غنائم المؤمن بسموِّ شهوده فيما يطرأ عليه من برد وحر وشؤون الكون

‏‏بسم الله الرحمن الرحيم

غنائم المؤمن بسموِّ شهوده فيما يطرأ عليه من برد وحر وشؤون الكون

الحمد لله، جعل الله سبحانه وتعالى تذكرةَ المؤمن سبباً لنجاتِه ولفلاحِه ولفوزِه ولهدايتِه ولارتقائه في المراتب كلها، مِن حيث ما هو في أي مرتبة مِن مراتب الإسلام والإيمان، أو ارتقى إلى مراتب الإحسان، فإن الذكرى والتذكرةَ تنفعُه.

وقد جعل الله سبحانه وتعالى وجوهَ التذكير للمؤمنين كلَّ شيء في الوجود، ومنه خصائصُ ما في مجالس العلم ومجالس الذكر، أو زيارة القبور، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإنها تذكركم الآخرة ). ومعنى التذكير بالآخرة أن تُنزل الدنيا منزلَها اللائقَ بها في عينك، والمنزلُ اللائقُ بها في عينك هو أنها منزلُ الفناء وسرعةُ الزوال والانتقال عنها والترك لمن وراءك، والمخاطبة لك على ما صدرَ منك فيها مِن قولِ وفعل، فإذا عرفتَها بحقارتِها وبهذه الصورة.. عرفتَ معنى قولِ الإمام الحداد:

وذي دنيا دنية حوادثها كثيرة ** وعيشتها حقيرة ومدتها قصيرة

ولا يحرص عليها سوى أعمى البصيرة ** عديم العقل لو كان يعقل كان أفكر

تفكر في فناها* وفي كثرة عناها * وفي قِلَّة غناها

فطوبى ثم طوبى لمن منها تحذَّر** وطلَّقها وفي طاعة الرحمن شمَّر

هذه التذكُّرات كلها تدخل بنا في الرغبة في الخير وفعلِ الخير والحرص على الخير.

وجعل الله سبحانه وتعالى مِن جملة هذه التذكرة ما يمرُّ بنا مِن زمان، مِن ليلٍ أو نهار أو صيف أو شتاء؛ فإنها تذكرةٌ لنا بمُكوِّر النهارِ في الليل، ومكوِّر الليل في النهار، وبمدبِّر شأنِ هذا الكوكب الذي نحن عليه، والكواكب الكثيرة الكبيرة التي لا نعلمها، والسماوات السبع ومَن فيها، والعرش والكرسي، والجنة والنار.

وكلُّ شيء وكلُّ عالَمٍ.. خالقنا الله سبحانه وتعالى يدبِّره ويتصرف فيه، ويُجري أمورَه ومقاديرَه فيه كما يشاء على ما يشاء، ( فعالٌ لما يريد )، ولا يكونُ إلا ما شاءَ سبحانه وتعالى.

        فالتذكرةُ في مرور الوقت علينا، وفي وجود الحر، وفي وجود البردِ تذكرةٌ مخصوصة، قال عنها عليه الصلاة والسلام: ( اشتكتِ النارُ إلى ربِّها فقالت: يا ربِّ أكلَ بعضي بعضا )-من شدة الحر وشدة الزمهرير الذي فيها- قال: ( فأذِن لها بنفَسين: نفسٍ في الشتاء، ونفسٍ في الصيف، فهو أشدُّ ما تجدون مِن الحرِّ، وأشد ما تجدون من الزمهرير ) رواه البخاري ومسلم.

والحقُّ سبحانه وتعالى قال لنا عن هذه النار التي نوقدُها في الدنيا ( أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ *نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً ) أي تُذَكِّر بنارِ الآخرة. أجارنا اللهُ من النار وأهلينا وأولادنا وأحبابنا وأصحابنا إنه أكرمُ الأكرمين وأرحمُ الراحمين.

      فإذا جاءت هذه التذكرةُ مِن بردٍ أو مِن حرٍّ وبقي الإنسانُ ثابتاً فيها على طاعة الله جل جلاله، وعلى اغتنام الأوقات.. فهو الذي تذكَّر، وهو الذي تبصَّر، وهو الذي استفاد.

 ومَن كان وقتَ الحر يتأذى من الحر، ووقت البرد يتأذى من البرد، ويتكاسلُ عن مهماته وعن واجباته.. فقد ضيَّع على نفسِه العمر، وكما قال قائلهم:

إذا كان يؤذيكَ حرُّ المصيف ** وقيظُ الخريف وبردُ الشتاء

ويُعْجِبُكَ حُسْنُ زهارِ الربيع **  فأخذك للعلم قل لي متى؟

إذا كنت في الفصول كلِّها مشغولاً بغيرِ مهمتِك التي خُلقتَ مِن أجلها، تتأذى مِن ذا ويعجبك ذا.. انتهت عليك الفصولُ، وانتهى عليك العمرُ، وما نلتَ نصيبَك منه. قال الإمام الحداد:

إنما رأسُ مَالِكَ العُمرُ ** فاعمُره بفعلِ الجميل والمَكْرُمَاتِ

واتَّخَذهُ مَطِيَّةً تَمْطِيها  ** في سُلوك السَّبِيِل لِلدَّرَجَاتِ

وفي معاني هذا الاغتنام والفائدة جاءنا عن خيرِ الأنام صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أن إسباغ الوضوء على المكاره مما يكفِّر اللهُ به الخطايا ويرفعُ به الدرجات ففي الحديث ( ألا أدلُّكم على ما يمحو اللهُ به الخطايا ويرفعُ به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط ) رواه مسلم. هذه المرابطة في سبيل الله في إسباغ الوضوء على المكاره. ويعني: إحسانُه وإتمامه على ما تكرهه النفس، ومن أجلاه وأوضحه: وقت البرد، إذا حلَّ البرد وعافتِ النفسُ الوضوءَ فيُحسِن الوضوء ويُسبِغه ويوصل الماء إلى أعضائه كما ينبغي، ويُطيل الغرّة والتحجيل.. فهذا مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات. حتى قال بعض أهل العلم: الصابون القوي لمَحوِ الذنوب والسيئات.. أن تُحْسِنَ الوضوءَ في البرد.

وكما يتضاعف الثواب بواسطةِ البرد للمتوضئ، يتضاعف كذلك بخروجه للمسجد، وذهابه إلى مجالس الخير وقت البرد، ويتطلب منه معنى من الصبر والعزيمة فتكون النتيجة والحصيلة أكثر والفائدة أكبر.

وكثير من الشؤون يأتي فيها معنى ما جاء في الحديث ( أجرُكِ على قدرِ نصبِك ) رواه الحاكم، وحديث ( ما يصيب المسلمَ مِن نصبٍ ولا وصبٍ ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذى ولا غم حتى الشوكةَ يُشاكَها إلا كفَّر اللهُ بها مِن خطاياه) رواه البخاري ومسلم.

 وبذا وجدنا أربابَ الاجتهادِ مِن قبلِنا عليهم رضوان الله، وقد وكان البرد في الأعوام السابقة في المنطقة يأتي أشد من الآن، وكانوا مع اشتداد البرد لا ينقصون عن خروجهم للمساجد لا في فجر ولا في غيره، ويجتهدون. بل وفيهم من أهل العلم من يمضي لطلب العلم من تريم إلى سيئون، فيمر بطريق المعجاز في الجبل وقت شدة البرد، وغطاؤه شملة - وهي أثر من الشعر والصوف - يتغطى بها ويمضي في طريقه في البرد غير مبالٍ به.

        وهكذا ينبغي لنا أن نتذكر ماذا تذكِّرنا أنواعُ هذا الخلق، يُذكِّرنا الخالق، وتُذكِّرنا حكمة الخالق جل جلاله. وليكون زاداً لنا فيما نالَنا مِن حرٍّ أو ما نالَنا مِن برد، أو فيما تيسّر لنا مِن شيءٍ تستريحُ به النفسُ مِن الأمر المعتدل؛ كلُّه يذكِّرك بالرَّب المتصرِّف المُكوِّن البارىء الفاطر المُبدىء المُعيد الفعال لما يريد، سبحانه وتعالى.

ويُذَكِّرُك أيضا بما أرسلَ إليك على لسان نبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم مِن المصير إلى العاقبة وإلى الآخرة. وأنَّ الذي لا يُرى فيه شمسٌ ولا زمهريرٌ حياة الجنة ومعيشة الجنة. جعلنا الله من أهل الجنة (لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا)

أما غير أهل الجنة فهم ما بين حرِّ نار السعير وما بين زمهريرها الشديد، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

 وكلُّ هذا يذكرنا به في الدنيا الصيف والشتاء. وكلُّه غنيمةٌ لنا إذا اغتنمنا أيامَنا وإذا اغتمنا ساعاتِنا، وإذا ساعدنا هذا التذكُّر على تطهيرِ الضميرِ وتطهير السر، وعلى اغتنام الخير وفعل الخير، واغتنام هذا العمر القصير.

رزقنا الله اغتنام أعمارنا ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا)

اللهم اجعلنا مِن أهل التذكر واجعلنا مِن أهل الشكور، واسلك بنا مسالكَ أهل الصدق معك في البطون والظهور يا عزيز يا غفور، وهَبنا مِن مواهبك الجزيلة ما أنت أهلُه، وثبِّتنا على ما تحب منا، وتولَّنا في الحسِّ والمعنى يا أرحم الراحمين.

 والحمد لله رب العالمين.