كلمة شهر ربيع أول 1440هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله مُنَوِّرِ القلوبِ ومُرَوِّحِ الأرواحِ ومُصَفِّي السَّرائرِ ومُكرِمِها بالشُّهُود، اللهم صلِّ وسلِّم على سيدِنا محمدٍ زينِ الوجود، صاحبِ المقامِ المحمُود، مَعْدِنِ الكَرمِ والجُود، وعلى آلِه وصحبِه، وفرِّج كروبَ أمَّتِه، وأصلِح شئُونَهم يا برُّ يا ودُود، وصلِّ معه على آبائه وإخوانِه مِن الأنبياءِ والمرسلين وآلهم وأصحابِهم أربابِ الوفاءِ بالعُهود، وعلى ملائكتِك المقرَّبِين وعبادِك الصالحين، في كلِّ شأنٍ وحالٍ وحين، وأسعِدنا بهم أعظمَ السُّعود.

أما بعد: فإلى إخوانِنا وأحبابِنا في الله تبارك وتعالى نرفعُ كلمةَ شهرِ ربيع الأول لعام 1440هـ:

 السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

الحمد لله الذي أكرمَنا وإياكم ببُلوغِ هذا الشهرِ، الذي أبرز اللهُ فيه أكرم بَدْرٍ، سيِّدِ المرسلين وحبيبِ ربِّ العالمين، ومُقَدَّمِ المَحبوبِين للرحمنِ في كلِّ سِرٍّ وجَهْر، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آلِه وصحبِه وأهلِ محبَّتِه وقُرْبِه، وعلينا معهم وفيهم.

 ونقول: إنَّ مِن أعظمِ الواجباتِ علينا تحقيقَ التَّبعيَّة لِنَبيِّنا كما أحبَّ الحقُّ مِنَّا وشرعَ لنا {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }آل عمران31

وآية حُبِّ الله منا اتِّباعُه   **  به وعَدَ الغُفْران بعد المحبَّةِ

ومَن يُطعِ الهادي أطاعَ إلهَه ** ومَن يعصِهِ يعصي الإلهَ ويُمقتِ

ومَن بايعَ المختارَ بايعَ ربَّهُ  ** يَدُ اللهِ مِن فوقِ الأيادِي الوَفِيَّةِ

ولْنَكُن بإصغائنا لهذا المعنى الذي نُلقِيهِ مُبايِعِين ومَادِّينَ أيديَنا لِيَدِ سيِّدِ الوجودِ صلى الله عليه وصحبه وسلم؛ لِنَلْحقَ بأهلِ ذلك الرَّعِيل، مِن خيرِ جيلٍ، ونَتَّصِلَ بالمعنى الجليل، في قولِ الرَّحمنِ في التَّنزيل: {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله} [الفتح:10]، والمعنى الذي نَذْكرُه أننا نحتاجُ إلى حُسْنِ التَّفَقُّدِ والتَّبَصُّرِ في تَبعيَّتِنا للمُصطفى محمدٍ طلباً لرضوانِ ربِّنا، وتحقيقاً لإيمانِنا به في مُقتضى قولِه: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }[النساء:65].

ونقول: إنَّ المعنى الإجماليَّ لهذا واضح، ولكنَّنا نريدُ أن نأخذَ بعضَ التفصيلِ لنُدرِكَ التَّفْضيلَ، ونُحظى بالتَّبجيلِ والارتِقاءِ للمَقامِ الجلِيل، وذلك وجوب أن نُرَكِّزَ النَّظَر في جميعِ رَغباتِنا وجميعِ تَوَجُّهاتِنا وجميعِ نِيَّاتِنا وجميعِ أقوالِنا وأفعالِنا وحركاتِنا وسكناتِنا، لِنُنَزِّهَهَا عن علائقَ عَلِقَت بها في أنواعٍ من تَبَعِيَّاتِ الأهواءِ والأنفُسِ والشَّهوات، وفي تَبَعِيَّاتٍ أُخَر، وذلك بما يكونُ على غير بَيِّنَةٍ، مِن انبهارٍ عند الكثيرِ منَّا بِبعضِ ما يُطرحُ في صورةِ العلم أو صورةِ التقدُّم.. وما إلى ذلك.

فنحتاج أن نُدقِّقَ النَّظر في المجالين:

 المجال الأول: ما أشَرنا إليه مما يتعلقُ بالنُّفوسِ والأهواء؛ ليكونَ نظرُنا في كلِّ ما نفعلُ وفي كلِّ ما نقول، وفي كل ما ننوِي ونقصد، نظرُنا إلى تبعيةِ هذا الإمامِ المجتبى المصطفى خيرِ الأنام؛ ثم نُعْمِلُ الفِكْرَ في جميعِ رغباتِنا وأُمْنِياتِنا لتكونَ في حقيقةِ التَّبعية مُنَزَّهةً عن الاندفاعِ بمجرَّدِ الطبيعة، وعن التأثُّر بالعواملِ الخارجيَّة الأخرى، ليَحْتَكِمَ عندنا اتِّباع السُّنَّةِ بوَجهٍ يكونُ أعمقَ مِن حيثُ الاستحضارِ، ومن حيثُ الشهود، ومِن حيثُ التأمُّلِ والتَّفَطُّنِ والتَّعَمُّقِ في معاني التَّبَعِيَّة لخَيرِ البَرِيَّة، بحيث يَطْرأ في بالِنا وخيالِنا عندما نأكلُ أو نشربُ، وما نتناولُ باليَمين، والأماكن التي ندخلُها بالرجلِ اليمنى، والأماكن التي ندخلُها بالرجلِ اليسرى، يتبادرُ إلى أذهانِنا وخيالِنا وفكرِنا اقتداؤنا وتبعيَّتُنا وانتماؤنا وولاؤنا للجَنابِ الأشرف، وأننا بذلك نفتخرُ ونتشرَّف، ونَتعرَّضُ لمِحْبُوبِيَّةٍ مِن اللهِ ومغفرةٍ كاملة، ويَنْسَحِبُ ذلك إلى معنىً من الحضورِ في كلِّ لُقمةٍ نتناولها، وفي كُلِّ مُجٍّ نشربُه مِن ماءٍ وأنواعِ الشراب، ويَمْتدُّ بنا هذا النظرُ بهذا العُمقِ إلى ألبَستِنا وإلى كلماتِنا ومخاطباتِنا للصَّغيرِ والكبير، وإلى منامِنا وكيفيَّتِه، وعَملِنا بالسُّنَنِ عندَه واستيقاظِنا منه، وإلى عُموم نظرِنا  في الأشياء.

والمجال الثاني الذي ذكرناه في أنه عالقٌ في أذهانِ الكثيرِ مِن هذه الأمةِ استحسانُ شيءٍ أو ميلٌ إلى شيءٍ مردُّه في انبعاثِه وابتدائه إلى أمرٍ نُشَر أو ذُكِرَ أو قُرِّر مِن قِبَلِ الجِهات المختلفة، فنحتاج أن نَتَحرَّرَ وأن نَتَطَهَّرَ مِن كلِّ ذلك، ونجعل الأصلَ في قَبولِنا للشيء أو رفضِنا إياه، وفي أخذِنا له أو تركِنا، وفي الميْلِ إليه أو الميْلِ عنه، أن نجعلَ الأصلَ في ذلك تحكيمُ ميزانِ صاحبِ النبوة عليه الصلاة والسلام؛ فإنَّا نُعمِلُ الفِكْرَ أيضاً ونُدقِّقُه فيما دلَّنا عليه، فما تبيَّن لنا موافقتُه لما شرعَ لنا ولما أحبَّ منا ولما دعانا إليه نقبلُه على هذا الأساس، لا على أساسِ أنه جاء مِن قِبَل مطَّلِعين أومختصِّين، أو من قِبَل متقدِّمين أو متطوِّرين، إلى غير ذلك مِن الاعتبارات، فَيَتِمُّ لنا بهذا الشهر الكريم تَحرُّرٌ كريمٌ جميلٌ مِن أنواعِ التَّبَعياتِ للأنفُسِ والكائنات، ولنكونَ في تبعيَّةِ الذي أحبَّ الخالقُ أن نتَّبعَه ورغَّبَنا في ذلك ووعدنا عليه الخيرَ الكبير.

وبَثُّنا لمبادئِ هذه المعاني في نُفوسِ وقلوبِ أبنائنا وبناتِنا ومُجَالِسينا بما نستطيعُ ذلك، لِتَصْلُحَ وتَتِمَّ حقيقةُ قيادةِ مَن اختاره اللهُ قائداً لنا، وإمامةِ مَنِ اختاره اللهُ إماماً لنا، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم، وتَقُومَ أسرارُ قيادتِه في ساحاتِ قلوبِنا وعُقولِنا، وتتبادر إلى أذهاننا وتشمُل وتستوعب خيالاتِنا وأحاسيسِنا ومشاعرِنا، بذلك نَنْصَبِغُ بِصِبغةِ التبعيَّةِ الصحيحة، ونُدركُ آثارَها المليحَة، ونُحَصِّلُ مِن تجاراتِها الرَّبِيحَة أرباحاً تكونُ بها المساعي مشكورةً ونَجِيحَة.

هذه كلمةُ الشهرِ لذكرى ميلادِ البدرِ، والله يجعلُنا ممَّن في مجراهُ يجري، وبسِرِّ نورِه يَتنَوَّرُ ويَسْرِي، بعوائدَ تعودُ عليهِ مِن إسرائه، وكمالِ يقينٍ بأنْبائه، يتترجَمُ في حُسنِ اتِّباعِه والاقتداءِ به، و بالله التوفيق وهو المستعان.

اللهم أعِد إلى ساحاتِ القُلوبِ والعُقولِ المؤمنةِ حقيقةَ القيادةِ لمن ارتضيتَه لنا قائداً وهادياً ومُرشداً، وخلِّصهَا مِن كُلِّ ما يعوقُها عن ذلك تخليصاً تامّاً، حتى نرى في واقعِ الأمةِ وحياتِها آثارَ ذلك بما به تَرفعُ عنهم سُلطةَ الأعداءِ، وتشفِيهم به من عُضالِ الدَّاء، يا وليَّ الهُدى، يا عالم ما خَفِي وبَدَا.

 والحمد لله ربِّ العالمين.