كلمة شهر ربيع الثاني 1435هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أكرمَنا بالدين القويم، والشرع العظيم، والصراط المستقيم، وصاحب الخلق العظيم سراج الله المنير، وقمر الهدى المستنير، البشير النذير، سيدنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن بهديه يسير، إلى يوم المصير، وعلينا معهم وفيهم يا عليم يا خبير..

أما بعد: فإلى إخواننا أهل الإسلام والإيمان..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وهذه كلمة شهر ربيع الثاني من عام 1435هـ من هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

إننا وعباد الله على ظهر هذه الأرض عرضةٌ فيما نقول ونفعل ونختار لأنفسنا من مسالك لمختلف التبعيات، فهناك دواعي من الأنفس، ودواعي من الأهواء، ودواعي من شياطين الإنس وشياطين الجن، ودواعي من الدنيا الغرَّارة التي نصبها الله تعالى اختباراَ وابتلاء لعباده.

 وكل هذه الدواعي تدعو المكلفين لأن ينقادوا لها، وكثيرٌ من الناس يرون بأفكارهم وعقولهم ومداركهم أنهم أهل الحق في التشريع وفي التحليل والتحريم وفي دعوة الناس إلى مسالك معينة. فتجدهم لذلك يحررون خِططاً وأفكاراَ وتشريعات ويرغِّبون في أشياء ويحذرون من أشياء، ويغتر بكلٍّ منهم عددٌ من هؤلاء البشر، وعدد من هؤلاء المكلفين.

 والمستجيبون لهذه الدواعي كلهم منحطُّون منحرفون عن الصراط المستقيم. فإن الله الذي خلقنا جل جلاله بعلمِه الذي هو بكل شيء محيط، وبألوهيته وربوبيته وقدرته البالغة قد شرع وبيَّن وهدى وأرشد وأرسل لنا الرسلَ لينذروا ويبشروا، وقد ختمهم بسيدنا وسندنا وقائدنا وهادينا ودليلنا ونور قلوبنا حبيب ربنا وصفوته من بريته محمد بن عبد الله، ختم به الأنبياء وبيَّن به الطريق ووضح به السبيل.

اليوم تنازعُ القوى المختلفة على هذه الآداب النبوية المحمدية، آداب بلَّغها سيدنا عن مولانا وخالقنا، دعانا لأن نهتديَ بها ونتقيَّد بها ونمضي عليها، واليوم تُنازعنا على التخلُّق بها والقيام بها دواع أُخر حتى تحُول بيننا وبين التحقق بالقيام في شأنها فتُخرِجنا عن الاستمساك بهذا المسلك القويم والمشي على هذا الصراط المستقيم..

 فكيف نرضى أن نستبدلَ الذي هو أدنى بالذي هو خير!؟ كيف نرضى لأنفسنا أو لأهلنا أو لأولادنا أن نبيع جواهر الإرشادات الربانية المحمدية مقابل ضلالات بشرية إغوائية سُفلية جاءت من قومٍ لا خلاقَ لهم أو من نفوس أمَّارة تضيِّع علينا هذه الآداب والاعتناء بشأنها والتطبيق لها والقيام بحقها في هذه الحياة.

 وهي من ضمن منهج الله الذي اختاره ورضيَه لعباده، لا يصلُحون إلا به ولا تستقيم حياتهم إلا به. فيجب أن نتربى ونربي كلَّ من له صلة ومن لنا عليهم مسؤولية من أهل وأولاد وأصحاب على هذه الآداب، على هذه الأخلاق، وأن نحيِيَها فيما بيننا، فهي حصون لنا من شرور دواعي السُّفل ودواعي الانحراف ودواعي المَيل عن سواء السبيل التي يقع فيها كثيرٌ من المسلمين؛ ويستنكر على عامة المسلمين لو دعوا إلى الكفر بصراحة وإلى التكذيب بما جاء من الله ورسوله،  وإنما تُرتَّب لهم خطوات عنها قال الله في قرآنه: (( لا تتبعُوا خطواتِ الشيطان)) خطوة بعد الثانية: أي بالتدريج والمشي في الأمور شيئا فشيئا.

ومن هنا قالوا عن المعاصي: إنها بريد الكفر. ومن هذا المعنى والإدراك لمسلكِ الإنسان بأنه مرتبط بعضه ببعض إذا تهاون بصغير بعدها تهاون بكبير. قال قائلهم: "من استهان بالآداب حرم السنن ومن استهان بالسنن حرم أداء الفرائض، ومن استهان بالفرائض أوشك أن يقع في الكفر"والعياذ بالله. وقالوا أيضا: من استهان بالسنة عوقب بالحرمان من الفرائض، ومن استهان بالفرائض نُزع من قلبه الإيمان.

 فالأمور مترابطة ولن تجدوا واحداً من أصحاب نبينا آمنَ به واتبعه إلا وتمكَّن وتغلغل تعظيمُ الله ورسوله في قلبه، فكان لا يتهاون بشيء من السنن ولا من الآداب عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، وكذلك مضى الصالحون بعدهم.

نسأل الله أن ينوِّر قلوبَنا ويزكِّيَ عقولَنا حتى نفقهَ الحقائق في مسارنا في هذه الحياة، فلا تخدعنا المضلات، ولا زخارف الأقوال من أرباب الغفلات, وأن يثبِّتنا أتمَّ الثبات، وأن يحييَ حقائق الإيمان في قلوبنا، ويحيِيَ السنن في ديارنا ومنازلنا وأنحاء حياتنا، وبذلك يدفع الآفات والبلايا عنا، ويجدِّد فينا حقائق الصلة به وبرسوله، فنمسي ونصبح ونحيا ونموت والله ورسوله أحبُّ إلينا مما سواهما.

 وبالله التوفيق.