كلمة شهر ذي القعـدة 1436هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الحيِّ القيومِ الواحدِ الصَّمد، وصلى اللهُ وسلَّمَ على السيدِ المعصوم، الهادي إلى منهجِ الرَّشَد، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وأهل محبَّته وقُربِه، وآبائه وإخوانه من النبيين والمرسلين وآلهم وأصحابهم وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد:

فإلى إخواننا وأحبابنا في الله تبارك وتعالى، نوجّه كلمةَ شهر ذي القعدة للعام السادس والثلاثين والأربعمائة والألف من هجرة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فنقول:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إنَّ ما يدورُ في حياتنا، ويجري مِن حوالَينا يُذكِّرنا بواجبٍ عظيمٍ، وهو الإسهامُ في طلبِ الصلاحِ للحال، وتقويمِ الخُطى، وكشفِ البلاء، وجمعِ الشَّمل بعد الشتات، ودفعِ الفِتَن والمِحن.. والإسهامُ في كلِّ ذلك إنما يكونُ بما جعله مَلكُ الممالك سبباً له، وليس ذلك إلا حقائق الاستغفار وحقائق الدعاء بالذِّلة والانكسار، وحقائق التفقُّد لذوي الحاجة والاضطرار.

 فينبغي ونحن في هذه الأشهر الحُرُم، وأشهرِ الحجِّ الأكرم، أن نُحسِن العملَ على القيامِ بهذه الأسباب، لنُسهمَ في كشفِ الشدائد، ودفعِ البلايا وصلاحِ أحوالنا والمسلمين، ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا).

 وإنما نريدُ بالاستغفارِ مع الكَثرة منه حقيقتَه وجوهرَه، وذلك بتصوُّر معنى طلبِ الغفران مِن الحقِّ بإقلاعِنا الصادقِ عن الذنوب القلبيةِ وذنوبِ الجوارح، وطلبِنا مِن الله تثبيتنا على ذلك، وإمدادنا والأمة بالتوفيق، للسلوك في شريفِ تلك المسالك، كلُّ هذا العزم والتفقُّد مقرونٌ باللَّهجِ للحق تعالى في طلبِ المغفرة، باستغفارِه سبحانه وتعالى، مُقتدين بخير خلقِه وأكرمِهم وأطهرِهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم..

 فلنُحيِي كثرةَ الاستغفار، آناءَ الليل وأطرافَ النهار، وخصوصاً في الأسحار، وقبل الغروب، وقبل الطلوع للشمس، وعقب الصلوات الخمس، وكلما تيسَّر لنا مِن بقية الأوقات، فلنجعل نصيبَنا مِن الاستغفار المُقترِن بالمعاني الكبار التي ذكرناها، مِن صدقِ إقلاعٍ عن الذنوب، وعزمٍ صادقٍ أن لا نعودَ لشيءٍ منها، سواءً كانت ذنوبَ جوارح أو ذنوبَ قلوب، واستمداد الحق أن يُعينَنا على القيام بذلك، ويديمَ لنا التوفيق، ويمدَّ بالتوفيق لسائر الأمّة، بهذه المعاني منكسرين نقيم قائمةَ سببيةٍ كبيرة، سببية الاستغفار، وقد جاء في الحديث (مَن لزم الاستغفارَ جعل اللهُ له من كل همٍّ فرجا، ومِن كل ضيقٍ مخرجا)، وقال أيضاً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ( طوبى لمن وجدَ في صحيفته استغفاراً كثيرا).

 ولقد يُروى عن جماعة من سلف الأمة، رجاؤهم الحق تبارك وتعالى في مَن يستغفر اللهَ سبعاً وعشرين مرةً في قوله "أستغفر اللهَ الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الحي القيوم الذي لا يموت وأتوب إليه، ربِّ اغفر لي"، أن لا يريه الحقُّ الذي يستغفره مكروهاً في نفسه ولا في أهل بيته ولا في أهل بلده.

 وقد جاءنا في رواية الطبراني: من استغفر الله للمؤمنين والمؤمنات سبعاً وعشرين مرة كل يوم، كان ممن يُستجاب لهم. إلى غير ذلك مما ورد في فضلِ الاستغفار.

