كلمة شهر ربيع الأول 1437هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله مالكِ الملك يؤتي الملك مَن يشاء وينزعُ الملكَ ممَّن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير، إنه على كل شيء قدير

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، منه المُبتدأ وإليه المصير؛ وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا وقرةَ أعيننا ونورَ قلوبنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، وصفوتُه مِن بريَّتِه البشير النذير، السراج المنير..

 اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدِك المصطفى سيدِنا محمد، اللهم يا ربَّ سيدِنا محمد وآلِ سيدِنا محمد صلِّ وسلِّم على سيدِنا محمد وآل سيدنا محمدٍ، وأذهِب حُزنَ قلبي في الدنيا والآخرة، وأجرِ يا ربِّ لطفَك الخفِيَّ في أمورِنا وأمورِ المسلمين، وصلِّ معه على جميع آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعدُ ..

فنرفع كلمةَ شهر ربيع الأول من العام السابع والثلاثين بعد الأربعمائة والألف من هجرة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.. ونقول لأحبابنا وإخواننا في الله:

 السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

وإنَّ مِن أهم الواجبات علينا أن نفقَهَ كيف نقيمُ وِجهاتِنا وأسسِ انطلاقاتِنا في شُؤونِنا في الحياةِ على منهاجِ النبوة، وتلبيةِ نداءِ ودعوةِ صاحب الذكرى في هذا الشهر سيد أهل الدنيا والأخرى، رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم،

وتعيش الأمةُ في كثيرٍ مِن مناطقِها إثارةَ تهييجٍ على المسلمين، وإرادةَ تشويهٍ لصورة الإسلام في أعيُن غيرِ المسلمين، والصدِّ عن سبيله وعن الدخول فيه، فتحتاج الأمةُ في انطلاقِها وفي وجهتِها إلى أن تأخذَ بالأسس النبوية، وإن كان المراد لإبليسَ وجندِه مِن الذين يثيرون الحملات والتشويهات وإرادةِ إيقاع الأذى بالمسلمين، إن كان لا يخفى أن مِن مُرادهم مِن ذلك إبعادُ حقيقةِ الإسلام عن التصور، فإنَّ واجبَ أهلِ الإسلام أن يثبِّتوا حقيقةَ الإسلام في التصوُّر بالمسلك والإنتهاج والذوق والإنفعال الروحي القلبي في حُسن الترجمة لمحاسنِ الإسلام بالثبات والاستقامة وعدم التزعزُع وعدم الرد بالسوء أو بالعصبية أو بما يثير النفوس..

 ولكن بالقيام بالردِّ الصحيح بما ذكرنا مِن الثبات أولاً، ثم بتأكيد صورةِ الإسلام مِن خلال التعامُل سواءً مع المتعرِّضين للكلام أو لأذى المسلمين، ومع غيرهم على وجه العموم.. وهو آكد، كلُّ مسلمٍ مع جيرانه، مع مَن يُلاقيهم في العمل أو يصادفُهم في الطريق.. نظراتُه، كلماتُه، حركاتُه، معاملاتُه، آدابُه، أخلاقُه.. يجب أن تُنبِئَ عن حقيقةِ الجمال الأسنى، والرونق الأبهى في الشريعة المطهرة حتى يُبطلَ اللهُ كيدَ الكائدين، وتنظر العيونُ والعقولُ إلى مسلكٍ لا يُصَدَّقُ معه ما يُقال وما يُشاع وما يُذاع مِن قِبَل المحاولين لتَشويهِ صورةِ الإسلام والنَّيل من المسلمين، وهي الإرادةُ الهابطةُ الساقطةُ المدفوعةُ بإرادةِ القوي القادر فيما بيَّنَ قولُه تعالى (  يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمٌّ نُورَه ) وفي قراءةٍ (  وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ )

وفي الآية الأخرى ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ )

فيكون الاشتغال بما ذكرنا، مع صدقِ التجائنا إلى الله، ومع سدِّ ثغراتِ تهييجِ الآخرين أو مداخل تَطاوُلِهم واعتدائهم على الإسلام، مع الحذر على وجه العموم، نكون مترجمين ترجمةً حسنة لحقيقةِ هذا الدين، غير عابئين بحجمِ المُذاع والمُشاع، وما يَعمل لترويجه أجهزةُ أعداءِ الحق ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

ومِن خلال ما ذكرنا نتعلمُ أدباً مع الله تبارك وتعالى في أحوالنا، وهو أن نتوجهَ وننطلقَ ونشتغلَ بما شغلَنا به الحقُّ، نتوجه وننطلق في الشغل الذي شغلنا به الحقُّ على الأسس التي دعانا إليها، ولا نرضى لأنفسِنا كلَّما شغلَنا قاطعٌ عن الله مِن مختلف أنواع القطَّاع أن نشتغل بما به شغلونا، وأن يكونَ للمسلمين مع عيشِهم بين الطوائف على ظهر الأرض استقاءٌ للأسسِ والمنطلقات، واشتغالٌ بما شغلهم به العليُّ الأعلى، ودعاهم إليه رسولُه المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولا ينبغي أن يُخدَعوا لينشغلوا بغيرِ ما أحبَّ اللهُ ورسولُه منهم الإنشغالَ به.

