كلمة شهر ربيع الأول 1442هـ

بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم        

الحمدُ للهِ حَمْدَاً نَرْقَى بهِ إلى ذُرَى اليَقِين، ونُدرِكُ به بالفَضلِ تمامَ التَّمكِينِ، في كُلِّ مقامٍ مِن مَقاماتِ "علم اليقين" و"عَينِ اليَقين" و"حقِّ اليقين"، ونشهدُ أن لَّا إلهَ إلا اللهُ القويُّ المتينُ، المُيَسِّرُ المُعِين، رَبُّ الأوَّلين وربُّ الآخِرين، رَبُّ السماواتِ والأرَضين ربُّ العالمين، لا إلهَ إلا هو يُحيِي ويُميتُ وهو حَيٌّ لا يموتُ بيدِهِ الخَيرُ وهو على كُلِّ شيءٍ قَدير.

 ونشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمداً عبدُه ورسولُهُ البشيرُ النذيرُ، والسراجُ المُنير، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ عليه وعلى آلِه وأصحابِه، ومَن سارَ في دَربِهم ومَسلَكِهم إلى يومِ المَصير، وعلى آبائهِ وإخوانهِ مِنَ الأنبياءِ والمرسلينِ مَعَادِنِ التَّنويرِ والتَّطهِير، وعلى آلِهم وصَحبِهم وأتباعِهم والمَلائكةِ المقرَّبين، وعِبَادِ اللهِ الصالحين، وعلينا معَهم وفيهِم، إنَّه أكرمُ الأكرمينَ وأرحمُ الراحمِين.

       أما بعدُ.. فإلى أحبابِنا في الله -وقد استقبَلنا وإيَّاهم شهرَ ذكرى ميلادِ حبيبِ اللهِ سيدِنا مُحمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ صلى الله عليه وآلهِ وصحبِه وسلَّم-: فكلمةُ هذا الشهرِ أن نطلبَ التَّمَكُّنَ والتَّحَقُّقَ بحقائقِ خطابِ سيِّدِنا سَعْدٍ لِسيِّدِنا المصطفَى بابِ السعادة، وسَببِ نَيلِ الحُسنى وزيادَة، في قوله له: (آمنَّا بك وصدَّقناك، وشَهِدنا أنَّ ما جئتَ به هو الحق، فاقطَع حبالَ مَن شئتَ، ووَاصِل حِبالَ مَن شِئتَ، وحارِبْ مَن شئتَ، وسَالِمْ مَن شِئتَ؛ فنحن حربٌ لمَن حاربتَ وسِلْمٌ لِمَن سالَمت، لو سِرْتَ بنا حتى تَبلُغَ بِركَ الغِمادِ مِن الحَبَشةِ لَسِرنَا معكَ، ما تخلَّفَ مِنَّا رجلٌ واحد، ولو استَعرضتَ بنا هذا البحرَ فخُضتَه لخُضنَاهُ معك).

       أيها الأحباب: ركيزةُ (آمنَّا بك وصدَّقناكَ وشَهِدنا أنَّ ما جئتَ به هو الحقُّ) هو الأساسُ الذي نَنطلِقُ فيه في كُلِّ كلماتِنا وتوجُّهاتِنا، ونِيَّاتِنا وأفعالِنا، وحركاتِنا وسكناتِنا، فَلنُقِمها على هذا الأساسِ، ولنتعمَّقْ في أنَّنا آمنَّا به وصدَّقنَاه وشَهِدنا أنَّ ما جاءَ به هو الحق؛ فلا يكونُ في أذهانِنا وأذهانِ أهالينا وأبنائنا وبَناتِنا وأصحابِنا شَيءٌ ولا أحدٌ مُقَدَّماً في الاقتداءِ والاهتداءِ على رسولِ الله صلى الله عليه وصحبِه وسلَّم، بل يكونُ هو الأسوةُ والقدوةُ لنا في شُؤونِنا، مُمتلئينَ باليَقينِ به وبما جاءَ به والطمأنينةِ إليه، مُتَحَقِّقينَ بأن نجعلَ هوانا تَبَعَاً لِمَا جاءَ به، نسعَى إلى تَحصيلِ ذلك والتَّمكُّنِ فيه.

        ولِنُقِم كُلَّ ولاءٍ ومحبَّةٍ ومُناصرةٍ على ميزانِ ولائهِ ومحبَّتِه ومُناصرَتِه، فلا نُوالي إلا ما أحبَّه ومَن أحبَّه، ولا ننصرُ إلا شريعتَه وسُنَّتَه.

         كما نُقِيمُ: (ونحن حَرْبٌ لِمَن حاربتَ) فنُحَارِبُ ما حاربَه مِن الكُفرِ والفُسوقِ والعِصيان، ونَنْبُذُ كُلَّ ما خالفَ سُنَّتَه، وكلَّ ما يدعو إليه مُعَادُوهُ ومُعَانِدُوهُ ومُضَادُّوه مِن شياطينِ الإنسِ والجِن.

        ونطلبُ التَّحقيقَ في ذلك والتَّحقُقَ به والتمكُّنَ فيه بـــ: تأمُّلاتٍ دقيقةٍ لأحوالِنا وأقوالِنا وأفعالِنا ومَقاصدِنا ونيَّاتِنا، وطَرْحِ ونَبْذِ وإبعادِ كلِّ ما يَخرجُ عن صِدقِ المُتابعةِ له وحُسنِها، وعن تَحقيقِ التَّبعيَّةِ له بِسِرِّها وعَلَنِها، وأن نجعلَ قراءَتَنا لِسَيرتِه وكَثرةَ صلاتِنا وسَلامِنا عليه سَبباً قويَّاً لتَحقيقِ هذه المعاني فينا وتمكُّنِنَا فيها.

ونُجِيلُ الفِكرَ في ابتِعاثِ التَّعظيمِ والمحبَّةِ والشَّوقِ والوَلاءِ والإكبارِ والإعظامِ والإجلالِ بتأمُّل المعاني، والمسارعةِ إلى نُصرَةِ الذي أُنزِلَت عليهِ المَثاني، ونَشرِ تلك المعانِي في أفكارِ وعقولِ وقلوبِ وأرواحِ أهالينا وذَوِينا ومَن يوالينا، وتذكُّرِ شَوقِنا إلى لقائهِ ومَطمعنا أن نكونَ مِن رُفقائه، ولنُنَمِّي الحرصَ على ذلك والإلحاحَ على اللهِ في تَحصيلِه.

       بلَّغَ اللهُ كُلّاً مِنَّا غايةَ سُؤلِهِ ومأمولِه، وزادَنا مِن فضلِه ما هو أهلُه.

      وسلامُ الله عليكُم ورحمتُه وبركاتُه.