كلمة شهر ربيع أول 1436هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..
وبعد ، فإلى إخواننا وأحبابنا في الله .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نرفع إليكم كلمة شهر ربيع الأول لعام 1436هـ ، وهي كلمتنا ليلة ذكرى المولد النبوي الشريف 12 ربيع أول 1436هـ في دار المصطفى بتريم:

الحمد لله رب العالمين..  

ولا تزال مِنحُ الحق سبحانه وتعالى في مزايا يعطيها على مدى الأيام والليال، في توال لأهل الإقبال، المسعودين بصدق الوجهة إليه سبحانه وتعالى في مختلف الأحوال، لأن اللهَ جعل هذا العالم بما فيه مجلى تجلياته العلية الربانية.

على ذا مننتَ ** وهذا خذلتَ

وهذا أعنتَ ** وذا لم تُعِن

والخير في هذه الأمة موفور، وحظُّها منه كبير بفضل الله سبحانه وتعالى في مختلف الأحوال وفي مختلف الأزمنة ، وفي مختلف العصور.. فأهلُ الفوز في فوزِهم .. وأهل القُرب في قُربِهم.. وأهل التلقِّي في تلقِّيهم .. وأهل الغفلة في غفلتهم..  وأهل البُعد في بُعدهم .. وأهل الطرد في طردِهم 

اِعتـَبر " نحَـن قَسَمنـَا بَيَنَهُـم" ** تَلقَـهُ حَقّاً وَبـِالحْـقِ نَـزْلْ

قال تعالى: ( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا )

إذا جاءتنا مثل ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذنا نصيبَنا مما يوجِب البشرى، والفوز في الدنيا وفي الأخرى، لا يقطعنا عن ذلك حالٌ من الأحوال، ولا مجرى أقضية من الأقضية.

والأقدار تجري في الخلائق بإرادة من الإله سبحانه وتعالى تحت حِكمة حكيم، وإرادة قادر عليم جل جلاله وتعالى في علاه. فعلى العاقل أن يغنمَ في خلال هذا العمر الذي آتاه الله تجلياتِ الرب سبحانه وتعالى بالإفضال، وبالنوال، وبالإحسان، وبالامتنان، وبالتقريب، وبالمواهب الواسعة، وهي موجودة في الأزمنة والأمكنة، كلُّها لمَن أقبل ولمَن توجَّه، وتوفَّر حظُّ الأمة. فالأمة من حين بُعِثَ النبي إلى آخر الزمان، أسرارُ الإصطفاء من الأمم فيها قائمة ودائمة وباقية، وأسرار تميُّزهم بأنواع التميُّزات عن الأمم قائمة، وأهل الإيمان فيهم وارتقاؤهم في المراقي قائم، وأهل النفاق فيهم قائم نفاقهم؛ وأهل الكفر وأهل العناد وأهل الضلال قائم من أيامه عليه الصلاة والسلام خير القرون إلى ما بعد .. إلى ما بعد .. فالمظاهر كلها قائمة بأمر الحي القيوم جل جلاله وتعالى في علاه.. 

فاختر لنفسك .. أي الفريق تختار؟ أي الدار تختار؟ أي المسلك تختار؟ 

( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ )

واستباقُ الخيرات بأن تواجهَ مثلَ هذه الذكرى بصدقٍ مع الحق سبحانه وتعالى وبصفاء باطن، تنوي به حُسنَ أداء الأمائن التي ائتمنك الله عليها.. 

مظاهر هذه الأمائن أعضاؤك التي مكَّنك منها ، وملَّككَ إياها، وأعطاك إياها سبحانه وتعالى 

ملَّككَ الانتفاع بها ، وملَّككَ التصرف فيها ، فإن أحسنتَ أحسنتَ لنفسك، وإن أسأتَ فلها ..

والأعضاء سياج لمعنى الأمائن كلها، لأنها نموذج أو ترجمة عن باطنها وهو القلب والروح ، ومؤثِّرة كذلك ومتفاعلة مع خارجها بعد ذلك من شؤون الكون والوجود وما هو فيه.. فالجوارح.. الجوارح.

وإذا جاءت مثل هذه الذكرى وتحركَت منك الهمةُ لضبطِ هذه الأعضاء في الألفاظ، في النظرات واللحظات، وفي المسموعات، وفي الكلمات، وفيما تلمس، وفيما تخطو إليه رجلاك، وتمشي إليه قدماك، وفيما تتناوله بيدك ، وفيما تُدخِله إلى بطنك، وفي كل ما تتصرف به في جوارحك هذه..

  فإذا اتسع لك المجال قم بتزيين ذلك.. والزينة هي زينة النبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، لأن الله سبحانه وتعالى ما خلق أزينَ منه في كل شأن..

هل رأيتَ مثل مولده مولداً !؟

هل رأيتَ مثل نشأته نشأةً !؟

هل رأيتَ مثل بعثته بعثةً !؟

خصوصيات ومزايا من كل جانب، من الكريم الواهب، لهذا الحبيب سيد الأطايب صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم 

فالزينة لنا سنَّتُه، كل ما تزينتَ بسنّة من السنن فهذا حقيقةُ الزينة ، زينة الأبد ، زينة البقاء ، زينة الدوام ، زينة الخُلد ، زينة الحق بميزان الحق عند الحق، هذه الزينة التي يتزين بها الخلق.. 

