا تبعاً لما جاء به نبيُّك محمدٌ، واجعل ديارنا لا تحملُ متشبِّهاً إلا بأنبيائك وأصفيائك والصالحينَ مِن عبادك في كل خُلِقٍ وفي كل نيةِ وعقيدةٍ وفكرٍ .. يا أكرمَ الأكرمين، طهِّرنا أن نُسْتَتْبَعَ لمن سقط َمِن عينِك وغضبتَ عليه، واسلك بنا سبيلَ مَن ارتضيتَ وقرَّبتَه إليك زُلفى.

        اللهم واكِشف الغمَّةَ عن جميع الأمة، وعامِل بمحضِ الجودِ والرحمة، واغفِر للآباء والأمهات والأجداد والجدات والمتقدمين في ديارِنا ومساجدنا وقُرَانا. اللهم واغفر لنا ولجميعِ المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات بمغفرتِك الواسعةِ يا خيرَ الغافرين. واختِم لنا بالحسنى وأنت راضٍ عنَّا برحمتِك يا أرحم الراحمين.

         نسألك لنا وللأمة من خير ما سألك منه عبدُك ونبيُّك سيدُنا محمد، ونعوذُ بك مما استعاذك منه عبدُك ونبيُّك سيدُنا محمد، وأنت المستعانُ وعليك البلاغ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العلي العظيم.

       (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

       (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)

       (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ)

         عبادَ الله: إنَّ اللهَ أمرَ بثلاث، ونهى عن ثلاث: (إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)

 فاذكروا اللهَ العظيمَ يذكُرْكم، واشكرُوه على نعمهِ يزِدْكم.. ولذكرُ الله أكبر.

 للاستماع إلى الخطبة: