محاضرة مكتوبة بعنوان: عظيم مراتب مَن وجد الله وشديد حسرة من أعرض عنه

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في دار المصطفى ليلة الجمعة 22 ربيع الثاني 1438هـ بعنوان: عظيم مراتب من وجد الله وشديد حسرة من أعرض عنه. 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله الحقِّ الواحدِ الحي القيوم، الدائمِ الباقي الذي بيدِه الأمرُ كلُّه وإليه يرجعُ الأمرُ كلُّه، وما الكون وما فيه إلا آياتٌ تسبِّح بجلاله وتقرُّ بإفضاله، وتدعو إليه وتدلُّ عليه، والخصائص الموهوبة للمكلفين مِن الإنس والجن إذا عرفوا توجيهَها لما خلقت له سعدوا بمعرفةٍ لهذا الإله، تطيب لهم بها في هذه الحياة المناجاة، ويذيقهم هناك لذةَ رضاه، ويُنزِلهم ( سلام قولا مِن ربٍّ رحيم )، أي مع ما تمتلئ به أحاسيسهم ومشاعرهم من سلام الله عليهم، يرسله إليهم في عالم خلقيتهم ووجودهم وأجلى مداركهم قولا يسمعونه، وأمراً يحسونه، فوق الإحساس المعنوي، فوق المشاعر الروحية.. سلامٌ قولاً من ربٍّ رحيم.. فلا تسأل ماذا يُنازلهم!

وهناك يرضى عنهم ويكرمهم ثم ينازلهم ويتنزّل لهم.. يا أهل الجنة هل رضيتم؟ هل رضيتم؟

ربّاه كيف لا نرضى؟ نجيتنا من النار، أدخلتَنا الجنة، وقيتَنا العذاب، أعطيتَنا بلا حساب، قرَّبتنا إليك، رافقتَنا بأحبابك، كيف لانرضى؟!

أأعطيكم أفضل من ذلك؟

سيّدنا.. ما أفضل من ذلك؟

أُحلُّ عليكم رضواني.. فأبى وهو راضي عنهم إلا أن ينازلهم ويخاطبهم ويكلمهم.

كان الذي ابتُلي في فساد روحه وحاله بشرب الخمر يقول لصاحبه ألا فاسقني خمراً، قُل لي الخمر ذكرني حتى أزداد بها، فيقول له اترك هذه اللذائذ التافهة الساقطة هنا لذة الرضوان، الرحمن بنفسه يتنزل ويقول لهم أقول لكم أنا راضي عليكم..

أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا 

من آمن بهذا أيها الأحباب، أيثقل عليه تركُ المال؟ أم يثقل عليه تركُ الروح؟ أم يثقل عليه تركُ هذا النسيج من الخيال الباطل في تعظيم الحقير الفاني الزائل!

يا أهل القلوب ويا أهل العقول، رب الأرباب يدعوكم إليه، ويدلُّكم بحبيبه عليه، ونحن معشر الأمة مُيِّزنا بأن الداعي إلينا أحب محبوب له، وأكرم كريم عليه، فبه دُعينا إليه، فلله الحمد ولله المنة.

ويا من دعاك الرحمنُ إليه بأحبِّ محبوب لديه، وأكرم كريمٍ عليه، إلى مَن تنصرف غيره؟ بمن تتعلق سواه؟

يا هذا.. تصدّق الدجاجلة؟ تصدقون مَن قريبا سينحبون في قبورهم ولا يغيثهم أحد؟ إنهم يرونه بعيداً ونراهُ قريباً يجرجرون بالسلاسل، ويسحبون على وجوههم في النار ذوقوا مسَّ سَقَر.

تصدق هؤلاء وتترك حبيبَ ربك؟ وتترك هاديك إلى مولاك؟ أيها المؤمن، آن لك أن تخرج مِن حبس الكذب وحبس الخداع والدجل وحبس الشهوات الفانية، وتدرك أن ربَّك أكبر، وربك أعظم، وربك خير لك، وربّك أجلّ، وربك أفضل، وهو مالك الدنيا والآخرة، وبصلتِك به ورضاه عنك تنال خيرَ الدنيا والآخرة، وسعادة الدنيا والآخرة، وشرف الدنيا والآخرة، ونعيم الدنيا والآخرة، وبركة الدنيا والآخرة، لكن انقطعت عن رب الدنيا والآخرة، أتعوّضك دول؟ أتعوضك أحزاب؟ أم تعوضك قصور؟ أم تعوضك أسلحة؟ أم تعوضك لباسات؟

ما الذي يعوضك إذا فقدتَ ربك؟

والله العظيم من فقد الله فأيَّ شيء وجد!؟ أي شيء وجد!؟

ومن وجد الله فأي شيء فاته؟

يا إلهنا.. على ظهر الأرض يعيش المؤمنون بك، فمنهم مَن تكشف حجابَه فيجدونك تواباً رحيما، ويجدونك مُحسنا كريما، وقد وجدوا والله كل شيء، وأدركوا خيرَ الدنيا والآخرة، ومن المحجوبين لم يجدوك، ولم يقربوا إليك، فنسألك يارب الأرض والسماء أن نبيتَ الليلةَ وأهل بيتنا ومن يسمعُنا فيمن وجدوك، وإن كان الباب إليك حبيبك فعلى سنته اجتمعنا، وعلى ما دعانا إليه اجتمعنا، ومن أجلك امتثلنا أمرك وصلينا عليه، وأثنينا عليك وعليه بأمرك، وجعلناه الواسطة إليك، وأنت قلت: ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسولُ لوجدوا الله تواباً رحيما).

في قلوب الأمة، قلوبٌ الليلةَ تجد اللهَ تواباً رحيما، فتبيت وتصبح وقد حازت فضلا عظيما، وخيرا جسيما، من قلوب الأمة..

 فيا ويل المحجوبين، أغنية تافهة حجبت، عادة قبيحة في زواج حجبتك، زي خبيث لخبيثة حجب زوجتك وحجب ابنتك وأنت لا تدري، لِمَ تحجب نفسك بلا شيء؟ بالحقير؟ بالتافه؟ يحجبك عن من؟ ويحول بينك وبين من؟ هل تبيت الليلة فيمن وجدوا الله توابا رحيما؟

ياتواب يارحيم، بالحبيب العظيم، نستغفرك ونتوب إليك، فاجعل روح حبيبك تستغفر لنا، يا الله ..وأكرِمنا بأن نجدك توابا رحيما، يا الله..

والبادرة التي بدرت في أخت ( توني ) من تشوُّق روحها إلى الإيمان بك، أكرِمها بتمام ذلك وبقية أسرته يارب، وأُسراً في الشرق والغرب أنقِذهم من النار، أنقِذهم من العار، أخرِجهم مِن دائرة الكفر والكفار، اربطهم بنورِ المختار، ياكريم ياغفار، يا مَن يُدعى فيجيب، ويُنادى فيستجيب، ويُستغاث فيُغيث بالغياث الحثيث، اكفِنا شرَّ كل خبيث، يا الله، نحن ومَن في ديارنا ومَن يسمعنا ومن في ديارهم نبيت الليلة وكلٌّ منا وجدك توابا رحيما، فله الهناء وله السرور والأنس والحبور في الدنيا والبرخ ويوم النشور، ومَن وجد اللهَ في الدنيا تواباً رحيماً وجد محمداً في القيامة مبتسماً كريما، ومن محمدا هناك له مبتسما فأين يسكن وأين يحل وأي المداخل يدخل؟

ما أفظع أهوالَ القيامة، والمكذبين بهذا الكلام مِن كل من بلغهم في أهوال شديدة يُساقون مع خبائث ومع مبخوثين ومع مبغوضين للجبار ومع مغضوب عليهم والعياذ بالله تعالى، لو سمعتم صياحهم لصعقتم!

والذين وجدوا الله ووجدوا هذا الرسول ( تعرفُ في وجوههم نضرة النعيم، يُسقون من رحيق مختوم، ختامه مسك، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، ومزاجه من تسنيم، عينا يشرب بها المقربون ) الذين امتزجوا بمحمد، فالذين امتزجوا بمحمد شرابُهم يُمزج به شراب من دونهم، لأنهم هم امتزجوا بمن لأجله خُلق التسنيم، فلما امتزجوا به كان شرابهم نعيم لمن دونهم، ومِزاجه مِن تسنيم عيناً يشرب بها المقربون.

فلِمَ شربوه صِرفاً؟ لأنهم امتزجوا بالحبيب، والحبيب قمةُ القرب من القريب، فما بقي إلا أن يشربوا صِرفا محضًا خالصا، ومَن سواهم على وِصلة امزجوا شرابهم مِن شراب هؤلاء، ومِزاجهم مِن تسنيم عيناً يشرب بها المقربون.

( إن الأبرار يشربون من كأسٍ كان مِزاجُها كافورا، عيناً يشرب بها عباد الله ).. الخُلَّص لله.. يُفجّرونها تفجيرا، يوصلونها حيث شاؤوا ولكل مَن اتصل بهم، ووصفهم في هذه الحياة بأنهم: يوفُون بالنذر، ويخافون يوما كان شرُّه مستطيرا.

كان الإمام الحداد يقول: مَن يضمن لي مدَّة إقامتي في البرزخ؟!

( ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله ) ما نرضى بغير وجهه ولا نريد غير وجهه.. لا نريد منكم جزاءً ولا شُكورا.

ومن حضرة فضلِه، نزل طعامٌ للأرواح تُطعَمونه في مثل هذه المجالس، ولسان الذين جعلهم الله وسائط لوصول هذا إلينا يقولون إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شُكورا، إنا نخافُ من ربّنا يوماً عبوساً قمطريرا، فما حالهم معاك يارب؟

فوقاهم الله شرَّ ذلك اليوم، إن كان اليوم خلقُه وإن كان اليوم صُنعُه فبنفسه يقِيهم، وقاهم الله!

وإذا وقاهُم الله فإيش بيقدر يعمل اليوم فيهم؟ عاشوا من أجله خايفين من ذاك اليوم، فقال الجبّار فوقاهم الله شر ذلك اليوم، والله خالق اليوم، وصُنعُه اليوم، وفعلُه كل مافي ذاك اليوم، فإذا بنفسه وقاهم فماذا يصنع بهم اليوم؟! ماذا يصنع بهم؟

يصنع بهم التالي.. ( تتنزّل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا ولا تحزنوا، وأبشِروا باليوم الذي كنتُم توعدون. نحن أولياؤكم في الحياةِ الدنيا وفي الآخرة، لكم فيها ماتشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدَّعون ).

خُذ خبرهم.. ( إن الذين سبقَت لهم منّا الحُسنى أولئك عنها مُبعدون، لايسمعون حسيسها ).. ومن أين يقدر حسيسها يخوِّفهم والجبار وقاهُم، وخالقها وقاهُم! ( لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسُهم خالدون، لايحزُنُهم الفزع الأكبر ).. والفزع الأكبر صياح فِرعون فيه قوي، وصياح النّمرود فيه قوي، وصياح قارون فيه قوي، وصياح قوم عاد فيه قوي، وصياح عاد فيه قوي، وصياح أصحاب لوط فيه قوي، وصياح فراعين زماننا وقوارينِهِ فيه قوي.

يصيحون في ذلك اليوم، أما هؤلاء قال لا يحزنُهم الفزع الأكبر وتتلقّاهُم الملائكة هذا يومُكم.. يوم إكرامكم.. يوم تفضيلكم.. يوم تكريمكم.. يوم تقريبكم.. يوم الرّفعة لكم، هذا يومُكم الذي كنتُم توعدون، أي يوم؟

( يوم نطوي السماء كطيِّ السّجلِّ للكتاب ) نطوي السماء! ما أعظم هذا العظيم، فخرِّجوا عظمة السماء وعظمة الأرض.

 أحبابي.. العظيم خالق السماء والأرض، رب السماء والأرض.. يقول نطوي السماء كطيِّ السجلّ للكتاب، كما بدأنا أول خلقٍ نُعيدُه وعداً علينا إنّا كنّا فاعلين.

أتدري ما هو لُبّ الحكم وخلاصته؟

( ولقد كتبنا في الزّبور من بعد الذكرِ أن الأرض يرِثُها عباديَ الصالحون ). اللهم اجعلنا منهم وأدخِلنا فيهم.

( إن في هذا لبلاغاً لقومٍ عابدين ) .. اللهم اجعلنا من العابدين، واجعل البلاغ واصلا ً إلينا.

( وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين ) ومِن إرسالنا إياك بالرحمة أن نسلسلَ مجالسَ الدلالة علينا وتعرُّفنا على أفراد مِن أمتك إنساً وجنَّا في بُقعٍ نختارها ونبث منها الأنوار في المشارق والمغارب حتى يأتي مثل هذا المجلس يا مرسل رحمة للعالمين.

أما عالم المحسوس وعالم الظاهر فأنا بارزٌ لكم في حضرةِ مَن انتخبني في قالب بشر، ولكن إياكم أن تغرّكم الصورةُ البشرية عن الخصائص الربانية والمزايا الرحمانية التي تحكمها الذات البشرية، "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد".. فهل تُدرِكون دعوتي؟... "فهل أنتم مسلمون. فإن تولَّوا فقل آذنتُكم على سواء".. أنا مستند إلى القوي، أعتمد على القادر، ومرجعي ومرجعكم إليه، "وإن أدري أقريب أم بعيدٌ ما توعَدون. إنّه يعلم الجهر من القول ويعلم ماتكتمون. قل ربّ احكم بالحق" ياحبيبي أنا الذي أحكم، اطمئن.. أنت المنصور وأنت المؤيّد، ويْل من خالفك "وربّنا الرحمن المستعان على ماتصفون" مما تخوفون به الناس، ومما تهددون به الناس، ومما تنشرونه من الفتن بين الناس، ربنا الرحمن المستعان على ماتصفون، لا إله إلا هو به آمنا وعليه اجتمعنا، فاقبَل يارب جمعَنا، اجعله في المجامع المقبولة لديك، ومن الدعوات المسموعة لك، ياحي ياقيوم، سلسلة مجالس أهل حضرتك أدخِلنا في دوائرها، أحضِرنا في محاضرها، أشرِق علينا أنوارَها، ارزقنا العثورَ على أسرارها، احشُرنا مع أهليها.. يا الله.. لا يتخلَّف عن حبيبك صغيرٌ منا ولا كبير، يا الله .. نادُوه.. وناجُوه.. وتضرّعوا إليه.. وقولوا يا الله.

ولو لم يأذن هو، ولو لم يُرِد هو، ولو لم يسمح هو، ولو لم يتفضل هو ما قلنا يا الله.. يا الله

نقولها بتوفيقه ونقولها بفضله، ونقولها بقدرته، ونقولها بكرمه، ونقولها منه إليه، يا الله..

كلنا نشهد أن لا إله إلا الله، فثبِّت قلوبَنا وثبِّت علمَها في قلوبِنا، واجعلنا مِن خواصِّ أهلِها عندك يا الله، محمد رسول الله، فثبِّتنا على دربِه واحشُرنا في زُمرته وأنت راضٍ عنا، واشمل بذلك جميعَ من في ديارنِا، الحاضرين والسامعين، جميع من في منازلهم وديارهم، قراباتهم وأهليهم، ياالله ارزقنا الفوز والسعادة في الغيب والشهادة، واختم لنا بالحسنى وأنت راضٍ عنا، وأصلِح شؤون المسلمين، وفرِّج كروبهم.. والحمد لله رب العالمين.

للاستماع إلى هذه المحاضرة

لمشاهدة المحاضرة