ثم لِنُقم حقيقةَ الدعاء والتضرع، وكثرة الدعاء والتضرع، ولنعلِّمه أهالينا، ولنعلِّمه أولادَنا وناشئَتنا أن يدعوا اللهَ بصلاحِ أحوال المسلمين، وجمعِ شملِهم بعد الشتات، وإبعاد الفِتن والمِحن عنهم، وتخليصهم من الآفات الواقعة فيهم، قال ربنا تعالى (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ) وقال تعالى (فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، وقال سبحانه وتعالى (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)، وقال تعالى (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ).

 وقال نبيه المصطفى محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ( ولا يردُّ القضاءَ إلا الدعاء، وإن البلاء لينزل من السماء فيتلقاه الدعاء فيتعالجان إلى يوم القيامة)، وقد كان يقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إني لا أحمل همَّ الإجابة ولكن أحمل همّ الدعاء" وذلك معنى قول بعضهم "مَن أُلهِم الدعاء لم يُحرمِ الإجابة"، أي أُعطي حقيقةَ الدعاء، وحقيقتُه انكسار وخضوع وتذلل للمولى..

فدعائي وابتهالي شاهدٌ لي بافتقاري ** فلهذا السرِّ أدعو في يساري وعساري

وفي إعلاننا الاعتمادُ عليه وحده، وثقتُنا به، وإعلاننا أننا نشهد أنه لا يغيِّر شيئاً في الوجود غيرُه، ولا يتغير شيءٌ في كونه تعالى إلا بأمرِه جل جلاله، في إعلاننا التحرُّر مِن أن نشهد الأمرَ لغيره، أو أن نشهدَ القوةَ لغيره، في إعلاننا عن التبري مِن كل ذلك، والاحتراز عن كل ذلك وندعوه وحده، ونتضرع إليه ونبتهل إليه، فنضاعف دعواتِنا لله، وخصوصاً في سجداتنا، وبعد الصلوات، وفي جوف الليل، وفي ما قبل المغرب، وما بين المغرب والعشاء، وما قبل الفجر، وما بين الفجر وطلوع الشمس، وفي وقت الضحى.. فليكن لنا في مثل تلك الأوقات وكلما تيسر لنا دعاء وتضرّع وابتهال إلى الله تبارك وتعالى، في تفريجِ كروبِ المسلمين وجمعِ شملِهم، وقبول الوافدين منهم للحج والعمرة وزيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأن يُشركَنا في خيراتهم.

إننا بقيامِ سببيةِ الاستغفار وسببية الدعاء، ونضيف إليهما سببية التفقُّد للمحتاجين، وإطعام الجائعين، وإيواء المشَرَّدين، وقضاء حاجة المحتاجين، إننا نقيم سببيةً متكاملةً يُرجى بها أن يستجيبَ المسبِّب الذي بيده الأمر، فيكشف الضر، (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ)، مُشيراً في الآية إلى أن أهلَ الاضطرار إليه، جل جلاله هم الذين يستخلفُهم في الأرض، هم الذين يمدُّ لهم بساط التمكين وبساط حفظ الآثار وبقاء آثارهم وامتدادها في الأمة، ( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ) إذا اضطررتُم إليه (خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ).

 فلنتعلمِ الاضطرارَ إلى الله، ونتشبَّه بالمضطرين، ولنتفقَّد حوائجَ المساكين، فإن اللهَ في عونِ العبدِ ما دام العبدُ في عونِ أخيه، وإن اللُّقم تدفعُ النِّقم، كما يقول الصالحون. وإن اللهَ تبارك وتعالى يدفع البلايا بالصدقات، وإن البلاءَ لا يتخطى الصدقة. كما قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإنه برحمتِنا لعباد الله يرحمنا الرحمنُ المعبودُ ربُّنا وربهم سبحانه.

 فلنُقم هذه السببياتِ في هذه الثلاثة الأشياء: استغفارٌ وكثرةُ دعاء، وانفاق وبذل وعطاء، به نسترحم الرحمن، ونستنقذه شان الأمة ووضعها، وتحويلها إلى أحسن الأحوال..

 أخذ اللهُ بأيدينا وأيديكم ووفَّر حظَّنا وإياكم.. والحمد لله رب العالمين.