لقاء مع صحيفة المؤتمر نت الإلكترونية اليمنية

 

مقدمة اللقاء

الشيخ عمر بن حفيظ : المساجد أماكن لتهذيب الناس ومنزلة الدين فوق جميع الأحزاب .
وصف الشيخ عمر بن حفيظ عميد دار المصطفى للدراسات الإسلامية المساجد بأنها أماكن تهذيب وتطهير للأرواح ، وأن الإمامة والخطابة فيها منزلة رفيعة ينبغي ألا تنحرف لتبني النعرات الحزبية في بيوت الله .
وقال الشيخ عمر بن حفيظ في مقابلة( للمؤتمر نت) إن تجنيب استعمال العقل والحوار لإزالة المفاهيم الملتبسة عند بعض العلماء للوصول إلى نتائج طيبة هو الذي يدفعهم للتسرع إلى تكفير الناس وتفسيقهم بالباطل .

1-  كيف يمكن أن يتحقق الاعتدال والتوسط في الخطاب الديني؟

 يتحقق الاعتدال والتوسط بأخذ منهج الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم الذي لا يأتي بمعنى التنازل والتساهل بأمور الدين كما لا يكون مع الغلو والتشدد في غير مجمَع عليه، فالتوسط والاعتدال يجنِّب الخطاب الديني الغلو والتساهل ويخرج به إلى حد المحافظة على شؤون الشريعة كما هي وبما يرضي الله ورسوله.

2-  يدعوا البعض إلى عدم التحريض على اليهود والنصارى واعتبار الواحد منهم فريسة أينما وجد كما يفهم البعض من ذلك التحريض ما رأيكم بهذا ؟

 بعض الناس يفهم خطأ تحريض بعض المنابر على اليهود والنصارى خطأ ويظن أن كل فرد من هؤلاء فريسة شرعية فيعتدي عليها في وطنه ولكن يبقى الحكم في الشريعة ثابتاً بمعنى أن من حارب وقاتل يجب أن يُصدَّ عدوانُه وظلمُه ويقابَل بالقتال كما تذكر الآيات القرآنية "ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وطعنوا في دينكم وهموا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة" والحكم واضح ولكن يجب أن يكون التبيين والتحريض مأخوذاً بموازينه وبحدوده فلا تكون مجرد سباب وشتائم لا تؤدي نتائج مطلوبة، ويستبدل بحسن الدعاء والتضرع إلى الله سبحانه وحثِّ إخواننا على إخلاص التوجه إلى الله، وهي أسباب حقيقية يندفع بها الشر والظلم ولا بد من التخفيف من ذلك واستبداله بالدعاء والاستقامة لصد عداوة الآخرين وليس بالتحريض عليهم.

3- أحياناً يدفع هذا التحريض البعض إلى مهاجمة السائحين مثلاً بحجة أنهم أعداء وغنيمة مباحة؟

 عندما نراجع سيرة نبينا الكريم في المدينة المنورة لم يعمم خيانة العهد على كل اليهود في المدينة، فلم يخاطب بني قينقاع وبني قريظة وإنما خاطب بني النضير وجميعهم على نفس الدين والملة، بحيث لم يخرجهم أو يقاتلهم كلهم، فالذين يقاتلوننا وجاءوا بأنفسهم للمواجهة فالمسألة حرب بيننا وبينهم، ولكن ليس كل من هو على ملتهم في الأرض يُحسب غنيمة لنا، بل الذي يدخل في بلد المسلمين بإذن المسلمين وإذن حكومتهم فهو من أهل الأمان "مؤمَّن" وهو مثل المعاهَد والذمي فلا يجوز مسُّه ولا استحلال ماله ولا نفسه ولا عرضه وفي صحيح البخاري يقول صلى الله عليه وآله وسلم "من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة" والحديث عن المسلمين يقول صلى الله عليه وآله وسلم " المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم " ويجب تقديم صورة طيبة عن الإسلام ليفهموا حقيقته عن قرب، فالإسلام دين التسامح، وبمثل هذه التصرفات نؤكد ما يقوله أعداء الإسلام عن الإسلام.

4- عندما هاجم بعض المتشددين المدمرة الأمريكية كول والسفينة الفرنسية في الموانئ اليمنية كان بذريعة جهاد المصالح الأجنبية في اليمن.. ما هو حكم الدين في هذا النوع من الجهاد؟

 من المعلوم أن الجهاد بضوابطه قائم على أسس لا يتأتى تجاوزها، فالاعتداء على المؤمَّن والمعاهَد والذمي ليس من الجهاد في شيء، ولكن تحكُّم الجهل المركَّب يؤدي بالناس إلى مثل هذه التصرفات، فالقتال يجب في مواضع القتال بأمر أولياء أمور المسلمين وإذنهم، ومثل هذه التصرفات مع كونها مخالفة للشريعة إلا أنها تجلب لنا مشاكل وأتعابا، فهم قادرون على استبدال السفينة بأخرى أو تلك المدمرة وإصلاحها. ولكن أبعاد ذلك تتمثل في الإضرار بصورة الإسلام وتسبِّب في التشديد على المسلمين هنا وهناك وفتح مجال للذين يريدون تشويه الإسلام.

5- كيف يمكن الخروج من أزمة الخطاب الديني في اليمن؟

 هناك جملة من النصائح لتأكيد معاني الإخلاص لوجه الله تبارك وتعالى مع حسن التضرع إليه والابتعاد بالخطاب الديني خصوصاً في المنابر عن الأغراض والمصالح والمطامع، وذلك يرجعنا إلى منبع رسالة نبينا الكريم وهذا الدين الواضح والأخذ منه واجب لربط الصلة مع ربنا الخالق ولا بد للخطاب الديني أن يعمل على تنقية الضمائر وتنوير البصائر وترك استعباد المنابر للآراء وجعل اجتهادات بعض الناس وآرائهم محل النص الصريح وبهذا الخطأ يتباعد المسلمون ويحمل بعضهم على بعض، ولا نذم جميع المنابر ولكن ما انحرف منها يجب رده إلى مساره الصحيح وما شذ عن القيام بمهمته ينبغي تدارك الأمر بردِّه إلى جادة الصواب ولا بد أن يتولى المنابر الذين يؤدون حق الأمانة بينهم وبين الله في نصح العباد وتصحيح كذلك منابر الخطاب مع الناس بتنوعها، فيجب أن تتهذب منابر الدين لكونها الملجأ والملاذ لأهل الإسلام والإيمان، وأن تتصف بالسعة والعظمة والسمو الذي يليق بشأن هذا الدين.

6- المسجد مدرسة لتربية النفوس وتهذيبها وصياغة الأخلاق للمجتمع المسلم .. كيف ينظر الشيخ عمر بن حفيظ للقائمين على أداء هذه الرسالة؟

 المساجد أماكن تهذيب للنفوس وتطهير للأرواح وربطها بالخالق تبارك وتعالى وإرشاد للناس، والإمامة في المساجد والخطابة فيها وكذلك التدريس منزلة رفيعة يأخذها من تأهَّل لها وتلقَّاها عن رجال الخشية وهم العلماء، ولذلك يصبحون أمناء على إرشاد الناس إلى الخير وتطهير قلوبهم وقربِهم إلى ربهم وما هو أوفق لجمع الشمل ولمِّ الشعث، فينبغي للخطباء أن يجعلوا من رسالة المسجد زاداً تُزوَّد منه الأرواح معاني الاشتياقات والتعظيم لما عظَّم الله تعالى ليتجاوز عقباتٍ كثيرة بفعل الخطابة التي تتحول إلى مشكلة بدلاً أن تكون حلاًّ للمشاكل، فإذا خرج الأمر عن طوره وأدبه في الشريعة المطهرة تأتي الأهواء واستغلال الشيطان لنبرات المذاهب والعصبية والحزبية فيدخلها إلى المساجد، ولذلك ينبغي على الخطباء في المنابر الابتعاد عن ذلك والاتجاه لربط القلوب بالله وتسهيل تقارب الناس، فالمسجد رسالة تقريب بين الناس ببعضهم وتقريبهم إلى ربهم ورسالة قيمة تزود المسلم بأشرف الزاد.

7- بعض الخطباء انحرفوا برسالة المسجد نحو مزالق السياسة وأصبحت بعض المنابر أبواقًا للدعاية الحزبية والتحريض.. بماذا تفسرون هذا الاتجاه؟

 يقول الله عز وجل "ألا لله الدين الخالص" لكن هناك من يتصور أن نصر الدين موقوفًا على نصرة حزبه ورأيه حيث يجلب العصبية ويتبنى النعرة الحزبية في المساجد "بيوت الله" ويخيِّل إليه الشيطان القيام بهذه الدسائس الحزبية التي تؤدي إلى إبطال رسالة المسجد وتثير أزمة الخطابة الدينية على وجهها وتصبح المساجد والحضور إليها مشكلة بدل أن تحل المشاكل.. فالواجب على الخطيب مهما كان منتمياً إلى أي حزب أن يستشعر انتماءه للحق تبارك وتعالى وشريعته وأداءه البلاغ عن الله وينأى بنفسه عن أن يكون مأسوراً أو محصوراً بتلك العصبية وذلك الغرض الذي يفسد الطاعة، قال تعالى "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين" وأن لا تتحول الخطابة من دعوة إلى الله إلى دعوة إلى حزب والانزلاق في السياسة فمنزلة الدين فوق جميع الأحزاب، فعلى الخطيب أن يتحفظ بمأمونيَّته على الدعوة وخطاب الكل بمنهج رب الكل بما يتفق مع المقصد الأسمى من دون أن يحول أو يحوِّر معاني بعض الآيات والأحاديث ليشكلها فتظهر صورة إلى هيئة مخصوصة وحزب مخصوص وذلك يرجع إلى خلل في الأمانة في البيان عن الله ورسوله الكريم، وإذا كان مطمئناً أن حزبه على طاعة الله فلا بد أن يربط الناس بطاعة الله ليطمئنوا لحزبه أما أن يتحول الخطيب إلى داعي حزب فهذا خلل في الأمانة، فيجب على الخطباء أن يكونوا مخلصين وأن لا يحولوا بيوت الله إلى مقرات للتحزبات فهي أماكن تقريب إلى الله تعالى.

8- شهدت بعض المساجد أحداث عنف ، ويرجعها البعض إلى تنامي خطاب العنف الديني.. باعتقادكم ما هي الأسباب الحقيقية لارتكاب هذه الحوادث؟

 سبب ذلك ضياع التربية الإيمانية وأصولها وتربية الروح وفتح المجال للأغراض والمماحكات الحزبية والشحناء في القلوب للانتقال إلى أروقة المساجد بحيث يتحول أهل الإسلام إلى أعداء لبعضهم، ويرجع ذلك إلى التساهل في مسألة العلم وأخذه عن غير أهله وإلى الجهل بتلقِّي دلالات الحق تبارك وتعالى ودلالات رسوله بالسند الذي وصل إلينا، فيتجاوز هذه الاحتياطات بفقد العلم والتربية التي تتسبب في ظهور مثل هذه الكوارث، فالخطباء والقائمون على الخطاب الديني يجب عليهم حماية المساجد من أن تتحول إلى مواطن نزاعات وخصومات وميادين قتال والعياذ بالله، فالمسجد يجد فيه المؤمن طمأنينة وسكينة إذا انتهى من تعب الحياة في الخارج ومشاكلها فيأوي إلى بيت ربه باحثًا عن الطمأنينة والروحانية والصفاء، وهو الحال الحقيقي الذي يجب أن تكون عليه المساجد، لا أن يدخل الإنسان إلى المسجد وهو هادئ فيجعله الخطيب يثور ويثور ويتحول مجيئه إلى مشكلة ، فيكون حاله بعد الخروج أسوأ منه قبل دخول المسجد، فيجب أن يكون المسجد مأوى للهرب من تعب الحياة وقساوتها ليتداوى من هذه الأمراض بالقرب إلى الله بدلا من الاستغلال السياسي، فيجب أن نتساعد على عودة المساجد إلى هذا المضمار.

