لقاء صحيفة 26 سبتمبر

مقدمة اللقاء

عندما تهيأت لإجراء حوار صحفي معه ظننت أنني سألتقي مع شيخ في الخمسينات من عمره على الأقل، فقد سمعت كثيراً عن شهرة الشيخ عمر بن حفيظ مدير دار المصطفى في تريم بحضرموت، ووصفه الحبيب على الجفري بأنه أستاذه ومعلمه في أكثر من مقابلة. وقد دهشت من طلاقة الرجل وحسن بيانه وسرعة بديهته وتحدثه بالفصحى من غير تكلف، من خلال حديث الشيخ عمر بن حفيظ وابتسامته الهادئة وتواضعه الجم يمكن أن تأخذ صورة واضحة عن فكره ورؤيته للأحداث والقضايا الإسلامية. انتهزنا فرصة وجوده في صنعاء وحاورناه حول كثير من القضايا ذات الصلة بهموم الأمة الإسلامية والتطرف والإرهاب ودار المصطفى والحبيب علي الظاهرة البارزة في عالم الدعاة، وهنا نص الحوار.    أنتم أحد أعضاء اللجنة التي شكلها الأخ الرئيس للحوار مع الشباب العائدين من أفغانستان ولديهم إشكاليات في فهم الدين.. ما هي رؤيتكم لعمل هذه اللجنة؟ وما هي الأسس التي ستعمل وفقا لها؟ الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وآله ومن اهتدى بهداه، نقص الفهم في حقائق الدين وعدم الفقه والعلم بالكثير من الأسس والأحكام الشرعية جلب على الأمة كثيراً من الأضرار والمشاكل سواء من خلال ابتعاد الإنسان عن منهج دينه أو من خلال إقباله عليه من غير الوجه السليم. من أجل ذلك كانت المبادرة من فخامة الأخ الرئيس طيبة ومنبئة عن ضمير يشعر بالواجب والحرص على الوطن والشعب، وطرق الأشياء من أبوابها من خلال إعادة تقييم ما يلتبس فيه الفهم من خلال العلماء. تم اجتماع لعدد من علماء اليمن ورتبوا في الجمعية الأحد الماضي واتفقوا على دعوة بقية العلماء لأن القضية بحاجة إلى أن يصدر بها قول واحد مجمع عليه. وهذه مراحل نرجو أن تؤدي ثمارها وأثرها ويصبح الأمر بعد ذلك «إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء» لكن اتخاذ الوسائل واجب على الدولة وعلى العلماء وعلى كل قادر أن يبذل الوسيلة في تقريب الناس وتوضيح الحقيقة لهم وإبعادهم عما يجلب الأضرار عليهم وعلى إخوانهم أهل الإسلام في وطنهم وحيثما كانوا. فهذا سبيل من بذل المستطاع والواجب ونأمل أن ينتفع به الناس.