أنت في ماضي عمرك مُضيِّع لكثير من السنن، وبعضها أحياناً تقوم بها وأحياناً تقعد عنها!! حرِّك لك نيةً جديدةً في مثل هذه الذكرى، تقوم فيك سُنَّة مِن سننه، وخصوصاً السنن القلبية ، والسنن التي يتعدى خيرُها إلى لآخرين، قم لك بنصيب منها، فتنال البشرى.

واعرف هذا المركز العظيم مركز الأعضاء هذه ، مركز أعضائك إذا قام مملكة كبيرة، وهو المترجم عن كل ما في باطنك، وما في قلبِك، وهو المتعامل المتأثِّر والمؤثِّر على العالم الخارجي من حواليك ، من خلال هذه الأعضاء ، وكيفية تصريفها ، وكيفية زمَّها بأي زِمام ، وإذا انتظمت وتزيَّنَت بالتبعية لأزين الخلق، فنِعْمَ الزين أنت إذن.

حبيبي الزين اللي منه تزين الزِّيان ** يذكره قلبي ويتبع ذكرَ قلبي اللسان

مَن وقرت المحبةُ في قلبه لا يقدر على ترك المدح .. لا يقدر على ترك الثناء .. لا يقدر على ترك الذكر .. كيف يقدر والمحبة موجودة !؟

مثل واحد يقول لك: اشرب هذا ماء وممنوع تروى !!

ربي خلق الرَّي مع تناول الماء ، وأنت كيف ستفصلُه!! لا تقدر على فصله ، هذه سنة من سنن الله تبارك وتعالى جعلها في الحياة ، وهكذا خلق مع هذه المحبة الثناء والتعلق والذكر والمدح، سنة مطَّرَدَة جعلها الله تبارك وتعالى في الوجود. 

وفي الذكرى هذه أحوال أمته بكل الذي ذكرنا فيها ، فيهم، وفيهم، وفيهم..   

وفيهم من سيُحشر مع السابقين الأولين ، ومع أهل الصفوف الأولى، في الموجودين في هذا الوقت وفي هذا الزمان من أمته عليه الصلاة والسلام..

وفيهم مَن يُطرد عن الحوض، وفيهم من لا يرى وجهَه في القيامة ،، والعياذ بالله وفيهم، وفيهم.. 

هذا حكمة الحكيم في تدبير هذه الشؤون..

 لكن.. اغنَم أنتَ ما أعطاك الله ، ما آتاك الله ، ما يسَّر الله لك ، ولا يعكِّر صفوَك شيءٌ من شؤون هذا الوجود ، ففوق الوجود موجِد موجود يدبِّرُه سبحانه وتعالى بمقتضى علمِه الغير محدود ( وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ) .. فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وابحث لك عن مكان في حقيقة السجود الذي هو من أعظم الزينات ، وأعظم السنن ، وأعظم الفرائض ،، هذا السجود.. فرض وسنة..

والسجود في مختلف أحواله كلما ارتقى الإنسان مرقى فما فوق هذا المرقى سنة، وما تحت هذا المرقى وفيه فرض عليه، واطلع ، فالسجود فرض وسنة دائم لمن عرف ، مثل ما نفرق بين الصلوات الخمس والنوافل ، فحقيقة سجود القلب فرض وسنة دائم ، دائم وهو فرض ، ودائم وهو سنة ..

في الحالة التي وصل إليها صاحب القلب من سر الأدب مع الله وانكشاف جلال الله وعظمته فرض عليه يقوم بحقها ، ما له عذر منها ، وما فوق ذلك يتشوَّف إليه سنة له ، ويطلع ، وكل ما طلع يصير ذاك السنة عليه فرض.. وهكذا ..

ولهذا قال سيدنا لربيعة عليه رضوان الله : " فأعني على نفسك بكثرة السجود " 

وفي تاريخ هذه الأمة، في كل بلد من البلاد ، يجدون في تاريخها من آثار الأخيار كثير منهم يقومون من السجود والأرض تحتهم مبتلة بالدموع ، هذا موجود في تاريخ اليمن ، موجود في  تاريخ الشام ، موجود في تاريخ مصر ، موجود في تواريخ الأمة.. لكن الأمة ما عرفت نفسها وتاريخها!!

سلطوا عليهم أبواقاً نزَّلوا بهم إلى تحت، فما دروا بأنفسهم، ولا دروا بفضل الله لهم ، وجود الله عليهم ، وما به السبق.

 نسأل الله يحيي فينا سنن هذا النبي، وأن يبارك في هذه الذكرى لصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وأن يفتح أبواب الفرج ويرفع الضيق والحرج، ويكشف الكرب عن أمة الحبيب صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ويجمع شملهم ويؤلِّف ذات بينهم .. يا رب وفِّر حظّنا من هذا الحبيب ، قرِّبنا مع أهل التقريب، وارزقنا كثرةَ الصلاة والسلام عليه بامتثال واقتداء واهتداء وتعظيم ومحبة وشوق، واجعلنا بذلك نرقى إلى فوق، مع خواص أهل ذلك الذوق، وأنت عنا راضٍ .. يا وليَّ كلِّ نعمة ويا مُسدي كل منّة ، ويا دافع الأذايا والبلايا أنظر إلى الأمة أجمع نظرة تزيل العنا عنا ، وتدني المنى منا ، وكل الهنا نعطاه في كل حين.

واجعل رابطتنا بحبيبك تقوى في كل لمحة وفي كل لحظة وفي كل خطرة وفي كل نفس أبداً سرمداً دائماً برحمتك يا أرحم الراحمين.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.