كلمة شهر ربيع أول 1441هـ

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ ربِّ العالمين، أحكَمِ الحاكِمين، مُنزِلِ الذِّكرِ الحَكيمِ المُبينِ، ونَشهدُ أن لَّا إلهَ إلا اللهُ وَليُّ الصالحِين، ( وَليَنصُرنَّ اللهُ مَن يَنصُرُه إنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ( ولقَد سَبقَت كَلمتُنَا لعِبادِنا المُرسَلِين إنَّهم لهُم المَنصُورُون وإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُون ) ( إنَّا لنَنصرُ رُسلُنَا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنيَا ويَومَ يَقُومُ الأشْهادُ يومَ لا تَنفعُ الظالمِين مَعذرَتُهم ولهمُ اللَّعنَةُ ولَهُم سُوءُ الدَّارِ )

ونَشهَدُ أنَّ سَيِّدَنا ونَبيَّنا وقُرَّةَ أعيُنِنا ونُورَ قُلوبِنَا مُحمَّدًا عَبدُه المُجتبَى المُصطَفى المُختَارِ، صَلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارَكَ وكَرَّمَ فِي كلِّ لَمحةٍ ونَفَسٍ آناءَ اللَّيلِ والنَّهَار، عَليهِ وعلى آلِهِ الأطهَار، وَرَثَةِ الأسرَار، وعلَى أصحابِه الأخيَار، مَعادِنِ الخَيرِ والأنوَار، وعلَى مَن تَبِعَهُم بإحسَانٍ وعلَى مِنهاجِهم سَار، علَى مَمَرِّ الأعصَار، وعلى آبائهِ وإخوانِه مِنَ الأنبياءِ والمُرسَلِينَ، خِيارِ المَلأ أهلِ الدَّرجاتِ العُلى وعلَى آلِهم وصَحبِهم والمَلائكةِ المُقرَّبِين، وجَميعِ عِبادِ اللهِ الصَّالحِين، وعلَينا وعلَى إخوانِنا فِي اللهِ وأحبابِنا فيهِ تَعَالى فِي علاه، ومَن وَالانَا فِيهِ مَعَهُم وفِيهِم، إنَّه أكرَمُ الأكرَمِينَ وأرحَمُ الرَّاحِمِينَ.   

أمَّا بَعدُ، فَبِمُناسبَةِ إقبَالِ شَهرِ رَبيعِ الأوَّلِ، شَهرِ ذِكرَى مِيلادِ نَبيِّنَا الأكمَل، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وبَارَكَ عَلَيهِ وعِلى آلِهِ وصَحبِه وَسلَّم، نَزُفُّ هذهِ الكَلمةَ إلى إخوانِنا وأحبابِنا في اللهِ، مُبتدِئينَ بإلقَاءِ التَّحيَّة إليهِم:

 السَّلامُ عليكُم أجمَعِين ورحمةُ اللهِ تعالَى وبركاتُه

 وإنَّ مِن أعظَمِ واجباتِنا في ضِمنِ ووسَطِ وخِضَمِّ صِلاتِنَا باللهِ ورسُولِه وإيمانِنا باللهِ ورسولِه، أن نُحيِيَ حقائقَ الثِّقةِ باللهِ والاعتِمادِ علَيهِ والتَّوكُّلِ علَيهِ وحدَه جلَّ جلالُه، وأن نُقِيمَ الأساسَ المُوصِلَ إلى ذلكَ وإلى كُلِّ سَعادةٍ.

 فأمَّا تلكَ الثَّقَةُ والاعتمادُ والتوكُّلُ فيَجبُ أن تَحتلَّ مِن قُلوبِنا مَكانَها بِحُكمِ إيمانِنا، فإنَّه لا يَجوزُ لِمَن عَرفَ عظمةَ اللهِ تَباركَ وتَعالى وحِكمَتَهِ وقُدرَتَه وإرادَتَه وقَهرَه لِجَميعِ الكائناتِ وإحاطتَه بِجَميعِ الأشياءِ، لا يجوزُ لِمَن عَرَفَ اللهَ سبحانَه وتعالَى بهذهِ الصِّفاتِ والأسماءِ أن يَعتمِدَ علَى غَيرِه، ولا أن يَستنِدَ إلى ما سِواه، ولا أن تَقْصُرَ ثِقتُهُ بِهَذا الإلَه، وأن لا يَصدُقَ التِجَاؤُه إليه، ولا أن يَضعُفَ في التوكُّلِ عليهِ سُبحانَه وتعالَى. لا يَجوزُ له ذلكَ.

       وإنَّ معرفةَ سُنَّتِهِ في الوُجودِ والعَالَمِ مِن عَهدِ آدمَ تُثَبِّتُ قُلوبَ المُتَأمِّلينَ والنَّاظِرينَ بالفَهمِ والإنصافِ، تُثَبِّتُ قُلوبَهم وتُلزِمُها الثِّقَةَ التَّامَّةَ باللهِ تَباركَ وتَعالَى والاعتِمادَ علَيهِ والاستِنادَ إلَيهِ ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ).

     فَلنَعمَلْ علَى ذَلك، ولْنُخاطِبْ أنفُسَنا للانتِهاضِ بِهذا الوَصفِ الذي يكونُ الحقُّ فيهِ كافِياً مَنِ اتَّصَفَ به (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) ، (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ) وكُلُّ مَن دُونَه يمُوتُ. فَالْمَحْ سِرَّ قولِه: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) إنَّ هذه الثِّقَةَ والاعتمادَ تُوقِفُنَا مَوقفَ مَن يَعرِفُ مَكانةَ مَحمَّدٍ مِن هذَا الإلَهِ الحَقِّ الحَيِّ القُّيُّومِ الجَليلِ القادِرِ، الذي ما مِن دابَّةٍ إلا هُو آخذٌ بِنَاصِيَتِها.