ما هي برأيكم مشكلة هؤلاء الشباب؟  

أرى أن مرجعها أخذ الدين على غير بصيرة، وتصور الأحكام بصورة منقطعة عن السند بمعنى أخذ العلم عن غير أهله. في صحيح مسلم يقول ابن سيرين.. «إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم» ويقول ابن المبارك:«الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء» فبضياع الإسناد نجد التصورات الخاطئة عن نور الشريعة وأحكامها، وبسبب ذلك تطرأ أمور ومع وجود هذه الفجوة والثغرة دواعي النفس وأغراضها ومطامع الحياة كل ذلك يمكِّن هذه الثغرة من أن تدخل الإنسان فيصبح تدينه قائماً على أساس غير صحيح، ويمكن بذلك أن يخالف الدين من حيث يظن أنه يخدم الدين أو يمشي على أوامر الله سبحانه وتعالى. أرى أن من أقوى الأسباب هو انقطاع هؤلاء الشباب والناشئة عن منابع العلم الموصول بالسند. بعض الناس يريد أن يجعل فهمه في الكتاب والسنة هو الكتاب والسنة وليس فهماً فيهما، ولهذا يحدث عند الناس سوء النظر إلى بعضهم البعض مما يؤدي إلى التنازع والى التطاول أيضا على الغير وربما بالغ البعض في ذلك حتى وصلوا إلى استحلال دماء الناس وأعراضهم بضيق المفهوم. عند وجود أمثال هذه الجماعات يجب على المسلم الذي يريد الوصول إلى الحق تبارك وتعالى ألا يتخذ الإسلام مصدر معاداة ومنازعات لهذا وذاك من المسلمين، ولكن دين الله تبارك وتعالى مهما حرص الإنسان أن يأخذه على وجهه الصحيح فإن قاعدته تقوم على انطواء القلب والضمير على سعةٍ في النظر إلى الخلق وعلى رحمة وشفقة بالمؤمنين، فيزداد كل من اتبع المنهج الصحيح خضوعاً لله، وأدبا مع الله وخشية منه سبحانه وتعالى، يشعر أن قلبه يزداد استنارة وبصيرة ويجد الارتياح بذكر ربه سبحانه وتعالى وتبدأ صفات المؤمن بارزة فيه بقوة قال تعالى « وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً » فينبغي للمؤمن أن يرى أن كل جماعة يتصل بها، وكل منهج ينتهجه تضعف في نفسه هذه الصفات المحمودة ويجعل من قلبه غليانا على من حواليه من المسلمين ويضعف عنده معاني الخشية والأنس بذكر الله ومعاني الطمأنينة إلى هذا الذكر والذوق في حلاوة العبادة والتلاوة والمناجاة أن ينأى بنفسه عن مثل هذه، ونقول إن كثيراً من الجماعات تأخذ أوجها من أوجه الحق ولكن يختلط بها أوجه من الباطل فيختلط الأمر على الإنسان، مع أن الحق تبارك وتعالى قد جعل لنا طريقاً سهلاً لنرى أن كل علم يزيدنا خشية من الله فهو العلم النافع قال تعالى «إنما يخشى الله من عباده العلماء» فمن ازداد علماً ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا ، لأن هذا العلم على غير الأساس الصحيح. والحق تعالى لا يترك المؤمن الصادق في إرادة الحق في حرج أو حيرة ولكن يبين له الأمر فعليه أن يأخذ العلامات من الأوصاف التي أشرنا إليها وهي مذكورة في القرآن، ومن الجميل أن يكون منطوي الضمير على عذر للناس فيما لم يتصادم تصادماً واضحاً مع النصوص القاطعة ويطلب المعاذير للناس ويعلم أن لديهم أوجه حق وربما هناك اشتباه أو نقص أو بعد في النظر، سعة الصدر تحمله على ألا يملأ قلبه غيظاً وحينئذٍ يستطيع أن يتعايش مع المجتمع تعايشاً لائقاً.

البعض يوظف المساجد والمنابر الإسلامية لأغراض سياسية وتحقيق مأرب تتصل بالعمل الحزبي.. كيف ترون هذه المسألة؟  