لذلك رأينا التحذيراتِ النبوية مِن الانسياقِ وراء الجدال وهو الذي يخلَّطُ فيه على النفس كثيراً أن المقصودَ منه إحقاقُ الحق وإعلاءُ كلمة الحق.. وما إلى ذلك والانتصار للحق، فينطلقُ الناس على هذا الوهمِ في إثارة الجدال وإشاعته، وقد جُعِلَت تلك علامةً للضلال بعد الهُدى في قول رسول الله ( ما ضلَّ قومٌ بعد هدىً كانوا عليه إلا أوتوا الجدل )

ومِن هنا جاء النهيُ الصريحُ في آياتٍ من القرآن عن الجدالِ إلا بالتي هي أحسن، فلنَعلم معنى التي هي أحسن، ولننطلق على أساسِها، ولتكُن وجهتُنا شغلاً بما شغلَنا اللهُ به في حضورٍ مع الله لا يُلهينا عنه دعوى الانتصار للحقِّ على غير الوجه المرضيِّ للحق جل جلاله.

فبذلك يكثرُ شغلُنا بما أحبَّ الحقُّ منا الإشتغالَ به مِن تصفيةٍ للبواطن، وتأديةٍ للأمائن، مِن تدبُّرٍ في التلاوة، ومحافظةٍ على الأذكار مع الحرص على حضور القلب، ومِن كثرة تضرعٍ وابتهالٍ إلى الله، ومِن أعظم الحكم والمقصود في بروز الشدائد والآفات (  فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ) وعابَ الله عليهم أن يَبعدُوا عن التضرُّع وينساقُوا مع قسوةِ القلوب 

( وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ). كذلك الشغل بغير ما شغلهم الله به زُيَّنَ لهم من قبل الشيطان فاشتغلوا.

 فليكن لنا أدبٌ مع الله تبارك وتعالى في أن نُرَكِّزَ على الإشتغالِ بما أحبَّ منا الحقُّ الاشتغالَ به مِن مِثل ما ذكرنا، ومِن مثل بِرٍّ للآباء والأمهات، وصلةٍ للأرحام، وتربيةٍ للبنين والبنات، وإحسانٍ إلى الجيران، وإغاثةٍ للملهوف، وازديادٍ مِن علمِ الشريعة المطهرة، واستخدام جميعِ الإمكانات والعلوم بنُور هذه الشريعة وعلمِها في ما يُرضي الحقَّ تبارك وتعالى، وهو ما يكون أنفعَ لعبادِه ظاهراً وباطنا، فلتكُن لنا وجهةٌ وهمَّةٌ وقوةُ رابطةٍ بإلـٰهنا ونبيِّنا، لا يشاركُهم فيها مختلفُ أربابِ الدعوات مِن الإنسِ والجنِّ إلى مختلف الإتجاهات والصفات والمعاملات.

جعل اللهُ لنا نوراً في هذا الشهر الكريم تقوى صلتُنا به بصاحبِ الذكرى العظيم، ونرثُ النصيبَ مِن خُلقهِ العظيم ومنهاجِه القويم، وَنُكرَم بالثباتِ على صراطه المستقيم. نظر اللهُ إلينا وإليكم وإلى الأمة، ولنتذكر أنَّ بعدَ كلِّ شدةٍ رخاء، وإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسرا، ولنأخذ وصيةَ صاحب الذكرى ( واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرجَ مع الكرب، وأن مع العسر يسرا )  فلا يستفز إخوانَنا في مختلف الجهات تحدياتُ وتعدِّيات بعض فئاتِ الكفر على نسائهم أو على رجالهم، وليُظهروا حقائقَ الصبرِ والثباتِ والاستقامة ومعاملةِ الإساءة بالإحسان، وكل إناءٍ بالذي فيه ينضح، ويفتح اللهُ أبوابَ جوده فهو أكرم مَن فتح، ونسأله لكل صدرٍ منا ومِن أحبابنا أن يُنوِّرَ ويشرح..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.