9-  قاتل جار الله عمر ارتكب جريمته لجهاد العلمانية في اليمن.. باعتقادكم ما هي المرجعية الحقيقية التي تدفع هؤلاء لارتكاب جرائم بشعة بحجة حماية الدين؟

 دائماً ما يؤدي ضعف العلم والتربية إلى التسرع في الحكم على الناس وتفسيقهم وتكفيرهم فقاعدة الإسلام فيمن نطق بالشهادتين لا يجوز إخراجه عن الملة حتى يصرح تصريحاً واضحاً بمخالفته لأوامر الله والشريعة كلية وإنكار مجمَع عليه معلوم من الدين بالضرورة، وتصريحه بالارتداد والتكذيب بما جاء عن الله ورسوله، وبغير هذا لا يجوز تكفيره .. فحُسن البيان والتفاهم مع تلك الفئات التي يتهمونها سيخلق سعة لتلافي كثير من الأمور وتقييم ما عندهم بمجالسته والاتصال به لتتضح الصورة وتظهر نتائج طيبة وحسنة للحوار بدلاً من استعمال أسلوب التكفير والحكم على الآخرين بالخروج عن الملة والدين، وبالتالي يتأتى على ذلك استحلال الدم والمال بالباطل فهذه أمور خطيرة جداً، وشريعة الله لا توجد فيها النصوص إلا محذرة منها ولا نجد نصًّا يفتح باب التساهل لا بجانب التكفير ولا بجانب استحلال الدم والمال، بل نجد النصوص صريحة عن رسولنا الكريم تحذر التحذير القوي حتى من تناول دم آخر مع وجود الشبهة كحال أسامة بن زيد عندما هوى بسيفه على الكافر المشرك لكنه بعد الهوي بالسيف قال المشرك "لا إله إلا الله" فغلب على ظنه أنه لم يفعلها إلا خوفاً من السيف فقتله، فعاتبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم العتاب المر وردد عليه الأمر حتى تمنى أسامة أنه لم يكن أسلم قبل ذلك اليوم، فالنصوص آتية بعكس هذا الاتجاه الذي يقع فيه كثير من الناس بالتكفير واستحلال دماء الناس وأموالهم، وهذا يبين غياب أخذ العلم الصحيح والتربية الإيمانية، فمثل هؤلاء لا يريد القرب إلى الله فيصادف تربية خاطئة فيقع في مثل ذلك ويتذرع بهذه الذرائع لاستحلال دماء الناس فهو لم يجد التوجيه الصحيح مع كون معلِّمه والموحي إليه بمثل تلك التعاليم يتحمل مسؤولية كبيرة ولا يجب أن تهمل فتح المجال لظهور هذه الأصوات لنتفادى وقوع مثل ذلك، كالمفاهيم الخاطئة التي يتشبث بها البعض وهي بعيدة عن الله تعالى.

10- في غمار مرحلة سياسية صدرت وما تزال العديد من فتاوى التكفير لشخصيات سياسية في الحزب الاشتراكي يطالبون أصحابها حالياً بالتراجع عنها.. ما هو موقف الدين من هذه الفتاوى وهل يمكن التراجع عنها؟

 قلنا أن مسألة التكفير لا تصح وفقاً لقاعدة الشريعة الإسلامية التي تشترط "من هو الذي يُحكم بكفره؟" فهو ذلك الذي يصرح بإنكار ما بيَّنه الله ورسوله بما لا يحتمل التأويل وإنكار معلوم من الدين بالضرورة ويعلن تكذيبه بالمرجع إلى الله وبرسالة رسوله أما ما عدا ذلك فلا يجوز التكفير فيه.
وإذا صدر التكفير على غير هذه القاعدة فواجب أن يتراجع ويعترف أنه كان تهوراً منه وتسرعا، وإذا صدر التكفير على القاعدة الشرعية المبينة فالواجب على من صدر حكم التكفير عليه أن يرجع عن إنكاره للمعلوم من الدين بالضرورة ويقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.. ، لا أنكر وجوب صلاة ولا صيام ولا أمر مجمع عليه في الدين، ونقول إن التسارع في التكفير ممنوع وإذا صدر فالواجب تدارك هذا المتسارع خطأه، ويتوب إلى الحق تبارك وتعالى ويصرح أنني أخطأت في هذا وما صدر كان على عجلة.