نقول مهما كان المسلم في تعامله في شؤون الحياة يرى أن هناك خيراً أو مصلحة في أي شيء فعمله يجب أن يكون ذلك موضوعاً في موضعه ومحدوداً بإطاره، بمعنى أن لا  يتناول ذلك أماكن الإرشاد العام والكلام باسم الشريعة التي تحكم الأصناف هذه كلها، ويجب أن تكون مرجع الأطراف كلها، أن يحول المنبر ومحل التدريس والتعليم إلى تعبئة للناس على بعضهم البعض أو إلى الوصول إلى المآرب والأغراض سواء كانت سياسية أو مادية أو اجتماعية أو بأي معنى يخرج عن سمو القصد في الوعظ والإرشاد، سمو القصد في تعليم علم الشريعة، ويجب أن يفرق بين رأيه فيما يكون من شؤون الحياة أو التعامل فيها وبين النصوص التي تدعو إلى الصفات وتدعو إلى القيم والشمائل المرضية، فرق كبير بين النص الذي يأتي عن الله وعن رسوله فيدعو الخلق كل الخلق إلى صفة حميدة أو عمل شريف كالأوامر التي جاءت في العبادات فرضها ونفلها، وما جاء أيضا فيما يتعلق ببر الوالدين والإحسان إلى الجيران وصلة الأرحام والعطف على الفقراء والمساكين، هذه أوصاف عظمى، الدعوة إليها من صميم الشريعة ولكن اختلاط هذه بقضاء غرض في النفس يفسد قصد المدرس والواعظ ويخرج المساجد والمنابر وأماكن التعليم من سموها وعلوها وعظمتها إلى ميادين صراع وتنافس وقضاء أغراض ومآرب، فيجب أن تصان المساجد وأن يكون الحديث فيها قائماً على أساس يبعد الناس عن الإثارة واستغلال الأحوال والمواقف ويجعل المتكلم يتكلم بإخلاص قصده الدعوة إلى الله تعالى لا إلى حزب بعينه ولا إلى نظام بعينه أو طائفة بعينها، بل المساجد يجب أن تظل محل دعوة إلى الله تبارك وتعالى من خلال نشر الأوصاف الفاضلة وأن تكون مرجعاً للناس يستنيرون بها في أمر معاملاتهم مع الله فينفضون عنهم غبار الكدر الذي يعكر القلوب لا أن يجدوا وسط المسجد أيضا صراعاً منقولاً من الخارج إلى وسط المكان.

الدين الإسلامي هو دين الوسطية والاعتدال ولكن ربما تظهر هنا أوهناك أفكار متطرفة وفيها غلو في الفهم مما يسيء إلى الدين.. كيف يمكن معالجة هذا التطرف؟   

 بوجود التعاون من أولى العلم وأولى الأمر وأولى النفوذ في المجتمعات إذا أدركوا حاجتهم وحاجة الأمة إلى أن يرفعوا أنفسهم عن هوة الوقوع في التطرف والوقوع في التشدد والتحجر في النظر إلى مسلك الشريعة وإلى كيفية تطبيقها والقيام بها، إذا أدركوا هذا فبالتعاون على بيان الحقيقة وبيان نصوص وأصول الشريعة المطهرة التي حملها إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالتعاون والتكاتف على ذلك بالوسائل المختلفة ومنها الحوار والخطاب والتدريس والتعليم واللقاءات والبذل والعطاء والوسائل المختلفة يذهب أساس حدوث التطرف، فالتطرف أصاب الناس عند غياب التربية القويمة القائمة على الأثر الصحيح ثم عند إهمال أهل النفوذ في المجتمعات واجبهم فيما يتعلق بالحفاظ على مفاهيم دين الله تبارك وتعالى وأن يجنبوا من حواليهم الوقوع في ورطة التطرف والتعصب والتشدد الذي يشوه صورة الإسلام ويحدث تعباً كثيراً للناس في تعاملاتهم.

تقوم دعوتكم الدينية على المفهوم الصوفي ويواجَه أحيانا هذا المفهوم بانتقادات حادة من البعض ما رأيكم؟   

 إذا فهم معنى الصوفية بالحرص على تصفية القلوب وأخذ الصفات الصالحة النبوية والاقتداء فيها برسول الله كما فهمنا ذلك عن الأئمة الذين ينتسبون للتصوف ويسمون بالصوفية من القرون الأولى، وقرأنا في كتاب للإمام الكالابادي مؤلَّفًا من أكثر من ألف سنة وعنوانه التعرف لمذهب أهل التصوف.. ما وجدنا فيه إلا ما وجدنا في كتب الأئمة المنسوبين إلى التصوف ومن تحدث عنهم على مدى القرون بأنها الدعوة إلى الخلق الكريم وإلى تطبيق سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم حسب المستطاع والحرص على تصفية القلوب عن الأدران، إذا أخذنا التصوف بهذا المعنى فأهل الحرص من المسلمين على تصفية القلوب وحسن معاملة الرب سبحانه وتعالى كلهم يشتركون في هذا الوصف، لكن تطرح على العقول ويطرح على الأذهان أحيانا تصورات تكون بعيدة عن الواقع والحقيقة، ومنها ما يعلق بالتصوف كما يعلق بغيره من الإسلام على وجه العموم ومذاهب المسلمين بالتفريع. بعض العقليات تقول أن التصوف عبارة عن خنوع وتقاعس أو طبول ومزامير أو عبارة عن خزعبلات وخرافات أو ابتداع في الدين وما إلى ذلك ، كل هذا أمر مرفوض وبعيد ولا يصح أن ينسب إليه الأئمة الذين وسموا بالتصوف عبر القرون وهم المحدثون والفقهاء والأصوليون في الشريعة المطهرة وأهل التفسير والحديث والفقه، الكل منهم ينسب إلى التصوف حتى رواية كتب السنة الموجودة عندنا لابد أن تمر في سندها وسندنا إلى مؤلفيها، فلا نعرف عن هذه الكلمة معنى إلا مجرد الحرص على تصفية القلوب وإقامة الأمر على حسن الإتباع للمصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، وبهذا المعنى نعم وأنعم بهذه الكلمة، ولكننا لا نجعل الكلمة حاجزأ وحاجبًا بيننا وبين من يريد أن يعرف الحقيقة، وندعو ألا يستثار سريعاً بمجرد أن يسمع الكلمة كما تحصل الحساسية عند كثير من الناس لمجرد سماعهم لبعض الكلمات، انظر إلى المضمون وإن لم تعجبك الكلمة فسمه إحسانا أو فقه باطن، سمِّه تزكية نفس، سمِِّه ما شئت .. لكن المضمون هو هذا وليس عندنا غير ذلك ولن نقف من أجل الكلمة في محل صراع أو حجاب بيننا وبين فهم الحقيقة والمضمون وبين تبصير إخواننا بالواجب الذي يجب أن نقوم عليه.

من الواضح أن الدعوة تركز على بناء الإنسان وقربه وصلته بالله سبحانه لكن هناك أيضا أحداث ومتغيرات حول المسلم وفي العالم مثل وصم المسلمين بالإرهاب وهو يريد معرفة وجهة النظر الصحيحة فيها.. ما قولكم؟  