        وأمَّا الأساسُ الذي ذَكرنَاه الذِي يُوصِلُ إلَى هذا الخَيرِ وسِواهُ مِن الخَيراتِ فهُو "العِلمُ". ونقصدُ بِه خُصوصَ العِلمِ الذي يُستَفَادُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وعلَى آلِه وصَحبِه وسلَّم، العلمُ الذي أمرَه اللهُ أن يَبُثَّهُ فِينَا وأن يُبلِّغَه إلَينا، عِلمُ الشَّريعةِ المَصُون.

  يَجبُ على جَميعِ الأمَّةِ بِمُختلَفِ قُدُراتِهم وإمكانيَّاتِهم وهُويَّاتِهم وأمنياتِهم ومُختلَفِ استِطاعاتِهم، علَيهم أن يُعَظِّموا جَميعاً شأنَ "عِلمِ الشَّريعة"، وأن يأخذُوا ما يأخُذونَ منهُ بالإجلالِ والإكبارِ والتَّعظِيم، وأن يَغرِسُوا ذلكَ في أهلِيهم وأولادِهم. وما يَتلقَّونَهُ عبرَ الكُتبِ الصَّحِيحَةِ النافِعَةِ المَوثُوقِ بها، أو عبرَ وَسائلِ النَّشرِ للمَوثوقِ بهم كذلك؛ وأن يَقْرِنُوا تَلَقِّيَ ذلك بالتَّعظيمِ والهَيبةِ والإجلالِ والمَحبَّةِ والرَّغبَةِ في كلِّ مَسائلِ هذا العِلمِ المُتعلِّقةِ بِعُلومِ الإسلامِ مِن طَهارةٍ وصَلاةٍ وزَكاةٍ وصَومٍ ومُعامَلاتٍ وعُقودٍ وأنكِحَةٍ.. وما إلَى ذلكَ مِن شُؤون "فِقهِ الشَّريعَة" في الواجباتِ والمحرَّماتِ. أو عُلومِ إيمَانٍ مِن صفاتِ اللهِ وأسمَائهِ وصِفاتِ أنبيائِه صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِم، وأخبارِ الغَيبِ الذي أُمِرنا بالإيمانِ بهِ مِن المَلائكةِ والبَرزَخِ والآخَرةِ وما يَجرِي فيها. أو عُلومِ الإحسانِ المُتعلِّقَةِ بالأذواقِ والصِّفاتِ القَلبيَّةِ والشُّهُودِ لِحَضرةِ الرُّبُوبِيَّة.

كُلُّ هذهِ العُلومِ يَجبُ أن تَكْبُرَ في نَظَرِنا وفي اعتِقادِنا، وفي مَشاعِرِنا وأحاسِيسِنا، وأن يَسرِيَ ذلكَ إلى أهالِينا وأولادِنا، فإنَّنا بذلكَ نَتَّصِلُ بِحَقيقةٍ مِن حقائقِ احتِفالِنا بِنَبِيِّنا مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وصَحبِهِ وسلَّمَ في شِهرِ ذِكرَى مِيلادِه. وكُلُّ ذلكَ يُوصِلُنَا إلى دَرجةٍ في الصِّلَةِ باللهِ وبِرَسولِه رَفيعة.

       فَلنَعمَلْ على تَقويمِ هذهِ الثِّقةِ والاعتِمادِ والتَّوكُّلِ علَى اللهِ، وعلَى تَعظيمِ الأساسِ المُوصلِ إلَيها مِن عِلمِ الشَّرعِ المَصُون، وأن نجعلَ له في نُفُوسِنا المِيزَةَ التي تليقُ به والتَّخصيصَ الذي يَليقُ بهِ مِن التَّعظيمِ والإجلالِ، والتَّميِيزِ الذِي يَليقُ بهِ عَن جَميعِ العُلومِ الأُخْرَياتِ التِي بهذا العِلمِ يُمكِنُ أن نُحَوِّلَها إلى آلاتٍ وخَيراتٍ يَتِمُّ بِها أيُّ خَيرٍ وصَلاحٍ، لكِن مِن نُورِ هذا العلمِ الأساسِ، الذي بُعِثَ به خيرُ النَّاسِ، صلَّى الله عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم.

      جعلَ اللهُ هذا الشَّهرَ مِفتَاحاً للفَرجِ لأمَّةِ النَّبِيِّ مُحمَّدٍ، وإحياءِ حَقائقِ صِلَتِهم باللهِ وخُصوصًا في مِضمَارِ الاعتِمادِ علَيه، والاستِنادِ إلَيه، والتَّوكُّلِ علَيه، والثِّقةِ بِه، وفي أخذِ العِلمِ النَّافعِ الرَّافِعِ لأربَابِهِ في الدَّرجَاتِ العُلَا.

       اللَّهُمَّ حَقِّقْ لنَا ذلكَ، وأصلِحْ أحوالَ الأمَّةِ أجمَع، وشفِّع فينَا عبدَكَ المُشَفَّع، وارزُقنَا كَثرةَ الصَّلاةِ والسَّلامِ عليه اِمْتِثَالاً ومَحَبَّةً وتَعظِيماً وَوِجْدَانَاً وَذَوْقَاً وَشَوْقاً يَا حيُّ يا قيُّوم.

والحمدُ للهِ رَبِّ العالَمِين.