كلمة شهر رجب 1436هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي خصَّ المصطفى بالآيات الكبرى، وجعله سيدَ أهل الدنيا والأخرى، صلِّ اللهم وسلِّم وبارِك على سيدنا محمدٍ مَن رفعتَ له قدرا وذكرا، وشرحت له صدرا، وجعلته صاحبَ الكمال الإنساني، والشرفَ الأعظم المخصوص بأعظم العطاء الرباني، وعلى آله الكرام والأصحاب، ومن سار في ذلك المسار إلى يوم المآب، وعلينا معهم وفيهم يا كريم يا وهاب.

أما بعد : فإلى إخواننا من أهل الإسلام والإيمان

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

وفي كلمة هذا الشهر المبارك، شهر رجب الأصب للعام السادس والثلاثين بعد الأربعمائة والألف من هجرة المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.. حيث يحتفل المسلمون بذكرى الإسراء والمعراجِ لسيدنا النبي المصطفى محمدٍ عبدِ اللهِ ورسوله أكرمِ خلقهِ عليه، وأعلاهم منزلةً وقدراً لديه، بارك الله في احتفائهم واحتفالهم، وجعله مرقىً لهم لحقائقِ الاتصالِ بصاحبِ الإسراء والمعراج، الذي ترتقي أحوالُ المتصلين به، رُقيَّا عظيماً نستشفُّهُ من هذا الارتقاء الحسّي والمعنوي الكبير لإمامِنَا وهَادِينا ومُرشِدِنَا ونبينا وداعينا ومعلمنا مَن به شُرِّفنا وكنّا خير أُمَّة، ذَاكُم سيدنا المصطفى محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )).

  وقال تبارك وتعالى: ((عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى *عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى  مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ))

        أنتم أمام هذه الحقائق التي يحدثُكم عنها الخالق، لا يُقارِبُها شيئٌ مما يشتغل الناسُ به في المغاربِ ولا في المشارق. فليكن لكم مرقى عظيم، باتصالكم بصاحب الإسراء والمعراج، في مقاصدكم ونياتكم، وفي أفعالكم، من نظراتكم وكلماتكم، وحركاتكم، وسكناتكم، لتكونوا من الخلفاء عن الله في أرضه؛ وهم المُطبِّقونَ لشريعتهِ والحارِسُونَ لها والمُبلِّغونَ لها.

        ولقد شاهد النبيُّ صلى الله عليه وسلم مشاهد، وفُرِضَت عليه الصلواتُ الخَمْسُ في تلكَ الليلة. وليكن مِن مَرْقَانَا أن يرتفعَ مستوانا في شأن أداءِ الصلوات:

 فمَن كان مُحافظاً عليها وحريصاً على الجماعةِ فيها ويأخذُ معها من النوافلِ نصيباً فليَزْدَدْ حضوراً وجمعاً على اللهِ في صلواتهِ ليُدرك سِرَّها.

 ومن لا نصيبَ لهُ من النوافلِ والرواتبِ وخصوصاً الوتر والضحى فليجعل له نصيباً من الوتر والضحى.

 ومن كان يُصلي أحياناً بغيرِ جماعة في شيءٍ من الصلواتِ الخمس فليكن له عَزمٌ في هذا الشهر أن لا يصلي إلا جماعةً طولَ عُمرِه.

 ومن كان يُقصِّر في شيءٍ من تلك الصلوات فليعزم على قضاءِ ما فاتَ والمحافظة على ما بقي.

 ومن كان له في أُسرتهِ واحدٌ من أهلِ هذهِ المراتب التي ذكرنا فليرفعهُ إلى المرتبة التي فوقها.

 ومن يعرف من الأصدقاءِ أو الأصحابِ والجيران من يُهملُ الصلاة فليعزم بصدقٍ أن يكون سبباً لإقامتهم للصلاةِ؛ وهذا مرقى من مراقِي المعراج.

ثم أطلبوا صِدقَ الحديثِ فيما تقولون، ولتتعلق قلوبُكم بعظمةِ الحقِّ جَلَّ جَلالُه، وبما جاءَ عنه وعن رسوله، وليَقِلَّ استماعُكُم لما يَشْغلُكُم به أربابُ البرامج التي لا تُثْمِرُ حقائقَ نفعٍ في الدنيا ولا في الآخرة.

واعلموا أنَّ مرجعَنا إلى الله، وأن عُدَّتَنا نيَّاتُنَا وأعمالُنا في هذه الحياة؛ فلا تبخلوا على أنفسكم في صالحِ النِّيَّات وطيبِ الأعمال.

     ولتتوجهوا إلى الله في صلاحِ أحوالِ المسلمين في العالم كله، وخصوصا بُلدانكم، والشام واليمن، والحرمين الشريفين، وبقية جهات الأرض طُولِها والعرض.

        فإن ربَّ الأرضِ يُحب ممن آمنَ بِهِ من أهلِ الأرض أن يهتم بشأنِ أهلِ الأرض، وإيصال الخير إليهم.

 وصلى الله على صاحبِ الإسراء والمعراج المرسولِ إلى جميعِ أهلِ الأرض والمبعوثِ رحمةً للعالمين، ورزقنا وإياكم نُصرته وحسن متابعته ظاهراً وباطناً.

 والحمد لله رب العالمين.