الفهم الصحيح يكون من خلال أن المنهج في حد ذاته واسع وكامل وشامل لأنه موروث عن النبوة يقوم الأسس لتميز بين خير وشر وحق وباطل لا عبر تبني صراع ولا عبر تبني انحياز ولكن من خلال الأساس نفسه الذي نتفهم به أمر الشريعة ونفهم به الناس واجباتهم، تبنى على ذلك أسس ثابتة يفرق فيها بين ما يقرب إلى الله وما يبعد عنه، وبين ما يكون خيراً وما يكون شراً، قال تعالى «وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً» هذه الأسس في ساعتها لا تجعل المقبل في هذا المسلك في انحباس أو انحصار عن العالم وما يدور ويجري فيه. لكن فقط كيفية نظرته إلى الأشياء وأين يضع نفسه، هنا تأتي ميزة هذا المنهج والمسلك. وأما كونه يعرف نسبة المسلمين على علاتها إلى الإرهاب أو أي وصف آخر من الأوصاف المسيئة فهو يعرف ما هو الإسلام وإلى ماذا يدعو وكيف تصح هذه النسبة إليه وبأي وجه من الوجوه تكون، مع إدراك أن آخذي هذا المسلك بعد ذلك يكون منهم المتخصصون والمتفرغون للدعوة فهذا مجالهم وهم في محل الإرشاد العام وإقامة الأسس للجميع، ومنهم من يكون بحكم مجتمعه في أسرته في وظيفته ومهمته ومكانته حاكماً أو محكوماً الكل يعرف واجبه ومسؤولياته واختصاصاته أيضاً، فالمسلك لا ينحصر على المتفرغين لأمر التزكية والتعليم فالكل في مكان عمله يستقي من هذه الإرشادات العامة والتوجيه الإلهي والنبوي كيف يتصرف وكيف ينطلق من مكانه. احترام التخصصات أمر ضروري لانتظام المجتمعات وأمر المسلمين مع وجوب التعاون في كل ما يعود على المجتمع بالخير وأمره واضح وبين، إنما البعد عن الشبهات والبعد عن الجزم بالحكم من غير بينة والبعد عن إثارة فتنة ولو بمظهر خير، فقد قال الفقهاء: لا يجوز إنكار منكر يؤدي إنكاره إلى حدوث منكر أكبر منه ولا إنكار منكر غير مجمع على أنه منكر، فالشريعة في سعتها تقبل صاحب هذا الرأي مادام مبنياً على أساس صحيح بالاجتهاد لا بهواه ولا بعصبيته أو جهالة. بهذه الأسس يكون النظر إلى الأحداث وما يجري وكل من جهة في مكان اختصاصه يؤدي حقه على وجه المراقبة لله تبارك وتعالى ووجه إرادة النفع للناس وتبيين الحقيقة لهم ومع ذلك القواسم المشتركة فيما يعود على المجتمعات بالخير وعلى دفع الضرر أيضاً. وكل ذلك على وجهه ومن أبوابه.    

برأيكم ما هي أسباب وهن وضعف الأمة الإسلامية وهوانها في الوقت الحاضر؟  

حقيقة كل الهوان والضعف راجعة أصولها إلى الاستهانة بأمر الحق أو مخالفته أو إقرار أنفسهم على ترك ما فرض وفعل ما حرم عليهم ورضاهم بضعف صلتهم بهذا الدين واكتفائهم فيه بأي حد أدنى ولو بإقامة الصلاة على غير معرفة بشروطها وأركانها وضياع توجيهات الشريعة فيما يتعلق بالمعاملات وضعف الصلة بالحق تبارك وتعالى وشغلهم بأنفسهم من حيث تحامل بعضهم على بعض واختلافهم وتفرقهم. هذه الأسباب هي التي أدت إلى الضعف والحالة التي هم عليها. فصدق رجوعهم إلى الحق وإخلاصهم القصد له وبذل كلٍّ وسعه وإعزاز التوجيهات الإلهية والنبوية في محيطهم القريب والبعيد، الأسرة والأصدقاء والأصحاب وعدم رضاهم بأن يتخلوا عن توجيهات نبيهم.. إن الضعف أساسه تعظيم الفانيات والزائلات بشكل أكثر من مستواها تعظيما يترك بها أمر العظيم جل جلاله، فإذا وصل الناس إلى ذلك فقدموا شيئا على أمر ربهم أراهم الله سبحانه الذلة، ومن غير شك إنهم لا يزالوا والخير فيهم باق وإن كان الحكم للأغلب، الخير باق في الأمة ولا يزال فيها الامتلاك لأسباب الخروج من هذا الانحدار وكل ذلك بصدق النية في التوجه إلى الله وتطهير الضمائر وحمل حقيقة الرحمة إلى الناس لأن الراحمين يرحمهم الرحمن، والمسلم بحمله الرحمة لمن حواليه يُرحَم من قبل الله وحينئذ المرحوم من قبل الله لن يكون ضعيفاً ولا مغلوباً على أمره بل يكون له نصر الله وعزه وتمكينه ما يرفعه.

تشرفون على دار المصطفى بتريم. متى تأسست وما هي أهدافها وطبيعة الدراسات التي تقدم فيها؟  

هذه الدار تهيأت الأسباب لإنشائها بعد الوحدة المباركة لليمن لأن المسلك الذي تمشي عليه هو نفس المسلك الذي كانت عليه المدارس في حضرموت وفي غيرها من بلاد المسلمين شرقاً وغرباً، أغلقت المدارس الدينية في حضرموت أيام الحكم الشمولي واضطهد الناس وأوذي العلماء والوجهاء واختطف من اختطف وحينها نزحنا من اليمن الجنوبي حينها إلى محافظة البيضاء وأقمنا فترة بينها وبين الحرمين الشريفين للأخذ عن العلماء من أماكن كثيرة ثم جاءت الوحدة المباركة وعدنا إلى حضرموت وافتتحت المدارس التي كانت مغلقة وعاد تعليم القرآن والسنة والفقه مع مزج ذلك بالعمل وبالأخلاق، فبدأت الأنظار تتجه إلى أخذ هذا العلم وتحركت قلوب بعض من كانوا يدرسون سابقاً قبل 25 سنة أو أكثر ومنعوا من الدخول، جاءت الحاجة إلى إنشاء المكان فبدأنا باستئجار أماكن حول المساجد ونسكن فيها الواردين أو الوافدين عام 1414هـ ثم بعد ذلك زاد العدد من اليمن والواردين ومعظمهم من شرق آسيا بحكم أن دخول الإسلام إلى تلك البلدان كان عبر هجرة السابقين قبل 8 قرون وأكثر وأن آباءهم كانوا يدرسون علوم الشريعة في حضرموت فسارعوا وجاءوا وصار الناس يتسامعون بمسلك وسط واعتدال وروحانية، وتداعى لذلك عدد من الراغبين في طلب العلم سواء من شرق آسيا أو أفريقيا أو بعض دول أوروبا. وضمن زوارنا جاء فخامة الرئيس أولا وثانيا وفي المرة الثانية جاء وقد ازدحم المكان بالناس ولم نستطع بناء طابق ثالث لأن القواعد لا تتحمل ذلك فطلبنا جزءاً من أرضية بجانبنا تتبع التربية لأن المهمة واحدة ووجه بصرفها ونحن الآن نبني أماكن لتضم سكناً للطلاب.

كم عدد الطلاب لديكم ؟ وماذا يدرسون؟

حاليا حوالي 600طالب أو يزيدون قليلا ما يقرب من نصفهم من اليمن والباقي من الخارج، أما عن الدراسة فالدار كانت عندنا على ثلاثة أهداف: الأول تحصيل العلم الشرعي وتلقيه عن أهله بالسند، والثاني تهذيب النفس وتقويم أخلاقها وتطهيرها ليستطيع الإنسان الانتفاع بهذا العلم ونفع الناس به، والثالث نشر هذا العلم وهذه التربية في الأماكن المختلفة، هذه المقاصد الثلاثة التي أنشئت الدار من أجلها، يدرس الطلاب علوم الشريعة من القرآن وعلومه ومنهم من يتخصص للتحفيظ والقراءات ومنهم من يدرس في الحديث الشريف في علم المصطلح وعلم الرواية كما يسمونه يمرون من المختصرات كالأربعين النووية ومختارات من الأحاديث ومختصر رياض الصالحين إلى تجريد الإمام البخاري وغيرها من كتب السنة وكذلك في الفقه، يدرسون كتب المذهب الشافعي أو مذهب آخر ليكونوا على بصيرة ويطلعون على شيء من المذاهب الأخرى إلى جانب علوم اللغة العربية من النحو والصرف والبلاغة وكذلك علم إقامة النفوس وتهذيبها من خلال حضور الصلوات في الجماعة ودروس فيما يتعلق بالأخلاق والسلوك والتعود على التدريس والتعليم. جانب التزكية يأخذ عندنا نطاقاً واسعاً مثل الأربطة والكليات الشرعية ويتم التركيز على الجانب العلمي المجرد المأخوذ بالسند مع التهذيب والتزكية بما يهيئ للإنسان فكراً يتعايش به ويرضي الله تعالى في التعامل مع مختلف الفئات.

من المعروف أن الشيخ الحبيب علي الجفري أحد تلامذتكم كما صرح في أكثر من مرة.. ما رأيكم في دعوته والظاهرة التي ارتبطت به وما حدث له أخيراً من مغادرة مصر؟

الرجل يمتاز بطاقة إخلاص ومظاهر معاملاته من البداية كانت على تفانٍ في طلب رضوان الله والقرب منه سبحانه وتعالى وهذا ما لمسناه وشهدنا منه، مع عطية من الحق في ذهن صافٍ واستيعاب قوي وحافظة جيدة، بهذا ربا به عن كل المظاهر التي كان يمكن أن تصادفه في الحياة الدنيا ويمكن أن يحصلها بل قد وقفت على بابه الكثير من مظاهر هذه الحياة كان يمكنه أن يبرز من خلالها وأن يؤثرها أو يركن إليها فزهد فيها كلها وعافها، فبذلك ظهرت نتائج بعد مرور السنوات وهو عاكف على دراسة السيرة النبوية وسير الصالحين وأخذ الفقه في الشريعة والقيام بالتطبيق والعمل ومحاسبة النفس وما إلى ذلك ، حدث كل هذا نتيجة حسن البيان ومن الشعور بالروحانية عند محادثته ومخاطبته ومجالسته، وصار بحسن البيان يسرع توضيح الحقائق والمفاهيم إلى فهم السامع.وأحدث ذلك تأثراً للسامعين إليه وانتقالهم في أسلوب حياتهم نقلة واضحة إلى معاني من العبادة والرغبة في القرب من الحق تبارك وتعالى.

هل هذا تسبب في تأليب بعض الخصوم عليه والمنافسين له؟ 

التأليب سنة الحياة خصوصاً مع المخلصين الصادقين ويكون الانبعاث عن وجود شهرة وسمعة حسنة مما يؤثر على بعض النفوس، أما ما يتعلق بالإجراءات الأمنية وغيرها فقد كان وليد ساعته ولأسباب راجعة إليهم وقد فهمت أنهم بعد أن طلبوا منه المغادرة اتصلوا به يعتذرون وأوضحوا أنه وقع التباس ، لكل عذره فيما يحتاط به لأمره وقد يكون له فيه أي نظر إنما الذي نقوله عن الشخص انه ليس هناك شيء يدعو إلى الريبة وإنما سنة الحياة أنه عند الظهور تتحرك النفوس ومع ذلك هناك تقبل قوي للمساءلة أو الإعراض عند وجود الهجوم أو السب أو ما إلى ذلك.

سؤالنا الأخير.. ماذا عن الشيخ عمر بن حفيظ في سطور؟ 

لا أعتقد أن شخصنا صار محلا للبحث ولكن أقول أنني من مواليد 1963ميلادية 1383هجرية في تريم حضرموت وتربينا في أحضان الوالد وكان مفتياً في البلد وكان مهتما بأمر نشر الخير، وخطف وكنت معه نصلي الجمعة وكان عمري 9سنوات فأمسكوه وقاموا بتهديدات كما كان الشأن في تلك الأيام، تلقيت عنه وعن العلماء الموجودين في تريم منهم الشيخ فضل بن عبد الرحمن بافضل والشيخ عمر بن علوي الكاف والشيخ محمد بن علوي بن شهاب الدين وجماعة كثيرين من أهل العلم اتصلنا بهم وأخذنا عنهم ثم بقينا إلى أن خفنا على أنفسنا من الوضع هناك فخرجنا إلى البيضاء وبقينا عند العلامة محمد بن عبدالله الهدار وتلقينا عنه وعن السيد زين بن سميط أحد المدرسين ثم اتصلنا بالشيوخ في الحرمين الشريفين ونغتنم الفرصة كلما وجدنا أحد الشيوخ أصحاب الفضل للاستزادة، وبعد الوحدة عدنا إلى بلادنا وأنا متزوج ولدي من الأبناء والبنات.. والحمد لله.